اغتيال الحريري… من المحكمة إلى… المحاكمة (5) / من “ديرشبيغل” الألمانية إلى “سي بي سي” الكندية…”الراي”: قصة “تقريرين صحافيين” يتهمان “حزب الله” باغتيال الحريري

كتبت صحيفة "الراي" الكويتية: … من «السان جورج» الى لايتشندام، اكثر من ست سنوات ستفصل بين دخول لبنان «قوس الخطر» من بوابة «البركان» الذي انفجر في 14 شباط 2005 مع اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، وبين انتصاب قوس العدالة الدولية وبدء المحاكمات في هذه الجريمة (متوقّعة الخريف المقبل) التي لا تزال «حممها» تتطاير في أكثر من اتجاه منذرة بـ «حرائق» في السياسة والأمن.

… من الواجهة البحرية لمدينة بيروت، حيث هوى «دولة الشهيد» رفيق الحريري (وكان معه النائب باسل فليحان) في انفجار «مزلزل» وُضع معه لبنان على «خط الزلازل» الاقليمي الدولي، الى الضاحية الشمالية لمدينة لاهاي «القانونية الهوى» وعاصمة العدالة الدولية حيث يرتقب ان في سبتمبر المقبل المحاكمات في جريمة 14 شباط 2005.

… من الساحل الشرقي للبحر المتوسّط وأمواجه التي لم تسترح منذ «المدّ الدموي» الذي بدأ مع محاولة اغتيال النائب مروان حماده في الاول من اكتوبر 2004 وصولاً الى 25 كانون الثاني 2008 تاريخ تفجير الرائد في قوى الامن الداخلي وسام عيد، وما بينهما من اغتيالات ذهب ضحيتها ايضاً 8 شخصيات وقيادات سياسية وعسكرية وإعلامية، الى جنوب غرب الساحل الهولندي على بحر الشمال حيث «رسا» ملف جرائم الاغتيال (التي يثبت ترابطها مع اغتيال الرئيس الحريري) منذ ان رفعت المحكمة ذات الطابع الدولي الخاصة بلبنان «أشرعتها» في الاول من اذار 2009 لتنطلق «سفينة الحقيقة» التي كانت أبحرت «شعاراً» من قلب «طوفان الناس» الذي غمر وسط العاصمة اللبنانية في 14 اذار 2005 التاريخ الذي دخل التاريخ تحت عنوان «ثورة الارز» او «انتفاضة الاستقلال» التي انفجرت بوجه سورية وحلفائها اللبنانيين.

… بين شعار «الحقيقة» في اغتيال الرئيس الحريري، وبين تَحوُّله حقيقة بعد نحو اربع سنوات (بدء عمل المحكمة) ودخوله الجولة «ما قبل الاخيرة» (عبر القرار الاتهامي) في رحلة الوصول الى العدالة (مع المحاكمات المنتظرة)، «صولات وجولات» من «الكباش» السياسي الداخلي ومن لعبة «الرقص على حافة الهاوية» او في «قمّتها»، استحقّ معها لبنان الموضوع في «فم التنين» لقب «بلاد ما بين ناريْ» الواقع الاقليمي والدولي الذي «يغلي» في «عقر داره»، والوضع المحلي المصاب بـ «حمى الجوار» وبصراعٍ على السلطة بين فريقيْ 14 و8 مارس يتخذ اللبوس السياسي ولكنه في واقع الحال ستار لـ «مصارعة» مذهبيّة بـ «قفازات»… متلوّنة.

نحو ستة أعوام من «الكرّ والفرّ»، اختصرها عنوان المحكمة الدولية الذي شقّ طريقه منذ وصول لجنة تقصي الحقائق الدولية بعد 11 يوماً على جريمة 14 شباط 2005 و«توصيتها» بتشكيل لجنة تحقيقٍ دولية بدأت عملها في حزيران 2005، الى قيام المحكمة ذات الطابع الدولي بالقرار 1757 الذي صدر تحت الفصل السابع في 30 ايار 2007، وصولاً الى القرار الاتهامي الذي صدر أخيراً في «دفعته الأولى» واتّهم أربعة من «حزب الله» باغتيال الرئيس الحريري.

كتبت ريتا فرج في "الراي": بين تقرير مجلة «دير شبيغل» الألمانية وتقرير المحطة الكندية «سي بي سي» جامع مشترك واحد: اتهام عناصر وقادة من «حزب الله» بالتورط في إغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري.

