كتبت مارلين خليفة في صحيفة "السفير": إذا انطلقنا من مقولة أن السفير هو مبشّر، فإن المؤسسة "التبشيرية" التي ينطلق منها اليوم، أي وزارة الخارجية والمغتربين تحتاج إلى نفضة على المستويات كافة، وهي تشبه "كرة نار" يتلقفها في الحكومة الجديدة الوزير الجديد والسفير السابق عدنان منصور العائد إليها بعد 36 عاما من العمل الدبلوماسي.
أظهرت استحقاقات عدة وآخرها مأساة اللبنانيين في ساحل العاج والإمارات والبحرين، أهمية وجود سياسة خارجية ممسوكة ومتماسكة وموحدة تحفظ مصالح لبنان سواء دبلوماسيا أو سياسيا أو اغترابيا. وإذا عدنا إلى تاريخ "الخارجية" يظهر بوضوح أن كل ما نراه من حولنا هو نتيجة حتمية لتفكك أوصال العمل الدبلوماسي تدريجيا، خصوصا بعد مرحلة اتفاق الطائف، إذ تواطأ السياسيون على ابتلاع دور وزارة طالما أمسكت الملفات اللبنانية والعربية دوليا ودافعت عنها، لا بل يمكن القول إنها حاولت صياغة استراتيجية دبلوماسية خارجية للدولة اللبنانية.
في هذه السلسلة، تلقي "السفير" الضوء على دور وزارة الخارجية قبل الحرب الأهلية وإبانها وبعدها، ومشاكل السفارات والبعثات وإمكان إعادة النهوض الإداري والسياسي والمهني عبر تدريب الدبلوماسيين الذين كانوا يتدرجون على أيدي سفراء لديهم خبرة واسعة ومناقبية عالية. أسئلة كثيرة تحتاج الى إجابات الوزير الجديد الذي غاص سابقا في دهاليز "الخارجية" الإدارية والدبلوماسية وصار خبيرا الى حد تعيينه مؤخرا في عداد اللجنة المكلفة دراسة هيكلية جديدة للوزارة. وأبرز علامات الاستفهام تتعلق حول ماهية العلاج لإعداد وتدريب الدبلوماسيين إزاء الفراغ المستشري في المراكز القيادية في الوزارة، وهوية "المايسترو" الذي يرسم السياسة الخارجية وسط "تغييب" متعمد للدور السياسي للوزارة؟
تشغر في شهر آب المقبل ثلاثة مواقع إدارية رئيسية في وزارة الخارجية والمغتربين تتمثل بالأمانة العامة بحيث سيحال السفير وليم حبيب الى التقاعد وهو يشغل هذا الموقع بالوكالة حاليا، ومديرية الشؤون السياسية التي يتولاها حبيب بالأصالة، ومديرية الشؤون الإدارية والمالية وهي شاغرة اصلا منذ إحالة السفير ميشال بيطار الى التقاعد وتتولاها اليوم بالتكليف الدبلوماسية الشابة نداء يحي، ما يحتّم تعيينات إدارية سريعة في هذه المواقع، علما بأن وزارة الخارجية هي اليوم سلك إداري خارج إرادة وزير الخارجية نتيجة التجاذبات السياسية المزمنة.
"نعمل كدبلوماسيين في ظروف صعبة جدّا، ومن نماذج الصعوبات أن اللجنة الإدارية التي تعتبر رأس الهرم الإداري في الوزارة شاغرة وموجودة بالإنابة منذ قرابة العام، كذلك مديرية الشؤون السياسية التي يتولاها الأمين العام بالوكالة ايضا السفير وليم حبيب، علما بأن المهمتين تتطلبان كليهما تفرّغا تاما"، كما يروي أحد الدبلوماسيين.
المديرية الإدارية هي عالم بحدّ ذاته، مسؤولة عن البعثات اللبنانية التسعين إداريا وماليا ووظيفيا، كما تتعاطى شؤون موظفي الإدارة المركزية البالغ عددهم 150، علما بأن الملاك الإداري لحظ في العام 1971 أي منذ 40 عاما أن العدد ينبغي أن يكون 179 موظفا إداريا آنذاك حين كان عدد البعثات 50 بعثة فحسب. وعوض أن يتضاعف العدد الإداري انخفض بسبب قرار منع التوظيف في الإدارة العامة. هذا الكادر الإداري المنقوص ينعكس شللا على عمل المديريات.
