
خرّجت جامعة الروح القدس – الكسليك حوالي 1300 طالبا وطالبة من فروعها كافة حملوا اسم "فوج البابا الطوباوي يوحنا بولس الثاني"، في حفل دعا إليه رئيسها الأب الدكتور هادي محفوظ، وحلّ فيه المتكلّم الرئيسي السفير البابوي وعميد السلك الدبلوماسي في لبنان المطران غابريل كاتشا، في حضور الرئيس العام للرهبانية اللبنانية المارونية الأباتي طنوس نعمة، وزير الطاقة والمياه جبران باسيل، وزير الدفاع فايز غصن ممثّلا بالعقيد وفيق جابر، الاب المدبر طوني فخري في الرهبانية، وحشد من الشخصيات العسكرية والأمنية والقضائية والبلدية والاختيارية، والآباء، وأعضاء مجلس الجامعة، وأهالي المتخرجين.
بعد دخول موكب الخريجين والنشيد الوطني اللبناني، تلا الأباتي نعمة صلاة توسّل فيها إلى الله أن يبارك هذه الجامعة ويجعلها واحة علم رصين، شاكرا إياه على هذه البواكير الوافية الذكية.
محفوظ
ثم ألقى رئيس الجامعة الأب هادي محفوظ كلمة توجّه من خلالها إلى المتخرجين قائلا: إنني، إذ أنظر إليكم، ومنظركم ساطع البهاء، استعيد عبارة البابا الكبير التي قالها لشبيبة لبنان، يوم التقاهم في بازيليك سيدة لبنان في حريصا، في العاشر من أيار 1997، وخرج إلى شرفة البازيليك، فقال البابا الطوباوي، مبتسما كعادته: "ما أجمل هذا الأفق"، قاصدا بذلك منظر الشبيبة المجتمعة ومنظر الطبيعة الرائعة". وأضاف :"إنّه زمن الانطلاق إلى الأمام بالنسبة إليكم. إنّه زمن الخيارات. وليس هذا فقط على مستوى الأمور العمليّة، بل أيضا على مستوى الخيارات الوجودية في ظلّ تساؤلات دينية وفلسفية وحياتية تأخذ بتفكيركم. أعود إلى تعليمه هو الطوباوي يوحنا بولس الثاني، فقد كان راعيا للكنيسة جمعاء وما نطق الا بالحق، كما أعود إلى حياته، فهو مثال لكم ولنا جميعا. هناك أساسات صلبة نضيع إن ابتعدنا عنها، ولا تنفعنا علوم وسلطة ومال في استعادة حياتنا وفرحنا، بدون هذه الأساسات".
وعدّد الأب محفوظ أربعة أسس من هذه الأساسات المتعددة، فدعا المتخرّجين أن يحبّوا لبنان مثل ما أحبّه الطوباوي يوحنا بولس الثاني كاساس أول، مؤكّدا أن "لبناننا رائع، وطننا عظيم، مجتمعنا نفتخر به. ذاك البولونيّ الآتي من بلد بعيد أحبّه حبّا كبيرا. فكم بالحريّ بنا، نحن أبناء هذا الوطن، أن نحبّه حبّا جمّا. البابا الطوباويّ نظّم سينودسات كثيرة، أي هيئات عامة في الكنيسة، من اجل قضايا إيمانية كبيرة، ومن أجل قارات بأكملها، مثل السينودس من اجل اوروبا والسينودس من اجل إفريقيا. ولكنّه، طاب له، أن يخصص بلد العشرة آلاف كلم2 ونيّف، بسينودس، علامة محبّة كبيرة له وعلامة إيمانه به كوطن-رسالة. واصدر بعدها إرشاده الرسولي، سنة 1997، بعنوان: "رجاء جديد للبنان". إنّ الفطن من بيننا، الذي يعلم الحقيقة الداخلية للمجتمعات كافة، يتيّقن أن كلّ المجتمعات على وجه الأرض تعاني، وأنّ كلّ مجتمع منها، يعاني على طريقته".كما دعا الأب محفوظ الطلاب إلى أن يرفضوا ويردّوا عنهم كلّ رسالة إحباط عن لبنان، تصل من هنا أو من هناك، وأن يكونوا واقعيين في معالجة أمورهم في لبنان ومن أجل لبنان. وألا ينظروا إلى المسؤولين في الوطن بصورة سلبية، بل يتفاعلوا مع الطروحات ويفكّروا ويتيقنوا ما هو الأفضل للبنان ولهم.

واعتبر أن الأساس الثاني هو "التنشئة الدائمة والذاتيّة، والصلابة الداخليّة. لقد تنشّأتم في مدارسكم وفي جامعتكم على العلوم وعلى اختصاص معيّن اخترتموه. هذه التنشئة هي مرحلة أولى لمراحل أخرى تأتي من بعدها. سوف تكتشفون يوميّا أن التنشئة المدرسية والجامعية هي المواد الأولية الضرورية في صنع مستقبلكم واحترافكم المهني والحياتي".