في 24 ايار 2009 بدأت قصة التسريبات التي دشنتها «دير شبيغل» الألمانية الشهيرة. وأهم ما ورد في تقريرها الذي اعتبره الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله «بوابة الفتنة الشيعية ـ السنية» أن الحزب متورط في إغتيال رفيق الحريري. كاتب التقرير أريك فولاث (1949) مراسل الشؤون الديبلوماسية في المجلة المذكورة، حائز درجة دكتوراه في العلوم السياسية. دخل مجال الصحافة العام 1980 مراسلاً لمجلة «ستيرن» الاميركية، الى أن انتقل لرئاسة الشؤون الخارجية في «دير شبيغل»، التي اوكلت اليه تتبع ملفات الشرق الأوسط. فولاث الذي أجرى مقابلات مع عدد من الشخصيات السياسية العالمية مثل الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد والرئيس السوري بشّار الأسد، لم يشغله فقط العمل الصحافي، فقد وضع عدداً من الكتب من بينها «عين دافيد» و«آخر الطغاة» و «الحرب الباردة الجديدة». «لبنان بعد ثورة الأرز ـ الرقص على البركان» عنوان مقالة كتبها فولاث يوم 11 يوليو 2005 أي في أوج «انتفاضة الاستقلال» الثاني. وبصرف النظر عمّا أثير حول فولاث لجهة انتمائه الى دوائر صهيونية، من أين تبدأ قصة التقرير؟

المحكمة الخاصة بلبنان توصلت الى أن «حزب الله» اغتال رفيق الحريري، والى خلاصة أطاحت بكل التوقعات السابقة: «ليست سورية من قتلت الحريري بل قوات خاصة من «حزب الله» الذي خطط للاعتداء ونفذه». هذه المعلومات قال صاحب التقرير إنه استقاها من مصادر قريبة من لجنة التحقيق الدولية، وإن المدعي العام دانيال بلمار لم يرد اعلان ما توصل اليه. لكن المحظور وقع فكيف حدثت التسريبات ولماذا؟ وهل يثبت ذلك عدم حصانة المحكمة الدولية كما تؤكد قوى 8 آذار؟

لم تكتف «دير شبيغل» بالتلميح، فقد أشار معد التقرير الى أن وحدة خاصة في قوى الأمن اللبناني كانت تعمل في شكل سري برئاسة رئيس الفرع الفني في شعبة المعلومات وسام عيد الذي تمّ اغتياله يوم 25 كانون الاول 2008، توصلت الى فرز أرقام الهواتف الجوالة التي يشتبه بإستعمالها في محيط اغتيال الحريري لحظة تحديد مسار العد العكسي للتفجير وقبله بأيام. هذا الامر وضع في خانة «الحلقة الأولى من الجحيم» وفقاً لما ورد في التقرير، الذي أضاف كاتبه أن الرائد عيد تمكن من تحديد ثمانية هواتف جوالة تمّ شراؤها من طرابلس (الشمال) في اليوم نفسه، واستعملت قبل ستة أسابيع من تنفيذ الاغتيال.

«الحلقة الثانية من الجحيم» تألفت من 20 هاتفاً جوالاً ارتبطت كما يورد فولاث بالشبكة الهاتفية الاولى التي كشفها عيد، كاشفا انها تعود الى «الذراع التنفيذية» التابعة لـ «حزب الله». والسؤال: كيف كشفت «حلقتا الجحيم» الأولى والثانية؟ يذكر التقرير أن أحد الاشخاص المشتبه بهم، أي عبد الحميد غملوش الذي ورد اسمه في التقرير المصور الذي أعدته محطة «سي بي سي» الكندية، وهو عنصر في «حزب الله» وشارك في دورة تدريبية في إيران، اتصل بصديقته ما ساعد المحققين الدوليين في التعرف الى أصحاب بقية الهواتف. لكن هذا الشخص كما يلفت فولاث تمت تصفيته. الخطأ أوصل الى الاشتباه بالرأس المدبر لعملية الاغتيال، كما يذكر التقرير، وهو عماد مغنية، من بلدة النبطية في جنوب لبنان، الذي يعتبر قائد الجناح العسكري لـ «حزب الله». وأضاف التقرير أن مغنية (او الحاج رضوان) الذي اغتيل في سورية يوم 12 شباط 2008، هو الذي ترأس الوحدة التي شاركت في التنفيذ، فيما حصل عنصر آخر في الحزب على شاحنة «الميتسوبيشي» التي استعملت في ساحة الجريمة. والأخطر في ما أورده فولاث أن اغتيال الرائد وسام عيد كان هدفه تعطيل وتيرة التحقيق الدولي، وأن تصفيته مع ثلاثة أشخاص تؤكد تورط «حزب الله».

