#adsense

8-14: قراءة في الاحتقان المَكتوم!

حجم الخط

بمعزل عن سلسلة المواقف التي رافقت وتَلت صدور الدفعة الأولى من مذكرات التوقيف التي طالت أربعة مسؤولين من حزب الله، بناء على مضمون القرار الاتهامي للمحكمة الخاصة بلبنان، فإن كثرا من المراقبين لم يقتنعوا بعد بأنّ ردات الفعل على ما قام ستبقى في إطارها السياسي والإعلامي. فقد اختلطت الاستحقاقات والملفات الحكومية والأمنية والقضائية وتزامنت دفعة واحدة، علماً ان عناصر المواجهة موجودة وهي تتراكم.

ولذلك، تبدو نسبة الإرباك على غير ساحة أعلى من منسوبها الطبيعي، فالجميع يعيد حساباته، ويستعد كل من موقعه لإجراء قراءته للتطورات، تمهيدا لاتخاذ مواقف محفوفة بالتوقعات السلبية، بعدما تلمّسوا ان الإيجابيات باتت في حدّها الأدنى. والأمر يمكن تعميمه من دون مكابرة على مجمل قوى 14 و8 آذار، وما بينهما من وسطيين، في ظلّ الفرز العمودي والأفقي بين اللبنانيين، والذي يتجه الى المزيد من الحدة.

وعليه، تبدو الصورة الجامعة لمستقبل المواقف اقرب الى السلبية منها الى الإيجابية، انطلاقا من سلسلة من المواقف التي تنبئ بالمزيد من التصعيد. وإن كانت ساحة النجمة ستشهد فصلا من فصول المواجهة، على خلفية محتوى البيان الوزاري الذي قارب ملف المحكمة على أنها قامت "مبدئيا" لإحقاق الحق والعدالة بعيدا عن أيّ تسيس أو انتقام…". فإن ما اعلنه الأمين العام لحزب الله أمس الأول السبت، وما قالته قوى 14 آذار في بيانها الذي اعقب لقاءها الموسّع أمس، رفع حدّة الاحتقان المكتوم الى اليوم.

ففي حسابات قرّاء المرحلة المقبلة الكثير من السيناريوهات غير المطمئنة، وان الهدوء الذي ساد البلاد منذ صدور القرار الاتهامي لا يمكن اعتباره سمة المرحلة المقبلة. فكل المواقف تشير الى إصرار الجميع على المضي في مشاريعهم السياسية مهما كان الثمن، على رغم وجود قناعة بأن الطريق أمام الجميع صعبة ومليئة بالعقبات والألغام. فلا رهان الأكثرية على قوة الحكومة في محلّه، بعدما دخلت، منذ تكليف رئيسها الى موعد تأليفها وتزامن ولادة بيانها الوزاري مع صدور القرار الاتهامي، حقلا من الألغام، وإن تمكّن الأمين العام لحزب الله في خطابه الأخير، مدّها بالكثير من المقويات والمعنويات. ولا قوى 14 آذار في موقع قوي عندما تقول باحتكامها الى المجتمع الدولي، كما الى القضاء اللبناني الذي يمكنه ان يلاحق المتهمين، ولا يبدو أنها قادرة على إسقاط حكومة الرئيس ميقاتي قبل ان تعمل.

ولذلك، يقول المتابعون للتطورات إن البلاد على شفير نزاع طويل الأمد قد يتخذ أشكالا متعددة نتيجة عدم قدرة أي طرف على حسم الأمور لصالحه بالسرعة المطلوبة، ليستقرّ له الوضع. ومن هنا كانت قراءة هادئة للمعادلة التي تقول بـ "التلازم الحتمي بين الاستقرار والعدالة"، هذه النظرية التي جدّد النائب وليد جنبلاط الحديث عنها في مؤتمره الصحفي قبل ايام، مستبقا موقف السيد نصر الله، ومعقبا على سلسلة البيانات التي اصدرها قادة 14 آذار.

يقول العارفون ان النائب وليد جنبلاط ومجموع المحيطين به يدركون ان هذه النظرية لها أبعادها الفلسفية اكثر من الواقعية، خصوصا في بلد كلبنان تتمازج فيه الانتماءات الحزبية مع المذهبية والدينية الى الحدود القصوى. ولذلك، بقي كلامه خاضعا للتفسيرات المتناقضة، بحيث لا ترضي أيّا من طرفي الصراع على حد سواء.

ففي نظر أحد أقطاب قوى 14 آذار، ان نظرية جنبلاط ليست جديدة "فقد أطلقها عندما كنّا سوية في ساحة الحرية تجمعنا شعارات سياسية واحدة في مواجهة مسلسل الاغتيالات، سعيا وراء البحث عن عدالة تؤدي الى إحقاق الحق والعدالة، ووقف المسلسل الرهيب الذي أودى بحياة نخبة من الشهداء الذين لم يتنكر لهم جنبلاط ،عندما أشار في مؤتمره الصحفي الأخير بالقول: "أقدّر أهمية العدالة لأنها الملاذ الوحيد للشهداء والضحايا".