لكن، برغم هذا الحد الأدنى بشريا وتقنيا، تسير عجلة العمل في وزارة الخارجية اليوم بتؤدة، فالعنصر البشري ضئيل وأدوات العمل محدودة وقليلة والوحدات الإدارية الأساسية لا ترأسها فئة أولى في معظمها بسبب تأخر التشكيلات الدبلوماسية للسفراء.
هيكلية إدارية جديدة
تأتي دراسة الهيكلية الجديدة لوزارة الخارجية اللبنانية في إطار إعادة التحديث الإداري ونظرا لوجود أنظمة تحكم عملها تتناقض مع أنظمة سابقة، ما يؤدي الى عدم وضوح في الصلاحيات خصوصا بين المرسوم الرقم 1306 الصادر في 18 حزيران 1971، والقانون الرقم 2885 الموضوع قيد التنفيذ بمرسوم قانون معجل في 16 كانون الثاني عام 1959 وما بينهما المرسوم الرقم 2220 الصادر في 18 آب عام 1979، هذه الأنظمة الثلاثة التي تحكم عمل الوزارة تتناقض احيانا من دون أن تلحظ بوضوح صلاحيات كل وحدة من الوحدات (12 وحدة)، وهي وضعت في ظروف معينة لتسيير الأمور. وبالتالي ارتأى وزير الخارجية والمغتربين السابق الدكتور علي الشامي منذ استلامه الوزارة البدء بدراسة هيكلية حديثة بعد أربعة عقود على غياب أية تعديلات على الهيكلية القديمة وذلك في ضوء تطور العلاقات الدولية والحضور اللبناني على مستوى المنظمات، والتغيير الذي طرأ على مفهوم العمل الدبلوماسي وضرورة خلق نوع من المساحة الأكبر لتحرك الدبلوماسيين في الخارج.
لهذه الغاية شكلت هيئة برئاسة الشامي وفي عدادها الوزير الحالي عدنان منصور، عمدت مؤخرا الى دراسة مشاريع الأنظمة السابقة ووضعت مسودة مشروع يساعد الإدارة قدر الإمكان على تحسين أدائها وتحديد الصلاحيات لكل وحدة وضبط انتظام العلاقة بين الإدارة المركزية والبعثات وبينها وبين الوزارات وبين الخارجية والبعثات المقيمة في لبنان. ومن المواضيع المحددة إنشاء مجلس تخطيط واستشارات، مؤلّف من رؤساء الوحدات وإعادة تنظيم العلاقة بين الوحدات لمنع التشابك في الصلاحيات.
ويحدد النظام الجديد مهام كل وحدة بشكل تفصيلي بما يؤدي الى الحدّ من التشابك وإيضاح الصلاحيات بين الوحدات وسيعمد الى لحظ وحدة للمعلوماتية، خصوصا في ظل سعي الوزارة الى الربط الإلكتروني مع البعثات لتسريع سير المعاملات والتواصل مع الدبلوماسيين والمغتربين في الخارج. هذه المسودة ستخضع لدراسة معمقة من الجهات المختصة كمجلس الخدمة المدنية للنظر في مدى توافقها مع القوانين الإدارية المعتمدة في لبنان ثم تحول الى مجلس الوزراء تمهيدا لإرسالها الى المجلس النيابي لدراستها في لجنة الإدارة والعدل.
الإهتمام بالتدريب الدبلوماسي
الى ذلك، ثمة تكرار لمطلب فصل السلك الدبلوماسي عن السلك الاداري العام، «نظرا الى خصوصيته ولطبيعة عمله كما هي الحال في السلكين القضائي والعسكري حيث يعتبران مستقلين كليا نظرا لخصوصية وطبيعة العمل فيهما» بحسب ما يقول أحد الدبلوماسيين، ما يعني "التوقف عن إصدار قانون كل فترة يعين دبلوماسيين من خارج الملاك، وحصر الدخول الى السلك الدبلوماسي بالمباراة الاعتيادية حفاظا على هيبته وحصانته".
وثمة مطلب آخر يتعلق بإنشاء المعهد الدبلوماسي، علما أنه في السابق كان دبلوماسيو العالم العربي يتدربون في معهد الإدارة والتدريب التابع لمجلس الخدمة المدنية، وكانت وزارة الخارجية اللبنانية سبّاقة في هذا الخصوص.