«ليست المرة الأولى التي تذكر فيها صحفٌ اتهاماتٍ، وتلفق فبركاتٍ من نوع دير شبيغل وسنتعاطى مع التقرير على أنه اتهام إسرائيلي»، بهذه العبارة ردّ السيد نصر الله على التقرير الشهير في 25 ايار 2009 معتبراً أن كل هذه التقارير تهدف الى إدخال لبنان في فتنة شيعية ـ سنيّة وهي معلومات ملفقة. لكن آريك فولاث كاتب التقرير أكد في حديث أدلى به الى صحيفة «الشرق الأوسط» يوم 27 ايار 2009 أن «الوثائق التي اطلع عليها أثناء إعداد التقرير كانت أصلية وليست نسخاً وأنها كانت حزماً أصلية من الوثائق» وأنه «تحقق من كل كلمة قبل النشر». وأضاف إنه زار سورية قبل بضعة أشهر وأجرى حواراً مع الرئيس بشار الأسد، ولم يكن لذلك أي علاقة بالتقرير الذي نشر في 24 ايار 2009 .

لم تقف تداعيات تقرير «دير شبيغل» عند هذا الحد، فقد نشرت بعض المصادر أن السوريين و«حزب الله» عمدوا الى تسريب المعلومات الدقيقة حول الجريمة من طريق اريك فولاث، وان للوزير السابق ميشال سماحة دوراً أساسياً فيها، مع العلم بأن النائب السابق محسن دلول كشف في 28 اب 2009 أن رئيس «اللقاء الديموقراطي» النائب وليد جنبلاط «يعرف من كتب تقرير دير شبيغل عن تورط «حزب الله» في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وأنه كتب في بيروت» وان جنبلاط قال له «نحن ذاهبون الى كارثة». واللافت في الجدل الذي دار بين الأوساط اللبنانية حول تقرير فولاث ما كشفه النائب في كتلة «لبنان اولاً» عقاب صقر حين أكد في مؤتمر صحافي عقده يوم 20 ايلول 2010 أن اللواء جميل السيد هو من سرب المعلومات للصحيفة الألمانية قائلاً: «ادعو «حزب الله» الذي قال انه سيقطع اليد التي تمتد على جميل السيد، الى أخذ موقف مسؤول ممن سرب المعلومات (…) الفبركات لم تكن لتكشف سابقاً لأن جميل السيد كان ممسكاً بالاعلام، ولكن الآن لم يعد زمن جميل السيد الذي فبرك مقال «دير شبيغل» وأعتقد ان القضية كُشفت، وعلى الرأي العام ان يعرف الآن من سمم البلد لفترة سنة ونصف سنة، بعد الذي تم نشره في دير شبيغل، ونريد اعترافاً للشعب اللبناني حول من سمم علاقات اللبنانيين والمقاومة، وراح يتهم اللبنانيين كذبا وزورا، وهذه أخطر بكثير من كل الذي حصل في الاعوام الخمسة الماضية، لا نريد اعتذاراً، ولكن ليعرف الجميع من سمم الوضع وفبرك مقال دير شبيغل».

ولكن في حال صحت التوقعات أن «حزب الله» وسورية قاما بتسريب المعلومات فما الغاية من ذلك؟ مصادر أميركية أكدت أن الهدف من التسريبات «جاء في اطار التلويح السوري المستمر باندلاع حرب أهلية في حال استمرار المحكمة في عملها … أما التوقيت، في حزيران 2009، فكان يهدف الى اجبار تحالف 14 حزيران على ادانة التقرير تفادياً للحرب، وبذلك تقديم ادانة مسبقة لاي قرار ظني مشابه قد يصدر».
«سي بي سي»

في 22 تشرين الاول 2010 بثت قناة «سي بي سي» الكندية تقريراً مصوراً أجرته حول اغتيال الحريري، بدا كانه استكمال للخطوات التي رسمتها «دير شبيغل». التقنية التي استعملها التقرير الجديد وضعت تحت خانة ملف الاتصالات، التي أشارت الى وجود شبهات حول دور «حزب الله» في عملية الاغتيال. ورغم أن «سي بي سي» أعطت الأولوية للاتصالات التي تدور حولها الكثير من الشبهات، كما سبق أن فعلت «دير شبيغل»، الا ان الجديد فيها اشتباه لجنة التحقيق الدولية بتورط رئيس فرع المعلومات وسام الحسن مع «حزب الله» في الجريمة.

