وصدر القرار بعد طول أنتظار. والعجيب أنّ ردّة فعل القتيل لم تكن بمستوى حماسة ردّة فعل المتّهم. والكثر الذين نصحوا في أطلالاتهم بالرويّة والأتّزان وعدم أطلاق العنان لمواقف سلبيّة تثير الحساسيّات، هلاّ تفضّلوا بنصح أنفسهم بهذه التوجيهات الموضوعيّة، قبل أن يطلّوا علينا بسلسلة الأتّهامات والتحذيرات والتهديدات، ولكن بلكنة الأبتسامة الرضيّة التي ذكّرتنا بوصف الشاعر للأفعى التي بالرغم من لين ملمسها، تخفي أنيابا عاطبة.
المحكمة أسرائيلية أو أسرائيلو – أميركية، هكذا وصّفها المدافعون عن المتّهمين. ربّما، لكنّ مواجهتها لا تتمّ بالمواقف السياسية العالية النبرة والشعبويّة، فقط لتسخيفها ورفضها وتجييش الذين يرفضونها، حتى وان كانت غالبيّة هؤلاء لا تدري سبب هذا الرفض. أمّا الدليل القاطع الذي يقدّمه المدافعون، فهو التلّقف السريع واللافت لقوى "14 آذار" للقرار الظنّي واعتباره الطريق السليم الموصل الى العدالة. ولمّا كان هذا الفريق المغبوط مرتهنا للأدارة الأميركية، كما يوصّفه الحزب وكان أركانه عملاء
متواطئين مع العدو الأسرائيلي الذي يسعى وبأيّ وسيلة الى القضاء على عصب المقاومة، فالمحكمة أذا اسرائيلية تهدف الى النيل من "حزب الله".
بالرغم من اعتقادنا بضعف هذه الحجّة، نسأل "حزب الله": اذا كان فريق المعارضة الحالية مكوّنا من عملاء لأسرائيل، وأذا كان الشهداء جميعا الذين جرى اغتيالهم ينتمون الى هذا الفريق، أي هم أصلا عملاء للعدو، فهل يعقل أن يقتل المحرّك من يحرّكهم لمصلحته؟ ثمّ، بعد مراجعة لوائح المتعاملين مع الصهاينة، من الذين كشفتهم أجهزة الأمن والأستخبارات اللبنانية، تبيّن ومن خلال التحقيقات أنّ أيّا من هؤلاء لا ينتمي الى أهل الرابع عشر من آذار، ونذكر على سبيل المثال لا الحصر السيّد فايز كرم أو اليد اليمنى للجنرال ميشال عون، وأولائك الذين ذكرهم السيّد نصرالله في
إحدى أطلالاته وهم من مجاهدي "حزب الله".
لسنا هنا، وبالتأكيد في موضع الدفاع عن أسرائيل التي نتمنّى أن تكون هي وحدها مرتكبة لهذه الجرائم المستنكرة، وعليها بالتالي أن تدفع غاليا ثمن ما اقترفته من اعتداء على لبنان واللبنانيّين. أمّا الأمر الثاني الذي يثير الألم ويحفر في القلوب أثلاما من الحزن، فهو أغفال المدافعين عن المتّهمين توجيه أيّ كلمة تعزية الى ذوي الشهداء، وكأنّ هؤلاء سقطوا بفعل تعرّضهم لحادث سير أو لصاعق كهربائي. إنّ عدم أقامة الأعتبار للحالة الوجدانيّة لهؤلاء الناس، هو بمثابة اعتراف بأنّ تضحية أحبّائهم لا قيمة وطنية أو أنسانيّة لها، وبالتالي هو أغتيال ثان لدمهم أبشع
من الأوّل.هذا بالأضافة الى الرسالة الواضحة التي يوجّهها أولياء المتّهمين الى أولياء الشهداء بألا حق لهم في معرفة الهويّة الحقيقية للقاتلين. وما أمامهم سوى الصمت أذ يحظّر عليهم حتى البكاء العلني.
إنّ الأستقواء بالسلاح يمكن، وفي مراحل محدّدة، أن يحقّق للمستقوين فرض أمر واقع يذكّر بشريعة الغاب، وينسف كلّ معنى للدولة او السلطة أو القانون. نعم، بإمكان هذا الأمر أن يحدث في لبنان، وقد حدث. لكنّ التلطّي خلف ترسانة الصواريخ لا يجدي نفعا أمام قوس المحكمة، بل تقديم الحجج الأكيدة لأسقاط التهم. من هنا، فإنّ النصح الذي نقدّمه الى أولياء المتّهمين – وهم أبرياء حتى تثبت أدانتهم – هو أن يبادروا الى التوكّل على ربّهم وعلى وكلاء الدفاع لديهم والبراهين القاطعة التي يملكون، والى تسليم المتّهمين الى القضاء في أسرع ما يمكن. إنّ البريء لا يخاف القانون، فلماذا الأيهام بأنّ التهمة الموجّهة الى هؤلاء هي تهمة حقيقية وأقرار بالذنب، في حين يمكن دحض كل ذلك أمام القوس؟
إنّ الحلّ التسووي في هذه القضية بات مرفوضا، بعد أن تمّ عرضه في السابق ومرارا وقوبل بضربه عرض الحائط. لذلك، ما على قوى الرابع عشر من آذار ألاّ الركون الى الوسائل الدستورية والقانونية والديمقراطية في المواجهة، والتركيز على مرجعيّة
المحكمة وقانونيّتها في تبيان الحقيقة وأقامة العدالة وإنصاف الشهداء. وهذا النضال
السلمي وحده يمكن أن يوصلنا الى يوم – ولعلّه قريب – نسمع فيه من يقول: حكمت
المحكمة………..