واشنطن لا تبدو فقط ضعيفة الصلة بتحولات ربيع العرب بل في احيان كثيرة بدت بقيادة الرئيس باراك اوباما هامشية في تقرير مسار امور هذه الثورات… اميركا تتمرن على شرق اوسط جديد فعلا.
يخلص الصديق جهاد الزين في ختام الورقة التي قدمها للاجتماع السنوي للفريق الاقليمي التابع للبنك الدولي في تركيا حول الربيع العربي الى أن أنقرة تواجه "معطيات هائلة الوقع والتأثير في الوضع العربي الجديد"، معطياً أولوية راجحة، في هذ الخصوص، لما وصفه بـ "دور اميركي قيادي في الربيع العربي" منتقداً ما يعتبره "الرأي الذي يتردد ببغائيا احيانا عن الارتباك الاميركي هنا او هناك".
لا يخفى أن مثل هذه الملاحظة حول إفتراض "دور قيادي" لواشنطن في ربيع العرب نابعة من تقدير، غير خاطىء بالضرورة، بشأن أن أميركا أكبر بكثير من أن تكون عديمة الصلة "بقيادة" ما يحصل في المنطقة من تحولات هي الاعمق على المستويين السياسي والجيوبوليتيكي في الشرق الاوسط وشمال إفريقيا. غير أن الواقع هو أن واشنطن لا تبدو فقط، ضعيفة الصلة بهذه التحولات بل في أحيان كثيرة بدت، بقيادة الرئيس باراك أوباما، هامشية في تقرير مسار أمور هذه الثورات لا سيما في تونس ومصر. كما أنها في المرات التي تدخلت فيها لم تنجح في حسم الواقع على الارض وإن قللت من كارثيته كما حصل في ليبيا عشية تهيوء العقيد معمرالقذافي لدخول بنغازي. وهي حيال اليمن وسوريا إصطدمت بحدود ما يمكن أن تقوم به، حتى أنني سمعت من ديبلوماسيين وخبراء في إحدى الندوات التي شاركت فيها في لندن منتصف الشهر الفائت تعبيرات مهولة عن العجز الأميركي بشأن التأثير في الأحداث، دعك عن قيادتها.
فالرئيس أوباما أدلى بخطابين مهمين في الآونة الأخيرة القيا ضوءاً كاشفاً على حدود القدرة الأميركية على الإضطلاع بدور قيادي في العالم. الاول حول ربيع العرب والثاني حول الإنسحاب من أفغانستان. في خطابه الأول إختار أوباما، على مستوى الشكل، غرفة بنجامين فرانكلين في مقر الخارجية الأميركية ، أحد أبرز الآباء المؤسسين للولايات المتحدة والملقب بالأميركي الأول، لإلقاء خطابه الأهم حول الشرق الأوسط منذ بداية ولايته. وهو بإختياره "بيت الديبلوماسية" منصة لهذا الخطاب كان يعلن بصراحة أن المقاربة السياسية والديبلوماسية هي المكون الأول في الإستراتيجية الأميركية حيال الشرق الأوسط، على نحو ما كانته المقاربة العسكرية المكون الاساسي في إستراتيجية سلفه جورج دبليو بوش والتي أسس لها الرئيس السابق عبر خطابه الشهير من على منصة الأكاديمية العسكرية الأميركية في ويست بوينت عام 2002، وهي مصنفة أرقى معهد عسكري في العالم.
يشهد على هذا التكوين السياسي والديبلوماسي لتصور أوباما حول كيفية إضطلاع أميركا بدورها في الشرق الاوسط، تذكيره المبكر في مطلع الخطاب بـ "الحربين المكلفتين في أفغانستان والعراق" وتشديده على الإنسحابات العسكرية المنتظرة من هذه البقع. كما يشهد له إقتصار الخطاب على لغة تبشيرية قيمية، لم تنجح فخامة صياغتها في صرف النظر عن عموميتها، أو أن تعطي الإنطباع في أي لحظة من لحظات الخطاب أن الرجل يملك رؤية عملية لتحويل هذه الاقتناعات الى سياسات عملانية منتجة. ويشهد له أيضاً وأيضاً التدخل العسكري الخاطف في الأزمة الليبية قبل نقل مسؤولية العمليات الى قوات الاطلسي (الناتو).