ورأى الأب محفوظ أن الأساس الثالث هو محبّة الحياة التي أبدع يوحنا بولس الثاني في تبيانها فقال :"أحبوا الحياة. هي أمانة من الله بين أيدينا. حياتنا الشخصية كما حياة الآخرين. سوف تكونون مسؤولين في المجتمع، كلّ منكم على قدر ما أعطي".
أما الأساس الرابع كما دلّ عليه البابا الطوباوي فهو "الانفتاح على الآخر، أيّا يكن هذا الآخر"، فتوجّه الأب محفوظ إلى المتخرجين طالبا منهم أن يتشبثوا بإيمانهم وأن يتعمّقوا فيه، "ولكن انفتحوا على الآخر وأحبوه ولا تخافوا منه، بل تفاعلوا معه، ومعه ابنوا الوطن وابنوا المجتمع العالمي برمّته".
وأشار إلى "أن جامعة الروح القدس – الكسليك تستوحي رسالتها من تعليم الكنيسة ومن تاريخ الرهبانية اللبنانية المارونية التي أسستها والتي تديرها. لبنان يجري في عروق هذه الرهبانية وقد حملت اسمه في اسمها. همّها خدمة الإنسان، وفق الرسالة المسيحية، بدون تمييز بين عرق ودين" ، مؤكدا "أن جامعتكم، أمانة لرسالتها، تريد السير دوما في طريق الجودة، في كل مضمار جامعي، من البرامج الأكاديمية، إلى العلاقات مع المجتمع المحلي والعالمي، إلى التطور العمراني والتكنولوجي، إلى الأبحاث. لقد لاحظتم أيضا كيف أن اللغة الانكليزية تدخل جامعتنا رويدا رويدا إلى جانب اللغة الفرنسية، وفق التطور اللغوي في لبنان".
وختم الأب محفوظ كلمته مهنّئا أهالي الطلاب بتخرّجهم: "الحياة أمامكم فتفضلوا. وليتفضل أهلكم وأقاربكم وأحباؤكم وأساتذتكم والمسؤولون الإداريون عنكم بقبول أطيب التهاني مني، أقدمها باسم جامعتكم التي تحبكم. ودمتم لها أحباء. وشكرا".
كاتشا
وبعد فاصل موسيقي أحياه التينور إيليا فرنسيس، ألقى السفير الباباوي غابريل كاتشا كلمة استهلها معرباً عن سعادته لكونه المتحدث الرئيسي في هذه المناسبة المهيبة التي تشكل معلماً في مسيرة جامعة الروح القدس. وقال: "كم تزيد سعادتي عندما أراكم أيها الخريجين الأعزاء تحملون اسم "دفعة يوحنا بولس الثاني" الذي تم إعلانه طوباوياً في أول أيار الماضي. وإنها لتسمية تثير في داخلي أقوى المشاعر نظراً إلى أنه كان لي الشرف أن أقوم بخدمة أمانة سر دولة حاضرة الفاتيكان إلى جانب هذا البابا خلال العديد من السنوات. ولقد تمكنت من عيش همومه الكنسية ولمس محبته لكل كائن بشري. كما لاحظت الاهتمام الذي كان يوليه لكل طلبات الصلوات التي كانت تصله من كافة أنحاء العالم، حيث كان يذكر كل منها بكل عناية في القداس اليومي وفي صلواته. إن قوة شخصيته ولَّدت الثقة والسلام في كل أنحاء محيطه. كما أن إيمانه بالله وبالسيدة العذراء أمدَّه بالقوة والشجاعة للمضي قدماً وبكل سعادة التي كانت تشرق دوماً من وجهه. حتى خلال سنوات مرضه، حافظ البابا يوحنا الثاني على صفاء ذهنه وحماسته الرسولية. لقد كانت بركة كبيرة لي أن أخدم الكنيسة بالقرب منه. كما كان البابا مصدراً للأمل عند جميع الذين كانوا يلتقون به".
وتابع: "في الواقع، كان مفهوم الأمل عزيزاً على قلبه خصوصاً في إطار الشباب. وكما أرى أمامي اليوم مئات الشباب أود أن أتلو على مسامعكم بعض مما جاء في خطابه الموجه إلى الشباب بعد مضي أسابيع على إعلانه بابا الكنيسة الكاثوليكية، حيث قال حينها: "بالإضافة إلى محبتي لكم، أود أن أعرب عن أملي. نعم، أملي، لأنكم أنتم رجاء الغد. أنتم أمل الكنيسة والمجتمع. إن الأمل هو في داخلكم لأنكم تنتمون إلى المستقبل كما ينتمي المستقبل إليكم".