معدّ التقرير نيل ماكدونالد (1957) التحق العام 1988 بالشبكة الكندية، وبين 1998 و 2003 عمل مراسلاً لها في دول الشرق الأوسط. ويشغل ماكدونالد اليوم منصب كبير مراسلي «سي بي سي» في واشنطن ويعرف بعلاقاته القوية مع العديد من دوائر القرار في الادارة الاميركية، بما في ذلك البيت الأبيض والبنتاغون. حلقتان أساسيتان ركز عليهما التقرير، الأولى هي التوصل الى وجود معلومات جمعها العقيد وسام عيد الذي قام بتحليل بنية الاتصالات الخليوية التي رافقت الاعداد للجريمة، وأخذت بها لجنة التحقيق الدولية في وقت متأخر، والثانية أن من نفذوا جريمة الاغتيال هم عناصر من «حزب الله».

تحليل شبكة الاتصالات كما جاء في تقرير المحطة الكندية بدأ بسماح الرئيس الثاني للجنة التحقيق سيرج براميرتس بفحص سجلات المكالمات الهاتفية عند انتهاء ولايته. هذه العملية انطلقت في نوفمبر 2007، وحصل فريق التحقيق الدولي انذاك على كل «سجلات المكالمات الهاتفية التي جرت في العام الذي قتل فيه الحريري، وسلمت الى شركة بريطانية تدعى «FTS» بغية إجراء التحليل العلمي. وتوصلت الشركة الى نتيجة مفادها أن هناك «شبكة صغيرة من ثمانية هواتف محمولة كانت تظلل الحريري في الأسابيع التي سبقت اغتياله». والأهم في ما اكتشفه المحققون الدوليون، تقرير اعده «شرطي لبناني» (وسام عيد)» أرسله للجنة العام 2006، توصل فيه الى تفكيك شيفرة خليوية لحلقات لها علاقة مباشرة بمسرح جريمة الحريري. هذه الهواتف التي وصفتها لجنة التحقيق بـ «الهواتف الحمراء» أشارت كلها الى تورط عناصر من «حزب الله» في الاغتيال. «الهواتف الحمراء» كانت على اتصال الواحد مع الاخر، وقد نجح عيد قبل اغتياله في كشف ثمانية هواتف كانت تعمل في محطات الارسال نفسها «فاقتنع بأن كل فرد من أفراد الطاقم كان يحمل جهازاً آخر يتواصل فيه مع الشبكة من خارج الفريق، وأن هذه الشبكة المسماة من لجنة التحقيق الدولية الشبكة الزرقاء وجدت على مدى عام تقريباً». درجة التنظيم التي تميزت بها «الشبكة الزرقاء» كما اشار تقرير «سي بي سي» خرقت من جانب عنصر «تقني» في «حزب الله» يدعى عبد المجيد غملوش، الذي قام بجمع الهواتف الخليوية واستعمل احدها للاتصال بصديقته، ما ساعد النقيب عيد في كشف لغز «وجود أحد الأخوين معين وحسين خريس، وهما ناشطان في «حزب الله» في موقع الجريمة».

ويتابع تقرير «سي بي سي» نقلاً عن مصادر في لجنة التحقيق الدولية أن وسام عيد هو الذي قام بالتحليل الرياضي لشبكات الاتصال هذه، لذا قامت باستجوابه. وقد أعرب في كانون الاول 2008 عن رغبته في التعاون مع اللجنة التي أصبحت برئاسة دانيال بلمار، لكنه اغتيل في اليوم الثامن من لقائه الأول مع خبراء اتصالات في اللجنة، ما دفع المحققين الى الاستنتاج أنه «قتل بسبب تحليل الاتصالات وأن «حزب الله» علم بتقرير عيد ولقاءاته مع المحققين الدوليين وتعاونه معهم». وينهي دونالد تقريره بالتأكيد أن لجنة التحقيق الدولية تعرضت للاختراق من جانب «حزب الله» الذي استخدم رئيس فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي وسام الحسن. فمن هو وسام الحسن الذي تساءلت الوثيقة الصادرة عن الأمم المتحدة وفقاً للتقرير المصور الذي أعدته القناة الكندية عن طبيعة ولائه ونياته؟