لم يكن أوباما أكثر وضوحاً في التعبير عن واقع محدودية الدور الأميركي مما كانه في الشق المتعلق بتسوية النزاع الفلسطيني – الاسرائيلي. فعلى الرغم من أن الرئيس الأميركي عبّر بشكل نادر، من موقعه كرئيس وفي مناسبة عامة، عما يقوله الديبلوماسيون والسياسيون الأميركيون حول حدود العام 1967 كمرجعية نهائية للحل السلمي القائم على أساس رؤية الدولتين، الا أنه أقر بأن هذا السلام مرهون الى حد بعيد بما يمكن أن يتفق عليه جانبا الصراع وليس بما تريده واشنطن. ما يعني، مرة اخرى، ان قدرة أميركا في هذا السياق تقتصر على دور الراعي والملهم للحل ولكن دائماً على قاعدة توافر التوافق بين الاسرائيليين والفلسطينيين.
أما بشأن خطابه حول افغانستان فسرعان ما إزدهرت، في الإعلام الأميركي، المقارنات بين أوباما ورئيس الإتحاد السوفياتي ميخائيل غورباتشيوف مخاطباً في نهاية العام 1986 المكتب السياسي للحزب الشيوعي حول ضرورة إنهاء الحرب السوفياتية في افغانستان في أقرب وقت ممكن. لم يأت أوباما على كلمة النصر مرة واحدة في خطابه أو حتى نجاح المهمة في هذا البلد التي كلفت خلال الأعوام العشرة الماضية نحو الف مليار دولار. كان خطاباً حول الإنسحاب وحول الإنسحاب فقط كما لاحظ عدد من المراقبين على ضفتي المشهد السياسي الأميركي.
لعله من المفيد التنبه الى ان إدارة الرئيس أوباما غير وحيدة في هذا المقام. فليس من غير دلالة في هذا السياق إندلاع سيل من التحليلات التي تحاول أن تقرأ ملامح لحظة تحول مهمة يمر بها الحزب الجمهوري على بعد سنتين من الإنتخابات الرئاسية، على ما كشف مضمون المواقف التي عبر عنها عدد من الطامحين للفوز بترشيح الحزب الجمهوري الى سباق رئاسة الجمهورية اخيراً. معظم هؤلاء عبروا عن ميل جاد الى إنهاء الجهود العسكرية الاميركية في أفغانستان، بالاضافة الى توجيههم إنتقادات شديدة لخيار الرئيس الاميركي باراك أوباما الإشتراك في العملية العسكرية في ليبيا.
كما أنه ليس من غير دلالة ايضا أن يحذر احد اعرق قادة الحزب الجمهوري ومرشحه السابق للرئاسة في مواجهة أوباما السيناتور جون ماكاين من "مخاطر إنزلاق الحزب الى تبني الإنعزالية في مقاربة السياسة الخارجية الاميركية".
ولئن كان تحذير ماكاين، كأي تحذير في المطلق، يحمل صفة الإستباق، اي إستباق ما يحذَر منه قبل تحوله الى واقع، يقلل بعض المراقبين الاميركيين من حراجة اللحظة السياسية التي يمر بها الحزب الجمهوري والتي وصفها بعض آخر بأنها حرب على "روح الحزب الجمهوري بعد ولايتي جورج بوش ومقاربته التثويرية داخل الحزب وجذبه أكثر نحو يمينية وسطية". المقللون من حرج اللحظة هذه يعتبرون أن الاميركيين لطالما كانوا "عالميين حذرين" لا سيما المحافظين منهم، ما يجعل لحظتهم الراهنة عودة الى القواعد الجمهورية الكلاسيكية. فيما ذهب معلقون آخرون الى القول إن اللحظة الجمهورية الراهنة هي لحظة نضوج سياسي، بمعنى ما، داخل الحزب الجمهوري، اي لحظة إحتكاك بما يسميه المؤرخ والتر راسل ميد "الارث الجاكسوني" في السياسة الاميركية، نسبة الى الرئيس أندرو جاكسون، وهو الارث الذي يمكن تلخيصه، في شق السياسة الخارجية، بالحذر الشديد حيال سياسات التدخل الخارجية من قبل الولايات المتحدة او الانخراط في مشاريع بناء الامم.
وترصد مقاربة ثالثة في لحظة التحول الجمهورية هذه عودة ما الى الريغانية التي صيغت ضمن ما يعرف بمذهب واينبرغر. فبعد التفجيرات التي إستهدفت المارينز في بيروت عام 1983 عهد الرئيس الجمهوري رونالد ريغان الى وزير دفاعه كاسبر واينبرغر وضع المعايير التي تسمح بالتدخل العسكري الخارجي بالبناء على العبر المستخلصة من تجارب الغرق في المستنقعات التي وجدت واشنطن نفسها فيها من فيتنام الى بيروت. وقد جاءت خلاصات واينبرغر التي وضعها بمساعدة من الضابط كولن باول لتشكل بناء تحليلياً متكاملاً لنهج محافظ حيال التدخل العسكري، مشروط بأن تكون أي حرب تشكل أمراً حيوي للمصالح الأميركية، وأن يتم تعريف أهدافها بوضوح مقرونٍ بتوفر الإلتزام الكامل والساحق لتحقيقها، وأخيراً أن تحظى الحرب بالدعم الشعبي.