وأردف كاتشا: "لقد أراد البابا يوحنا بولس الثاني أن يضع الإرشاد الرسولي من بعد إنعقاد السينودوس بالإضافة إلى زيارته إلى لبنان عام 1997 تحت شعار "رجاء جديد للبنان". لقد كان الرجاء يشكل إذاً جوهر رسالته الأولى للبنانيين وعلى وجه التحديد للشبيبة اللبنانية".
كما اعتبر "أن تشديد البابا يوحنا بولس الثاني على القوى الإيجابية الموجودة في لبنان الذي وصفه بنفسه أنه "رسالة"، لا تزال اليوم تلقى صداها بين جميع اللبنانيين. ولقد تمكنت بنفسي، منذ أن وطأت قدماي بلد الأرز، من لمس مدى حقيقة هذا الوصف. إذ وجدت مجتمعاً مترسخاً في الإيمان والثقافة والعيش المشترك. وكل هذا كان مصدراً للرجاء. أيها الشباب الأعزاء، أدعوكم اليوم للحفاظ على هذا "البلد-الرسالة" الذي يشكل أهمية كبيرة للشرق كما للغرب. حافظوا على إيمانكم بالتضامن والغيرية واحترام كرامة الإنسان والحق في الاختلاف وفي الحرية. احترموا الخير العام. اعتنقوا القيم الأكثر نبلاً. ساعدوا وطنكم على الشفاء من جروحه وعلى استعادة وجهه الجميل".
وأضاف: "لا يمكنني اليوم إلا أن أهنىء جامعة الروح القدس وأعضاء الرهبانية اللبنانية المارونية على مساهمتهم الفعالة في إعداد جيل من الشباب اللبناني على الصعيد الإنساني والثقافي والروحي. أيها الطلاب، اليوم تتوجون مسيرتكم الجامعية وتستعدون لدخول عالم الأعمال. ولكن النجاح في عالم الأعمال فحسب لا يشكل ضمانة للنجاح في الحياة. هناك العديد من الأبعاد الأخرى التي يجب العمل عليها". فلتنوِّر كلمة الرب دربكم وليساعدكم قديسو لبنان، شربل ورفقا ونعمة الله ويعقوب واسطفان، في بلوغ مصدر الفرح والسلام".
وختم كاتشا كلمته مهنّئا الطلاب فتوجّه إليهم قائلا: "أيها الخريجين، أهنئكم جميعاً. أهنىء أهاليكم وعائلاتكم وأقرباءكم وأصدقاءكم. أهنىء جامعتكم وأتمنى لها المضي قدماً في مسيرتها نحو التفوق. أهنىء المجتمع اللبناني على هذا الكادر البشري الجديد الذي هو في صدد الإنضمام إليه".
ميدالية تقديرية وجائزة الدكتور إيلي شلالا
ثم قدّم الأب محفوظ ميدالية تقديرية للسفير الباباوي تقديرا على دعمه الجامعة وطلابها. وتسلّمت طالبة الطب المتفوقة ساميا أبو جودة جائزة المرحوم الدكتور إيلي شلالا، أحد مؤسسي كلية الطب في الجامعة، وهي بقيمة 10 مليون ليرة لبنانية.
كلمة الطلاب
وبعد توزيع الشهادات على المتخرجين، ألقت طالبة فرع الصحافة والإعلام شانيل فياض كلمة باسم الطلاب فقالت: "رسالتنا إلى هذه الجامعة كبيرة جداً ،كبيرة بقدر كِبر الرسالة التي تؤديها، كبيرة بقدر شكرنا لها و حفظنا جميلها الذي سيبقى الى الابد. صحيح أن الدخول إلى الجامعة ليس كالدخول إلى المدرسة.فنحن الآن لا نبدأ من الصفر و لكننا نكمل ما بدأناه".
وأضافت :" مررنا في هذه الجامعة بمرحلة العبور من الحياة العائلية الصغيرة إلى الحياة الاجتماعية المنفتحة حيث أُطلقنا للمجتمع سواعدَ بنّاءة، لاننا تشرّبنا العزم والارادة بمرافقة الاساتذة الذين بتنا نضيع بين عطائهم الأكاديمي من جهة وبين أبوّتهم أو أمومتهن من جهة أخرى لصدق عطائهم في التعليم. فمنهم تعلّمنا الاقدام و الاجتهاد".
ثم توجّهت إلى رفاقها المتخرّجين قائلة: " يارفاقي، لن نقيّد حياتنا، فليس للحياة قيود الاّ التي نصنعها انفسنا. في الجامعة تعلّمنا الدرس وبعدها خضنا الامتحان لكن في الحياة سنخوض الامتحان و بعدها نتعلّم الدرس، درس الحياة. التخطيط من دون الفعل هو لا شيء و الفعل من دون التخطيط هو لا شيء. ولكننا سنعرف كيف نخطّط وكيف نعمل، لأن التجارب تقول: احبّوا ما تفعلون و افعلوا ما تحبّون".