وأضاف القطب معاتبا، لو كان جنبلاط اكثر وضوحا، لقال بالفم الملآن، عند إشارته الى معنى العدالة، إن هذه المحكمة هي من أجل هذه العدالة التي كنا ننشدها وإيّاه، وان في قرارها الأخير وما آلت اليه أعمالها سَعيا إليها. وفي دعوته الأخيرة الى التلازم بين العدالة والاستقرار، كان يمكنه ان يقول علنا : "هذه هي العدالة كما قالت المحكمة، وتعالوا نعمل لتجاوزها وتجاهلها والبحث عن الاستقرار". ولو فعل ذلك، لكنّا أقرب الى فهم موقفه من هذه المعادلة.

من جهته، رأى أحد أقطاب قوى 8 آذار ان جنبلاط لم يكن موفقا في مؤتمره الصحفي، وفي "المعادلة القديمة – الجديدة" التي طرحها بالأمس. فقد قرأنا في توجهاته بعد 2 آب من العام 2010 تراجعه عن هذه النظرية، فالاستقرار المطلوب اليوم ينطلق من خلفيات لا تتصل بالعدالة المنتظرة من مثل هذه المحكمة. فهذه المحكمة لا تبحث عن العدالة، بل عن الفتنة. وفي إصرارها على توجيه الاتهام الى قياديي حزب الله تحريض على الفتنة السنية – الشيعية، وبالتالي فإن دعوته الى هذه المعادلة توحي بأنه ما زال ينتظر من المجتمع الدولي – والمحكمة من أدواته – كلاما عن "العدالة"، وهو أمر لا نشاطره إيّاه.

واضاف: إن حديث جنبلاط عن " فخ لعبة الأمم" لا يتناسب ودعوته الى الحوار، فالحوار الذي يريده جنبلاط لا مكان له في هذه الحكومة. فهي حكومة متجانسة ستعمل بوَحي سلسلة من المبادئ التي جمعت أطرافها عندما قررت التخَلي عن حكومة الحريري، لتقود البلاد الى تجربة حكومية جديدة، لا مكان فيها لحوار مع أقلية جديدة قررت ان تقود لبنان الى محور يتناقض ومخاوف أقطابها على مصير سلاح المقاومة، وستناصر "سوريا الأسد" في معركتها ضد كل المتآمرين عليها.

واللافت ان طرفي الصراع من 14 و8 آذار قرأوا بعين واحدة في موقف جنبلاط، من "ان توجيه الاتهام لأفراد كما حصل، لا يمكن أن يوجه الى جهة أو حزب أو طائفة، لأن ذلك سيكون بمثابة منزلق خطير يضرب السلم الأهلي والوحدة الوطنية، ويهدد كل أسس الوحدة الإسلامية من لبنان الى المنطقة كلها".

فرأى قطب 14 آذار أن جنبلاط عندما اعاد التذكير بهذه النظرية، أحيا ما بَنت عليه المحكمة مصداقيتها الدولية، وركزت في نظامها الأساسي على اعتبار ان "توجيه الاتهام الى اي شخص لا ينطبق على انتمائه السياسي او الحزبي او الطائفي". ولذلك، قرأ في موقف جنبلاط دعوة مبطنة الى حزب الله بالتعاطي مع المحكمة، على ان المتهمين أفراد وليس على الحزب أيّ مسؤولية في ما قاموا به.

ولما انتهى القيادي في 14 آذار الى اعتبار ان كلام جنبلاط موقف مسؤول "لأنه يدرك خطورة تجاهل قرارات المحكمة التي لا تموت بمرور الزمن"، رأى فيه القيادي من 8 آذار "موقفا ملغوما" على رغم قناعته بأن مفاتحة جنبلاط بهذا التفسير سيؤدي به الى نفيه فورا، لأن ليس في نيّته دعوة الحزب الى مثل هذا الموقف الذي يعطي المحكمة صدقية لا تستحقها بأي ّشكل من الأشكال"، وهو الذي تحدى "المَس بأي من أعضائه المقاومين". فكيف بالنسبة الى "هذه النخبة القيادية" التي طالتها مذكرات التوقيف.

وبناء على ما تقدم، تبدو الإشارة الى ان الجدل حول موقف جنبلاط هو في حقيقته جدل حول إمكان قيام الوسطيين في لبنان بدور ما؛ لكنه جدل دلّ على انه من الصعب ان يكون لهم أي دور، فاعتبار جنبلاط "ان الحديث عن فتنة سنية – شيعية في حال عدم تسليم المتهمين بأنه كلام غير مسؤول"، كلام غير مقبول لدى نصف اللبنانيين، ويرفع نسبة الاحتقان والانقسام لديهم، والعكس صحيح.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل