"والنفس من خيرها في خير عافية
والنفس من شرها في مرتع وخم"
نهج البردة ـ أحمد شوقي
فاوست
فاوست شخصية من التراث الشعبي الألماني أساسها ساحر وخيميائي عاش في أواخر القرن الخامس عشر وبداية السادس عشر، وقد نشأت عنه أساطير عدة خلّدت في العديد من النصوص الأدبية العالمية، ولكن أهمها وأوسعها شهرة كان الملحمة الشعرية والمسرحية التي كتبها يوهان فون غوته في أوائل القرن التاسع عشر بعنوان "فاوست".
بالملخص، إن فاوست كان شخصاً طموحاً ولكنه كان مصاباً باليأس لمحدودية قدراته الإنسانية لتحقيق رؤيته للارتقاء بشأن البشرية الى المراحل المتقدمة، الى أن قرر منح روحه للشيطان، شرط أن يكون الشيطان خادماً له في حياته ليحقق له رؤياه لسعادة الإنسانية. من هنا يبدأ فاوست مغامرته الخالدة متحكماً بمسار الأحداث بدلاً من الخضوع لها.
جاب آفاق الأرض وروض البر والبحر هادفاً الى تخليص البشر من واقع خضوعهم للعوامل الطبيعية في حركتهم اليومية، فنراه في النهاية طاعناً في السن بعد أن أنشأ السدود وشيّد الجسور وأخصب الصحاري واستثمر الغابات وأخضع المحيطات وعمّر المصانع العملاقة في عالم أصبح كخلية النحل على أنقاض العالم القديم، عالم ملؤه النشاط والحيوية بدلاً من الركود والتسليم.
ولكنه عندما سمع جرس كنيسة من حقل زيزفون يملكه عجوزان رفضا الخضوع لمشاريع التحديث والتصنيع وأصرّا على البقاء على بساطة العالم القديم وطيبته، أصيب بالإحباط لاستمرار وجود آثار من العالم القديم. لذلك اتهم العجوزين الطيبين بالرجعية وخيانة رؤيته للعالم، واعتبر وجودهما إعاقة لإتمام مشاريعه. وبعد أن رفض العجوزان طلبات فاوست، طلب من الشيطان "مفيستوفيليس" أن يقنع العجوزين، فما كان منه إلا أن قتلهما مع من كان يدافع عنهما وأحرق بيتهما وجرف حقل الزيزفون وهدم الكنيسة. وهكذا فإن فاوست المتعصب لرؤيته للعالم لم يتورّع عن ارتكاب جريمة شنيعة هي إرهابية بكل المعايير حتى يتمكن من إكمال أهدافه السامية.
القتل من أجل الأهداف السامية
لو راجعنا سجلات من اتهموا أو نفذوا المئات من العمليات الإرهابية في العالم على خلفيات فلسفية أو عقائدية أو دينية أو سياسية، للاحظنا أن الكثيرين منهم يحملون سمات مشتركة تبدأ بدماثة الأخلاق الى صلاح السلوك الشخصي، ولكن في الوقت نفسه معظمهم كانوا مقتنعين بأفكار ورؤى عقائدية تدفعهم الى المضي الى الآخر لتحقيقها والتضحية من أجلها. كما أن هؤلاء يعتبرون كل من يقف في سبيل تحقيق أهدافهم هدفاً شرعياً يجب إزالته، والقتل عادة هو أسهل وأسرع الطرق. ونادراً ما يُصاب هؤلاء بعذاب الضمير، أو حتى التردد، لأن تربيتهم العقائدية وفكرهم السامي يسمحان لهم بارتكاب حتى أكبر الفظائع طالما أنها مبررة عقائدياً.
ومن هؤلاء أيضاً من قد تؤهله قدراته الشخصية لكي يصبح أداة تنفيذية للقيادة العليا، وعندها لا يعود هذا الفرد بحاجة الى دراسة ما هو مطلوب منه وتحكيم عقله في مدى تطابقه مع القناعات العقائدية، لأن أوامر القيادة تصبح المقياس العقائدي لأي عمل مهما كانت أهميته.
لم يكن رفيق الحريري في وضع يشبه الوضع الحيادي لعجوزي فاوست، فقد كان الرجل كما نعلم، في وضع تخطى كل الصفات الطوباوية من كرم ومحبة وغيرها من الصفات التي أبكت مئات الآلاف من اللبنانيين يوم اغتياله وعند تذكره. لقد كان رفيق الحريري فاعلاً حقيقياً على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، وقد كان صاحب مشروع رؤيوي في الاقتصاد والسياسة، وصاحب موقع أساسي في مراكز القرار، مما جعل منه عائقاً نظرياً للكثير من المشاريع والرؤى العقائدية الأخرى في المنطقة، وبالأخص تلك التي ترتكز على مبادئ العنف والمناكدة والدمار.
وقد يكون لهؤلاء الكثير من المبررات الأخلاقية لنعت الرئيس الشهيد بمختلف الصفات لتسويغ اغتياله، ولكن أيضاً يكفي أن ينطق قائد ملهم ما بقرار إزاحته من الطريق لتقوم آلة القتل بتنفيذ المهمة من دون ندم وخوف أو مراجعة للضمير.