مرة جديدة تتخلف صحيفة "الأخبار" عن نشر رد على ما تضمنته صفحاتها بما يكرس عدم مهنيتها، فقد نشرت الأربعاء 29 حزيران 2011 مقال للصحافي فداء عيتاني بعنوان "سمير جعجع حبيس الماضي" ضمنّه مجموعة من المهاترات والإفتراءات والتناقضات بحق حزب "القوات اللبنانية" ورئيسه (لقراءة المقال إضغط هنا)، محاولاً سوق إتهاماتٍ بالجملة متوخياً اسلوب التعميم والإسقاطات. ومن جملة ما يُلمح اليه ان كوادر "القوات" هم خريّجو معهد غوسطا ويتعاطون نشاطاتٍ مشبوهة، وبأن الحديث عن الديمقراطية هو مجرّد شعارٍ تستخدمه "القوات"، وغيرها من الإفتراءات التي نستعرضها تباعاً. لذلك، وبعدما تخلفت "الاخبار" عن نشر الرد وضاق صدرها به، نضعه بين ايدي اللبنانيين منعاً لتضليلهم:
اولاً) في المبدأ، إن الطبيعة البشرية معرضّة للتجربة سواء كان الفرد ينتمي الى "القوات اللبنانية" او الى حركة "امل" او الى التيار العوني او الى "حزب الله" وغيرهم، او سواء كان لا ينتمي الى اي حزبٍ او تنظيم… وإلاّ فكيف نُفسّر توقيف بعض الكوادر الأساسية في أحزاب "8 آذار" بجرم التعامل مع اسرائيل، واتهام آخرين من قبل قيادة حزبهم بالتعامل مع الـ "سي اي ايه"، وسجن آخرين بجرم القيام بعمليات إختلاس كبرى، وصدور مذكرات توقيف دولية بحق كوادر حزبية بجرم إغتيال الرئيس الحريري والشهداء الآخرين، وصولاً الى حد استباحة الأملاك العامة والخاصة من قبل نوابٍ ليسوا ببعيدين عن الخطّ السياسي الذي ينتمي اليه الصحافي فداء عيتاني. فهل هذا يبيح لنا أخد الكل بجريرة احدهم؟
امّا عملياً، فإن إطلاق الإتهامات وتوخّي التعميم والإسقاطات من اجل تشويه صورة حزبٍ برمتّه، هو جرم يُحاسب عليه قانون المطبوعات في لبنان اولاً، وهو ثانياً اسلوب يطال أكثر ما يطال ماضي وحاضر الجهات السياسية التي تقف خلف الصحافي فداء عيتاني لكونها تضّم أكبر نسبة من المرتكبين والفاسدين والمرتشين الذين استفادوا من مغانم السلطة وامتيازات قوى الوصاية لأكثر من 15 سنة، فيما "القوات" تتعرض للإضطهاد وشبّانها وكوادرها يُساقون للقتل والتحقيقات وفبركة الملفات.
ثانياً) سواء كانت الديمقراطية التي تنادي بها القوات، مجرّد شعارٍ حسبما يزعم كاتب المقال، او لم تكن، فإن إطلاق هذا الشعار يبقى افضل بكثير من عدمه، وقد شاهدنا كيف ان رئيساً لدولة إقليميةٍ راعية لقوى "8 آذار"، تجاهل في خطابه بشكلٍ مُطبق اي ذكرٍ لعبارة "ديمقراطية"، وذلك على الرغم من سقوط آلاف القتلى من مواطنيه بسبب مطالبتهم بالتمتّع بالديمقراطية تحديداً. فمن كان بيته من زجاج لا يرمي الآخرين بالحجارة. هذا من جهة، اما من جهةٍ اُخرى، فإن "القوات اللبنانية" لا تكتفي بالأقوال فحسب، وإنما تقرن اقوالها بالأفعال، وهي لأجل ذلك اعدّت نظاماً داخلياً عصرياً ديمقراطياً متطوراً، في حين ان معظم أحزاب "8 آذار" لا تجرؤ على مجرّد التلفّظ بهذه العبارة، بحيث شهدنا اخيرا إطلاق دعوات كثيرة من داخل احد احزاب "8 آذار" تناشد فيها قيادتها بإعداد نظامٍ داخلي، واعتماد الديمقراطية بعيداً عن المحسوبيات العائلية المُستشرية.