شغل الحسن منصب مدير مكتب الرئيس رفيق الحريري منذ العام 1995، وتسلم قيادة سرية حرس رئاسة الحكومة لاحقاً. والعام 1998 إثر خروج الحريري من الحكم، نُقِل الحسن إلى الخدمة في معهد قوى الأمن الداخلي. وبعد عودة الحريري إلى السلطة، بقي الحسن بقربه ومثل شبكة الاتصال المباشرة بين الحريري واللواء رستم غزالة. اغتيال الحريري الأب في 14 فبراير 2005 لم يمنع الحسن من البقاء على صلة جيدة بسعد الحريري، الى أن عيّنه المدير العام لقوى الأمن الداخلي أشرف ريفي منسقاً مع لجنة التحقيق الدولية التي ترأسها في ذلك الوقت القاضي الألماني ديتليف ميليس. واليوم يشغل الحسن رئاسة شعبة المعلومات.

تقرير «سي بي سي» افاد أن الحسن يعتبر بمثابة اللغز، «بل إنه شخص مخيف في بلده، وكان ضمن رادار الأمم المتحدة منذ البداية لسببين: الأول، لأنه غدا بسرعة أحد ضباط الارتباط الأساسيين للتحقيق مع قوى الأمن الداخلي، والثاني، أنه كان المسؤول عن أمن رفيق الحريري وقت اغتياله. والاستثناء هو أنه لم يكن ضمن الحاشية وأن مبرره لعدم الوجود كان ضعيفاً. وأخبر الحسن لجنة التحقيق أنه لم يكن ضمن الحاشية بسبب دورة كان يتلقاها في العلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية. وقال إنه تلقى في 13 شباط، أي قبل يوم واحد من اغتيال الحريري، مكالمة من أستاذه (ي. ر) تبلغه ضرورة التقدم لامتحانات في اليوم التالي. وأبلغ المحققين أنه بعد عشرين دقيقة من ذلك، استدعاه الحريري فوصل في التاسعة والنصف ليلا ونال موافقة رئيسه على التغيب من أجل الامتحان في اليوم التالي. وقد امضى الصباح برمته يدرس للامتحان لذلك أغلق هاتفه عندما دخل الجامعة في الوقت الذي وقع فيه الانفجار. واضاف الحسن للمحققين: لو لم أكن في الامتحان لكنت مع الحريري حين مقتله».

القصة التي أدلى بها الحسن تتناقض بحسب تقرير «سي بي سي» مع تسجيلات هاتفه ( بين العامين 2004 و 2005 أجرى الحسن 279 مكالمة مع المستشار السياسي للأمين العام لـ «حزب الله» حسين الخليل و602 مكالمة مع المسؤول الأمني في الحزب وفيق صفا). وتبين ايضاً انه هو من اتصل بالاستاذ الجامعي وليس العكس، واظهرت سجلات محطات الارسال قرب بيته «أنه امضى الوقت قبل اغتيال الحريري في اجراء مكالمات هاتفية وليس في الدراسة». وقد شدد تقرير صادر عن الأمم المتحدة اواخر العام 2008 وفقاً لما أوردته المحطة الكندية على أن «مبرر غياب وسام الحسن ضعيف وغير منطقي» واصفاً إياه بـ «المشبوه المحتمل في اغتيال الحريري».

وسام عيد «احترف» الحياة «غير الطبيعية» وكان يتوقع استشهاده: والده يرفض أن «تُدفن أسراره معه» ووالدته تفرش أوسمته باعتزاز

كتب محمد بركات في "الراي": مع صدور القرار الاتهامي في جريمة اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، عاد اسم الضابط في جهاز استخبارات الأمن اللبناني (فرع المعلومات في قوى الامن الداخلي) وسام عيد الى الضوء، هو الذي رُبط اغتياله في 25 كانون الاول 2008 بـ «إنجازاته» على صعيد تفكيك «شيفرة» الاتصالات التي ادت الى الامساك بأكثر من «طرف الخيط» في تفجير 14 شباط 2005 .