لكن مها يكن من أمر، لم ينبع تحذير ماكاين، وهو احد صقور التيار التدخلي، من فراغ. بل الأرجح انه جاء وليد تراكمات سياسية عبرت عنها إتجاهات التصويت اخيراً داخل مجلس النواب الأميركي أكثر مما عبرت عنها مواقف سياسية لمرشحين جمهوريين لا يمكن التقليل من تأثير إنتهازيتهم السياسية على ما يعبرون عنه.
فقد صوت 26 نائباً جمهورياً، أي عشرة في المئة من الكتلة الجمهورية داخل مجلس النواب، الى جانب الغالبية الساحقة من نواب الكتلة الديموقراطية لمصلحة إقتراح قانون مقدم من نائب ديموقراطي، كان سيلزم رئيس الجمهورية لو كتب له النجاح، تقديم "خطة وجدول زمني لمفاوضات تؤدي إلى حل سياسي والمصالحة في أفغانستان". وفي مناسبة أخرى، لعلها أكثر مفارقة، إستحوذ مشروع قانون مقدم من نائب ديموقراطي آخر على دعم من الجمهوريين فاق الدعم الذي لاقاه النائب من نظرائه الديموقراطيين، وهو يدعو الى إنهاء فوري للتدخل الأميركي في الأزمة الليبية.
لكن مشروع القانون لم يمر هو الآخر.
الى ذلك أقر مجلس النواب الأميركي مشروع قرار مقدم من رئيس المجلس، السناتور الجمهوري جون بونير، يدعو البيت الأبيض لتوضيح المهمة في ليبيا. يضاف الى ذلك أن المرونة التي يتعاطى بها النواب الجمهوريون عامة بشأن إنفتاحهم على تقليص موازنة وزارة الدفاع تؤكد على عمق التحول الذي يمر به الحزب الجمهوري، مدفوعاً بضغط ناجم عن تفاقم حدة الأزمة الإقتصادية الاميركية وتدني حماسة الناخب الأميركي عموماً لتمويل مشاريع تدخلية خارجية بالاضافة الى راديكالية الرئيس أوباما في مقاربته العكسية لتجربة العقد الممتد بين جريمة الحادي عشر من أيلول وإنتخابه رئيساً للولايات المتحدة.
وكان أوباما سدد ضربة نقدية قاسية للخيارات العسكرية التي إنتهجها سلفه عبر صياغة شعبوية قادرة على جذب إنتباه الناخب الأميركي لأي جهة إنتمى وذلك بقوله إن "الوقت حان لبناء الأمة هنا في الوطن" غامزاً من قناة مشاريع بناء الأمم في أفغانستان والعراق. فالناخب الأميركي الذي يقرأ شهرياً معدلات البطالة ويطلع على محدودية فرص العمل الجديدة لا يرغب في دعم حرب في أفغانستان تصل كلفتها الى نحو ملياري دولار اسبوعياُ.
واللافت أن غالبية من بين النواب الجمهوريين الذين باتوا يعبرون عن برم غير تقليدي حيال كلفة المغامرات العسكرية الأميركية هم من النواب الجدد ومعظمهم ينتمي الى التيار الذي يعرف داخل مجتمع المحافظين بـ"حزب الشاي" ففي خطوة لافتة بعث ثلاثة من هؤلاء النواب الجمهوريين الجدد رسالة الى أوباما يحثونه فيها على انهاء العمليات الحربية الرسمية في الحرب في أفغانستان. وبنبرة لافتة كتب النواب الثلاثة: "بعد إنخراطنا في أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية، وحان الوقت لإعادة توزيع مواردنا لمواجهة التهديدات الأكثر إلحاحا". ويرى مراقبون أن هذه صياغة من النوع الذي ما كان ممكناً توقعها قبل خمس سنوات، حين كان الجمهوريون يسيطرون على مجلس النواب الاميركي ويحظون برئيس جمهوري في المكتب البيضوي.
نحن أمام أميركا جديدة إذاً، بجمهورييها وديموقراطييها. أميركا في لحظة تحول عميقة قد تأخذ الكثير من الوقت قبل أن ترسو على ملامح نهائية حول ما تريده من العالم وحول ما يريده العالم منها. وهي، بهذا المعنى، أميركا تتمرن على شرق أوسط جديد فعلاً، ستكون واحدة من روافد تجربته التمرن، هو الآخر، على أميركا الجديدة.