ثالثاً) امّا لجهة الإدعاء بأن معظم شهداء "القوات" سقطوا في حروبٍ مسيحية داخلية، فإنه بعيداً عن لعبة الجغرافية والأرقام التي لا تليق بعظمة الشهادة، وإنصافاً لشهادة الشهداء وتضحياتهم، ارتأينا الرد على هذا الإدعاء، انطلاقاً من واقع ان عدد الذين سقطوا في حروبٍ داخلية مؤسفة لا يتجاوز بضع مئات من الشهداء، بينما عدد شهداء "القوات" بالإجمال يتجاوز خمسة آلاف شهيد. هذا من حيث الشكل، امّا من حيث المضمون، وتصويباً للحقيقة التاريخية، فإن معظم شهداء الداخل سقطوا اساساً لمنع تنفيذ مشروع الوصاية الخارجية بأدواتٍ داخلية.
وفي الواقع ان بند "ضرب القوات اللبنانية" كان شرطاً سورياً أساسياً يتقدّم اي مباحثات تُجرى بين السوريين وبين كل مسؤولٍ لبناني من الصف الأول، سواء كان طامحاً للرئاسة وللسلطة او لم يكن.
مهما يكن من أمر، فإن عدد شهداء "القوات" الذين سقطوا في حروبٍ "مسيحية – مسيحية" يبقى في كل الأحوال ادنى بكثير من عدد الضحايا والشهداء الذين سقطوا في حروب "امل" و"حزب الله"، و"أمل" والفلسطينيين، و"امل" و"الحزب التقدمي الإشتراكي"، وحروب "القومي السوري" و"المردة"، و"الإشتراكي" و"المرابطون"، وحصار السوريين لطرابلس، وغيرها من الحروب داخل الصف الواحد حينها، بحيث شبّه النائب وليد جنبلاط بيروت الغربية آنذاك بـ "شيكاغو أياّم تقاتل العصابات".
فصحيح ان "القوات اللبنانية" كانت ميليشيا ايام الحرب لكنها لم تكن يوماً واحدةً من تلك العصابات التي اشار اليها جنبلاط، وعلى العكس من ذلك فهي سعت بكل إنضباطٍ ومسؤولية وبالوسائل المُتاحة، الى سدّ الفراغ الأمني والخدماتي الناتج عن تلكؤ الدولة في القيام بواجباتها، فلم تحصل بإي حالٍ من الأحوال الإرتكابات والتجاوزات والتصفيات التي حصلت في مناطق كانت خاضعة مباشرة او غير مباشرةً لسلطة الوصاية السورية. وبموازاة ذلك، انشأت "القوات اللبنانية" معهد الرئيس بشير الجميّل في غوسطا لإعادة تأهيل وإعداد الكوادر القواتية من حملة الشهادات العلمية العالية الذين اُخضعوا لدوراتٍ تدريبية بأحدث التقنيات، وبإشراف ضباطّ من الجيش اللبناني تحديداً. من هنا فإن خريّجي معهد غوسطا، وعلى عكس ما يحاول الصحافي عيتاني تصويره، هم نخبة المجتمع المسيحي واللبناني ولم يكونوا يوماً كسواهم ممّن انتهك الحرمات وأحرق المؤسسات الإعلامية وسرق المنازل مثلما حصل زمن السلم الأهلي في 7 ايار 2008.
رابعاً) امّا الموضوع الأبرز الذي يدّل بشكلٍ واضح على أن الصحافي فداء عيتاني يستخدم اسلوب التجنّي والتجريح لا لشيء إلاّ لمحاولة تشويه صورة "القوات"، فهو تحميله "القوات اللبنانية" مسؤولية ما حدث في صبرا وشاتيلا، متجاهلاً ان المسؤول الأبرز عمّا حصل حينها، كان يتمتّع بحصانة قوى الوصاية وحلفائها الذين عينوّه سوبر وزير، واوصلوه الى الندوة البرلمانية نائباً عن قضاء بعبدا والضاحية الجنوبية لدورتين متتاليتين. ثم ان الصحافي عيتاني يناقض نفسه بنفسه، فمن جهة يدعّي بأن "القواتيين قتلوا كل رفاقهم المشكوك بولائهم للحكيم"، ومن جهةٍ اُخرى يحاول تحميل "القوات اللبنانية" برئاسة الدكتور جعجع مسؤولية ما ارتكبه قواتيون غير موالين للدكتور جعجع!!!. فلو سلمّنا جدلاً مع الصحافي عيتاني بأن "قواتيي جعجع" مُتهمّون بقتل "قواتيي حبيقة" المسؤولون بدورهم عن صبرا وشاتيلا بحسب ما هو معروف للجميع، فذلك يُرتبّ على "قواتيي جعجع" مسؤولية ما فعلوه حصراً، ولا يمكن تحميلهم مسؤولية ما ارتكبه "خصومهم" داخل "القوات" حينها. امّا ان يحاول الصحافي فداء عيتاني تحميل حزب "القوات اللبنانية" المسؤولية الشاملة عن كل ما حصل أثناء الحرب الأليمة فذلك هو التجنّي والإفتراء والتزوير بحّد عينه.