… «نعتقد أنه وصل الى القتلة الذين ارتكبوا هذه الجرائم كلّها في لبنان. في كل مرة كانوا يفلتون من العقاب. لعلّ القضاء يكشفهم هذه المرة بفضل جهوده. وكلّ أملي أن تكون في طيات القرار الاتهامي المعلومات التي وصل إليها ابني. أرجو ألا تكون الأسرار قد دفنت معه. وأتمنى أن تظهر الحقيقة الى العلن بجهود ابني». هكذا ختمت سميرة عباس، والدة الرائد الشهيد وسام عيد، زيارتنا لها في منزلها بمدينة طرابلس شمال لبنان.

أما والده محمود فأكد لـ «الراي» أنّ عيد «لم يكن متخوفاً من اغتياله، بل كان يتوقعه»، وتدارك «لكنّه لم يكن يظهر لنا خوفه لئلا نعيش الهم بسببه». فيما ذهب شقيقه وئام إلى مكان آخر: «ما يعزينا أن العالم كله عرف ما الذي أنجزه ولماذا قتل؟، قتل بسبب الإنجازات التي قام بها والمعلومات التي توصل إليها. لم يقتل بلا سبب. حتى في إيطاليا، دائماً تكتب الجرائد الإيطالية عنه. يتصل بي أصدقائي الإيطاليون واللبنانيون المقيمون هناك، ويرسلون إليّ المقالات والتحقيقات التي ذكر فيها، ويقولون لي إن أخي بطل. الواحد منّا يفخر بسيرة وسام، أينما ذهب».

في أيامه الأخيرة كان عيد، دائماً شارد الذهن، هكذا تتذكره والدته. كان يأتي إلى منزل الأهل في طرابلس، وبدل أن يملأ البيت بنكاته وتعليقاته وفرحه، كان يتمدد على الكنبة في الصالون أو في المطبخ، قرب والديه، ويروح ينظر إلى السقف، مفكّراً وهائماً، كانه يعيش في مكان آخر.

الشاب النشيط، الذي أنهى الثانوية العامة في العام 1993 قبل أن ينهي عامه السابع عشر، والذي كان اسمه دائم الحضور على لائحة الشرف خلال دراسته في جامعة البلمند، تخرّج بتفوّق و«اكتشفته» قوى الأمن الداخلي وعرضت عليه التعاقد، بدلا من التطوّع، كما جرت العادة في لبنان. هذا الشاب المتّقد الذهن، كان غارقاً في عمله في العامين الاخيرين من عمره، حتى أنّه «ما عاد لديه حياة شخصية أو عائلية، وصار يعمل ليلاً ونهاراً»، على قول والده. وعلقت والدته: «لم يكن يعرف ليله من نهاره، ونهاره من ليله، عمل دائم ومتواصل، ولا أحد يعرف أين ينام؟».

اغتيل في 25 كانون الثاني من العام 2008، وكان منزله قد استهدف بعبوة فجّرها مجهولون في العام 2005، بعيد تسلمه الجانب «المعلوماتي» في ملف التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. حصل ذلك رغم أنّ منزله كان في «حي الأميركان» بالضاحية الجنوبية لبيروت، قريباً من المربعات الأمنية التابعة لـ «حزب الله»، وعلى بعد مئات الأمتار فقط من ملعب الراية.

بعد تفجير منزله انتقل إلى آخر في منطقة الحازمية شرق بيروت، ولكن «رغم ذلك لم يكن ينام هناك، ولا هنا في منزلنا، حتى مكتبه الذي حوّله شقّة مفروشة لم يكن يبيت فيه، كان ينام في مكان مجهول»، على قول والده.

وتدخلت والدته لتقول: «منذ التفجير الأول بدأ الخطر عليه في شكل جدّي ولم يكن يعيش حياة طبيعية مثل أي شخص آخر. كان دائم التفكير وشارداً، وفي الفترة الأخيرة كنا نشعر بأنّ همومه تزداد يومياً. ما عاد يحب الاختلاط بالناس، رغم أنه كان اجتماعيا جدا في السابق».

واضافت الام الثكلى: «صارت حياته على كف عفريت. حتى أنّه ما عاد يزورنا. كان يأتي بعد ظهر السبت في العادة، وما عاد يأتي. صار يفضّل ألا يترك عمله. فضل عمله على حياته وعلى كل شيء».