"في الحرب لم يحصل عدد من الدبلوماسيين على التدريب الوافي في الإدارة المركزية، فكان عدد من هؤلاء يرسلون كمساعدي سفراء، ومنذ عامين عمد منتدى السفراء اللبنانيين الى إبرام بروتوكول مع معهد التدريب الإداري الوطني بالإشتراك مع مجلس الخدمة المدنية للإسهام في تدريب الدبلوماسيين الجدد".
يذكر بأن وزارة الخارجية اللبنانية على عكس الوزارات الأخرى في العالم مقسّمة بحسب المواضيع وليس بحسب البلدان، فهنالك مثلا مديرية الشؤون السياسية التي تهتم ببلدان العالم كلها في ما ثمة قسم لدبلوماسيي الشرق الأوسط مثلا في وزارات العالم إذ يمكن مثلا نقل السفير اللبناني من باريس الى طوكيو بلا مسوّغ علمي، ما يتنافى مع مبدأ التخصصية الضروري للسفير إذ يجب أن يكون متعمقا بتاريخ المنطقة وجغرافيتها وثقافتها وعاداتها ما يسهّل عليه مهمته.
في فترة معينة وجد معهد الإعداد والتدريب التابع لمجلس الخدمة المدنية والذي أسسه الرئيس فؤاد شهاب، وكان الدبلوماسيون ينخرطون فيه ويختار طلاب المعهد الوظيفة التي يريدونها في الدولة بحسب الأفضلية العائدة الى مراتبهم في التخرج. في الفترة الأخيرة لم يعد هؤلاء يخضعون لمباراة في معهد الإدارة بل الى مباراة بالتعاون مع مجلس الخدمة المدنية يتوزعون بعدها على مختلف الإدارات في وزارة الخارجية مداورة بين أقسامها لمدة عامين.
في قانون تحديث الوزارة الذي يعمل عليه اليوم، أقرّ مبدأ إنشاء المعهد الدبلوماسي لاختيار الدبلوماسيين الجدد لتدريبهم خلال عملهم. يذكر أن معهد الإعداد والتدريب كان يضمّ اسماء كبيرة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر أعلام مثل القاضي بشير البيلاني، إدمون رباط وبهيج طبارة، علما أنه لم يكن من المسموح لأي كان الدخول الى السلك الخارجي وكان المرشح يخضع لتحقيق عبر الأمن العام عن بيئته واتجاهاته، لذا بقي هذا السلك محميا من الإنقسامات السياسية والحزبية والطائفية، ويقول سفير سابق "من المؤسف اليوم أن الموظفين صاروا تابعين لأحزاب مما يضعف مركزهم الوظيفي".
تبدل مهمة السفير
ولعل أهمية التدريب اليوم تعود ايضا الى التبدل الجذري في مهمة السفير. في الماضي، كان يتم إرسال السفير بحرا ويسمى وقتها "سفيرا فوق العادة مطلق الصلاحية" وهذا يعني أن بمقدوره أن يعمل ما يريده وأن لديه سلطة مطلقة، يفاوض ويبرم معاهدات باسم الحكومة بعد موافقتها. تبدّل مفهوم الدبلوماسية اليوم، يقول السفير السابق فؤاد الترك: "أعتقد أنه انتهى دور الدبلوماسية التقليدية ونحن اليوم نعيش عصر الدبلوماسية المباشرة. كانت مهمة السفير إعلام دولته بالحوادث الحاصلة، إنقلاب ما، مثلا، اليوم أدت ثورة الاتصالات والمواصلات الى تبديل جذري في مهمة الدبلوماسي، أخذت وسائل الإعلام هذا الدور وسرقت مهمة السفير التي انحصرت في توقع الحدث ومعرفة ارتداداته دوليا وعلى بلده بشكل خاص. كما أن أهمية السفير اليوم تكمن في قدرته على تسويق بلده إذا صحّ التعبير سياسيا واقتصاديا وتجاريا وثقافيا وتراثيا، لأن من يفاوض باسم البلدان اليوم هم الرؤساء، فضلا عن حماية مصالح الجالية وتسهيل التحويلات ما ينعكس إيجابا على الدخل القومي. كما باتت مهمة السفير تركز على توسيع علاقاته الشخصية ليصل الى مراكز صنع القرار".