خامساً) ختام مقالة الصحافي فداء عيتاني "مِسك" وذلك حين يُلمح الى مسؤولية "القوات اللبنانية" عن اغتيال الرئيس رشيد كرامي، مستنداً في ذلك الى أحكام مفبركة وتحقيقات هزلية لا تتمتع بالحدّ الأدنى من المصداقية، على غرار ما يفعله النظام السوري بحق المعارضين السوريين اليوم، بحيث يقوم بفبركة افلامٍ وملفات لا تمت الى الواقع بصلة، ونُشير في هذا السياق الى شريط الفيديو المُسرّب لعناصر من المخابرات السورية تحاول "تركيب فيلم عن عصابة مسلحة فوق مسجد" بحسب ما عنونت صحيفة الشرق الأوسط في عددها ليوم الإثنين 6 حزيران 2011.
سادساً) ليس غريباً على اقلام قوى "8 آذار" التبجّح بمصداقية تحقيقات وأحكام المخابرات السورية، ولكن المستغرب فعلاً هو قيام الجهات إياّها، وبكل وقاحة، بالتشكيك بأرفع هيئة قضائية دولية تُحقق بجريمة إغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري!!!
ولو سلمنّا جدلاً مع الصحافي فداء عيتاني، لضرورات البحث فقط، بأن "القوات اللبنانية" مسؤولة عن إغتيال الرئيس رشيد كرامي الذي وقع في اوج الحرب اللبنانية العام 1987 وقبل صدور قانون العفو العام سنة 1991، فإن "القوات" تكون قد دفعت ثمن "جريمتها" المفترضة، حلاً وسجناً واضطهاداً على مدى اكثر من 11 عاماً دون سواها من "أمراء الحرب". ولكن بالمقابل، هلاّ اخبرنا الصحافي فداء عيتاني عمّا يحول دون تسليم المطلوبين بجريمة إغتيال الرئيس الحريري الى جهاتٍ قضائية دولية مشهودٌ لها مصداقيتها وترفعّها لمحاكمتهم، مع العلم ان الجريمة حصلت في فترة السلم الأهلي وقيام جمهورية الطائف، وبعد إصدار قانون العفو العام وليس قبله؟
كل ذلك يؤكد ان القوات لم تتهرّب من مواجهة اعتى سلطة قمع واستبداد وتزوير ملفّات على مرارتها، فاصرّت على براءتها واعدّت كل ملفاتها القضائية بمسؤولية وسلميةٍ تامّة، الى ان انصفها حكم التاريخ، فانتزعت براءتها على يد جماهير ثورة الأرز المليونية، ومن قبل اكثر من 100 نائبٍ يمثلّون غالبية الشعب اللبناني…
سابعاً) وبعد، فلو كان "سمير جعجع حبيس الماضي" لما كانت كل التطورات والحوادث التي حصلت في لبنان والمنطقة منذ 14 آذار 2005 وحتى الآن، جعلت الماضي والحاضر والمستقبل ينصفون سمير جعجع ويكشفون بكل وضوح بشاعة المزوّرين والديكتاتوريين والمجرمين الفعليين…
ولعلم الصحافي فداء عيتاني فإن حبيس الماضي الفعلي، بالمعنى المجازي للكلمة، هو نفسه "حبيس المستقبل" المؤكّد، بالمعنى الفعلي للكلمة… فالحقيقة، كما يقول ابراهام لينكولن، ليست سوى ابنة الوقت والمستقبل… وساعة هذه الحقيقة قد ازفّت… والباقي تفاصيل…