تعرض علينا الميداليات الكثيرة التي حصل عليها وترينا صوره والشهادات التي يحملها من دورات تدريبية شارك فيها بين قطر ومصر وألمانيا وبلجيكا والإمارات العربية المتحدة وكندا وبريطانيا. وتحدثنا عن ترقياته وأوسمته العسكرية وصولا إلى تبوّئه مركز رئيس الفرع الفنّي في شعبة المعلومات التابعة لقوى الأمن الداخلي اللبناني.

والدته الفخورة به تابعت «نعتقد أنه وصل الى القتلة الذين ارتكبوا الإغتيالات في لبنان». أما والده، الفخور لكن بحرقة، فتذكر أنّ عيد «كان متعباً جداً. لكنّه كان يقول إنّه ليس خائفاً ولا متعباً. رغم ذلك كنا نشعر بخوفه وتعبه، وكنّا نتوقع اغتياله». واضاف «لديّ ولدان في إيطاليا وثالث في فرنسا، وكان وسام الوحيد معنا في لبنان، لذا لم يكن يسمح لنا بأن نشعر بالخوف، وكان يحاول طمأنتنا، ولكن عبث».

بعد انتقاله من الضاحية الجنوبية الى شرق بيروت، وقع اعتداء على حافلة نقل مدنية في بلدة عين علق المسيحية (المتن) وكان ذلك في 13 شباط 2007 . ولانه ساهم في شكل كبير في كشف هويّة الفاعلين، صار مستهدفا أكثر من قبل. ثم كان «رأس الحربة» في المعركة التي دارت داخل مدينة طرابلس، صيف العام 2007، ضد مقاتلين من تنظيم «فتح الإسلام» الاصولي. وكان أول مداهمي الشقق التي احتلها الإرهابيون، وأصيب خلال المعارك ضدهم.

هكذا، كان عيد يمسك بخيوط الملفات الأكثر سخونة في لبنان، ما وضعه على رأس لائحة المطلوب «شطبهم» من المعادلة. لذا لم يكن اغتياله مفاجئا للمطّلعين على سيرته المهنية، لكنّه فاجأ اللبنانيين، الذين لم يكونوا قد سمعوا به من قبل.

وقد عرفه اللبنانيون أكثر في التقرير الذي بثته قناة «سي بي سي» الكندية في نهاية العام 2010 . يومها، علموا بدوره في ربط خيوط «شبكة الحريري»، أي الشبكة التي كان أفرادها يتواصلون عبر الهاتف في محيط مكان الاغتيال.

عبر قدرات تكنولوجية بسيطة، استطاع عيد أن يربط، بقدراته الذاتية، خيوط جريمة الاغتيال التي هزّت لبنان، وسبق تحليلات التحقيق الدولي بعامين، قبل أن يسأل المحققون أنفسهم «من هذا الشاب؟».

روى والده «كان حضوره بيننا قليلا جدا في أسابيعه الأخيرة، كنت أحذره دائماً وأطلب منه تغيير سيارته، لكنه كان يحب هذه السيارة تحديدا، كأنّ قدره أن يستشهد فيها».

يتذكر الاب أنّه «كان يرسم خططاً معقّدة منذ طفولته. مرة، وكان مراهقاً، أوهمني أنه تعرض للخطف، ورسم سيناريو عن جماعة ملثمة نقلته بالقوة إلى منطقة الحدائق في طرابلس». ضحك الاب هنا ولزم الصمت متطلعا إلى صورة ابنه.

ثم تدخل شقيقه وئام «في الفترة الأخيرة بات يتصل بي في شكل متزايد وغريب. أمضيت 15 عاماً في إيطاليا، ولم يكن يتصل بي الا في المناسبات. كأنه كان يشعر بأنّ سيستشهد. بات يحب التقاط الصور له بعدما كره الكاميرا منذ مراهقته. وحاول في إحدى المناسبات جمع العائلة كلها في صورة واحدة معه».

