في وقت لا تزال حرب حزب الله على المحكمة الدولية في بدايتها، سارع العماد عون الى رفع شارة الانتصار مستبقاً مضمون القرار الاتهامي والمحاكمة والأحكام.
ويحق للعماد عون ان يعلن بنفسه الانتصار، وذلك لخبرته الرفيعة في خسارة المعارك الرابحة، وفي الفوز بالمعارك الخاسرة، ولأن طبائع الجنرال لا تحتمل الاعتراف بنتائج المعارك، حتى ولو كانت هذه النتائج تقارب الكوارث.
وربما يعطى عون بعض الأسباب التخفيفية في مادة سوء القراءة، لانه لم يدفع يوما من رصيده الشخصي ثمن الهزائم، بل كان يدفعها الجمهور الطائع الذي مشى وراء القائد في أواخر الثمانينيات، من دون ان يسائل او يحاسب، فقرر تتويج الجنرال على هيئة نبي لا يخطئ، وسلّمه التأييد والثقة ضمن قناعة غيبية بأن الجنرال يدري ماذا يفعل، وبأن لديه وحده المعطيات التي لا تسمح للجمهور بإزعاجه بالأسئلة السخيفة، وإلهائه عن مهمته المقدسة في برج القيادة.
وهذا الجمهور الطيّب الذي يضع عون في موقع العصمة، يستعد اليوم للمشي خلف الجنرال في معركته الجديدة، معركة مواجهة المحكمة الدولية، وهي مواجهة تكتب أبعادا أكثر خطورة من المعارك السابقة، نظرا لأن هذه المحكمة لن تحاكم فقط المتهمين بقتل الزعيم السلفي الاول في العالم الاسلامي رفيق الحريري (اللي رَيّحونا مِنّو، حسب تعبير الأدبيات العونية الشعبية المستحدثة بعد العام 2005)، بل ستحاكم أيضاً المجموعة ذاتها التي اغتالت السلفي الأكبر وبعض السلفيين المسيحيين غير المأسوف على استشهادهم، وفي طليعتهم بيار الجميل وجبران التويني وجورج حاوي وانطوان غانم.
انه زمن تسديد الحسابات المؤجلة، فحزب الله كما يعلم الجميع، لم يتحول الى جمعية خيرية هدفها رفد الجنرال بالدعم، وما ينتج عنه من تعزيز لحصته الوزارية والنيابية ومن وعود رئاسية، إلّا لكي يتم توظيف هذا الدعم في ما يحتاجه الحزب في الأوقات الصعبة، وقد آن الأوان لكي يخوض الجنرال المعركة جنبا الى جنب مع حزب الله، تماما كما لو كان لديه بعض المتهمين من التيار في الاغتيالات.
وتجاوزاً لبعض مؤشرات الارتباك لدى عون بعد صدور القرار الإتهامي، لمعرفته بخطورة اصطفافه الى جانب حزب الله في مواجهة المحكمة، فإن الجنرال على ما يبدو لن يستطيع الرجوع الى الوراء بعد كلّ ما قدمه حزب الله له منذ العام 2006 والى اليوم. وهو فضلا عن ذلك يعرف حجم كلفة هذا الرجوع، وما يرتّبه عليه من مسؤوليات، وهو أيضاً لا يستطيب الظهور أمام الرأي العام بمظهر من أخطأ في الحسابات، او من بالغ في ركوب المراكب المهددة بالغرق.
ولا يمكن بالتالي وضع ابتعاد عون عن السجال حول البيان الوزاري وتركه الأمر لحزب الله والرئيس ميقاتي كي يتدبر الأمر، سوى في خانة الاستراحة القصيرة التي عاد واختصرها بكلامه عبر المنار، عن كسب حزب الله المعركة مع المحكمة.
السلاح والمحكمة
ويدرك عون ان المطلوب منه ان يكون الى جانب الحزب من دون اجتهاد في قضيتين "هامشيتين"، أي المحكمة والسلاح، وهو يقوم بما عليه على اكمل وجه. لكن ما يعرفه الجنرال ان قضية المحكمة تختلف عن السلاح، ففي القضية الثانية يمكن له ان يدغدغ بعض الشرائح المسيحية بصوابية دعمه للسلاح وبأهمية تحييد المسيحيين عن خطر المواجهة مع حزب الله، لكن في قضية المحكمة سيكون عون في مواجهة مع مسيحيين آخرين يريدون عبر المحكمة كشف القتلة ومحاكمتهم، وهو في هذه القضية سيكون في مواجهة مع توجّه مسيحي يدعم المحكمة، سيكون في مواجهة مع الشهداء بما يمثلون، كما سيكون في مواجهة مع مسلمات الكنيسة التي لم تترك من خلال بطريركيها السابق والحالي، أيّ التباس حول موقفها من العدالة والحقيقة ؟
وليس من المصادفة بشيء ان تنتهي الهدنة الاعلامية التي رتّبها البطريرك الراعي بين عون ومسيحيي 14 آذار، في هذا التوقيت الذي شهد ولادة حكومة محاربة المحكمة، وولادة القرار الاتهامي لهذه المحكمة.
والعماد عون يدرك انه سيكون ايضا في مواجهة مع المجتمع الدولي، وليس سرّا أنّ آخر لقاء له مع السفيرة الاميركية في بيروت كان مناسبة لتحذيره مجددا من الاستمرار بتقديم الغطاء لحزب الله، خصوصا ان استهداف السفارة الأميركية او الرعايا الأميركيين، قد اصبح هاجساً، بعد اتهام حزب الله للسفارة بأنّها تحوّلت الى وكر من الجواسيس.