ويتذكر الشقيق اتصاله به للمرة الأخيرة ليلة 31 كانون الاول 2007، اي ليلة رأس السنة قبل 25 يوماً من اغتياله: «كأنه كان يعرف أنها المرة الأخيرة التي سيكلمني فيها. كان إحساسه قويا. كلّمني كما لو أنّه يودّعني». واضاف «ما يعزينا أن العالم كله عرف ما الذي أنجزه ولماذا قتل. قتل بسبب الإنجازات التي قام بها والمعلومات التي توصل إليها. لم يقتل بلا سبب. حتى في إيطاليا، دائماً تكتب الجرائد الإيطالية عنه. ويتصل بي أصدقائي الإيطاليون واللبنانيون ويرسلون إليّ عناوين المقالات والتحقيقات التي ذكر فيها، ويقولون لي إن أخي بطل. الواحد منّا يرفع رأسه بسيرة وسام أينما ذهب».

لحظة اغتياله كان والده يتابع التلفزيون، وشاهد خبراً عاجلاً عن تفجير موكب مسؤول أمني كبير، فنقل الخبر إلى والدته التي كانت في الغرفة المجاورة. أحسّت الوالدة بابنها، وقالت لزوجها: «هذا وسام».

«كنت أعرف ذلك وأشعر به، لكنّني لم أستطع أن أوافقها»، قال الاب، واضاف «كان المسؤول الأمني الوحيد المستهدف. كنا نقرأ ذلك على وجهه».

أما شقيقه فتذكر أنّه كان في عمله بروما. فجأة اتصل به صديق لبناني مقيم في إيطاليا وقال له إنّ انفجاراً وقع في بيروت، ملمحاً إلى أنّ وسام ربما يكون جريحاً: «علمت لاحقاً أنّه كان يعرف باستشهاد وسام لكنّه لم يخبرني».

ثم اتصل به صديق آخر في ايطاليا ايضاً وطلب منه الإتصال بأهله في لبنان، فقلق أكثر، لكن المتصل جدّد التأكيد أنّ وسام ربما يكون جريحاً: «هو أيضاً كان يعرف ولكن لم يكن يريد أن يخبرني. لكن ثالثاً مزعجاً اتصل وصعقني بالخبر: أخوك استشهد». حينها فقد وئام التركيز وترك عمله ليتصل بأهله، «فردت الوالدة ولا أريد الدخول في التفاصيل. قالت لي: قتلوه، قتلوه».

وبالصدفة كان محمد، الشقيق الأصغر لوسام، متوجهاً من باريس الى روما لتمضية أسبوع لدى شقيقيه وئام وعزّام. كان في الطائرة لحظة اغتيال شقيقه، ووصل الى مطار روما حيث استقبله وئام، فلاحظ محمد توتره وسأله عن السبب، فأجابه إنّ ابن خالتهما تعرض لحادث سير في إيطاليا. في البيت كان عزّام ينتظرهما، وكان معهما شاب لبناني اسمه مصطفى: «لم نستطع، أنا وأخي عزام، أن نخبره، فدخل رفيقنا مصطفى الى الحمام وغسل وجهه وقرّر أن يطلعه على ما جرى. طلب منه ان يصلي على النبي، ثم أخبره. كان محمد واقفاً وفوراً هوى على الكنبة مصاباً بدوار شديد وصار يضرب على وجهه».

في روما إجتمع الأخوة الثلاثة. التفجير في بيروت، والحزن في إيطاليا وطرابلس، وتردّدات الإغتيال وصلت إلى عواصم العالم الكبرى، وأشاعت جوّاً من الحزن في لبنان كلّه.

بسبب عطل أصاب الطائرة في مطار ميلانو، تأخّر الاشقاء الثلاثة ولم يصلوا في الوقت المناسب لحضور التشييع: «ربما كان الأفضل لنا ألا نحضر دفنه، وأن نتذكّره كما كان».

عيد الذي كان يمسك بأكثر من «كرة نار»، منذ اغتيال الحريري إلى يوم استشهاده، قتل باغتيال يشبه التفجيرات التي كان يعمل على فكّ ألغازها وكشف مرتكبيها.

والده، حين يتذكره اليوم، يتذكر ان «من يعيش في الخطر يعتاد عليه ولا يعود ينتبه كثيرا الى التهديدات، ولذا لم يكن حذرا كما يجب». اما أشقاؤه فيعيشون بفخر كبير، لأنّ بطولات عيد وصلت إلى ما بعد بعد إيطاليا وفرنسا، حيث يعيشون، فيما والدته تفرش الميداليات والإنجازات في منزلها الطرابلسي، وتعيش مع الذكريات … في انتظار القرار الإتهامي الذي تسلمه لبنان في 30 حزيران الماضي.

المصدر:
الراي الكويتية

خبر عاجل