كتبت مرلين وهبة في صحيفة "الجمهورية": يتحدّث معن عبد الحميد كرامي عن المسيرة التصحيحية لآل كرامي من موقعه الوسط بين شقيقيه الرئيس الراحل رشيد والرئيس السابق للحكومة عمر كرامي، ويؤكّد أنّه ليس وسطيّا مثل وسطيّة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، كاشفا لـ"الجمهورية" أسرار الدور السياسي الذي لعبه في الظلّ منذ رحيل رشيد كرامي.
ومعروف عن معن "مكره السياسي" الذي اكتسبه بالفطرة حسب ما يقول القريبون منه، وهو ما سمعَته "الجمهورية" من أبناء طرابلس أثناء جولة ميدانية لها في عاصمة الشمال، وكذلك من خلال حوارها معه، حيث عبّر عن جرأة وحدّة في الكلام، بحيث أنه لم يوّفر أحدا من سهامه التي أطلقها في كلّ الاتجاهات موالاة ومعارضة، إلى درجة أنّ دار الإفتاء ومفتي طرابلس والشمال الشيخ مالك الشعّار لم يسلما من سهام "عميد العائلة" حسب ما يسمّونه.
عن الدوافع التي حضّته على الخروج عن صمته اليوم قال معن: "منذ استشهاد الرئيس رشيد كرامي وجدت أنّ لشقيقي عمر رغبة في متابعة المسيرة، وبعد موافقة العائلة، وبما أنّ المراكز لم تكن هي الأساس في تركيبة العائلة الكرامية ولا من أهدافها، وبما أننا نعتبر أنّ المنبر السياسي وسيلة للخدمات التي حرصنا على تقديمها إلى شعبنا في طرابلس، لم نمانع في تولّي أخي الصغير عمر هذه المسؤولية الجديدة خلفا للرئيس رشيد كرامي، أضف إلى ذلك أنه لم تكن لديّ رغبة في انقسام العائلة بسبب الإرث السياسي، خصوصا بعدما قدّم الرئيس عبد الحميد كرامي الكثير من أجل الحفاظ على عروبة لبنان واستقلاله. ولقد كنّا في كلّ موقف سياسي مصيري نقف معا كتلة واحدة، نجتمع بعضنا مع بعض ونتشاور ثم نتّخذ القرار الذي نراه مناسبا، وهذا ما تعاهدنا على القيام به منذ أيّام الرئيس عبد الحميد كرامي حتى العام 2005 حين طرأت أمور جديدة على الأرض شعرتُ فيها بأنّ أخي عمر بدأ يستقلّ نوعا ما بقراراته بدءا بتعاونه مع "قرنة شهوان" وصولا إلى توزير ابنه فيصل.
ويضيف كرامي: "أعترف بأنّ أخي عمر سياسي مناور وأنا لست ضدّ المصالحة والحوار، ولكني مؤتمن على رسالة. ولكن الخلاف اشتدّ بيني وبينه حين تفاجأت بخبر توزير فيصل كرامي من خلال الصحف من دون إطلاع العائلة مسبقا.
فالرئيس رشيد كرامي جاء باتّفاق العائلة، فكيف يسمح الرئيس عمر لنفسه باتّخاذ قرار كهذا. حتى إنّ ابن عمّي أحمد كرامي، أيّ الوزير الجديد، قال لي يوما وأذكّره الآن بأن لا أحد من عائلة كرامي يَمون عليه سوى عميدها معن كرامي، وهو موجود يمكنكم أن تسألوه. أضف إلى ذلك أنّ هناك شبّانا كثرا في عائلة كرامي مؤهّلين للعمل في الحقل السياسي، وأولادي منهم، ولهم طموحاتهم، ولا أستطيع أن أحدّ منها، فكيف يمكن للرئيس عمر كرامي الاستقالة من العمل السياسي من دون إعلام العائلة، وهو ما زال قادرا على العطاء"؟
ويقول معن: "في انتخابات 2009 اجتمعت مع الرئيس عمر كرامي الذي قال لي إنّه تعب، مقترحا اختيار أحد شبّان العائلة ليكمل الطريق، فأجبته قائلا: "أنت في صحّة جيّدة ولا أؤيّد غيرك حاليّا، ولكن حين تقرّر اعتزال السياسة هناك أولادك فيصل وخالد، وأولادي طلال ووليد، فنقرّر في حينه.
ويكشف معن "أنّ السبب المهمّ الآخر لعدم قبولي بتوزير فيصل ابن أخي هو طريقة توزيره، لأنّ آل كرامي لا يقبلون مِنّة من أحد ولا تضحية من أحد". متوجّها إلى رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي والأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله قائلا: "أكنّ لبرّي كلّ احترام ومودّة، وأفتخر بالعلاقة العائليّة التاريخيّة التي تجمع بيننا وبينه، ولكني أرفض المسّ بكرامة العائلة وتراثها وثوابتها. ولحزب الله أقول إنّ مقاومتهم مقدّسة لدى آل كرامي ولكن لنا نحن في المقاومة صولات وجولات، وفي سبيلهم بالذات ضحّينا وقاومنا، وهم يدركون ما أقوله تماما".
وهل هو نادم لقوله إنّ فيصل عمر كرامي هو الوزير الشيعي السادس، قال معن: "لست نادما على الإطلاق، وما زلت مُصرّا على قولي هذا". وتوجّه إلى نصرالله قائلا: "نحن نعلم أنّ حزب الله هو مَن أوصل الأستاذ فيصل، ونقول له إننا مع مقاومتك لأنّك تتصدّى لعدوّ شرس بالنيابة عن كلّ عربي، ولكنّ تدخّلك في السياسة الداخليّة سننتقده عندما تخطئ، وسنصفّق لك عندما تصيب، وأنت الآن أخطأت".
ويضيف معن غامزا من قناة برّي: "نحن لا نفتخر بهذه التضحية التي تمنّنتم بها علينا، وهي مردودة مع الشكر. وكنّا نتمنّى على أخي وابنه الاعتذار عن تولّي هذا المنصب غير المشرّف (في إشارة إلى أنّ وزارة الشباب والرياضة ليست وزارة سياسيّة) ولو اعتذر فيصل عن قبول هذه الوزارة لكان أصبح بطلا في عيوننا وفي عيون أمّته جمعاء".
وعن إمكانيّة إصلاح الشرخ في البيت الكرامي قال معن: "هناك شرخ كبير مع الأسف، ولسنا نحن من تسبّب به. وتوجّه إلى شقيقه عمر قائلا: "لماذا يا أخي أنهيت حياتك السياسيّة مبكّرا، مع أنّك تعرف ونحن نعرف الفارق الذي سيحدثه وجودك في السياسة اللبنانية المحلّية، وليس ابنك فيصل الذي لا يقف عليه مصير لبنان، إذ أنت ونحن نعلم مقدرته الفعليّة على الساحة؟". وأضاف: "منذ الآن لن يستطيع عمر أو ابنه احتكار قرار آل كرامي، فقرار العائلة ستتّخذه العائلة جمعاء". وتوجّه إلى حزب الله مجدّدا بقوله: "مع احترامي لكم، لا أحد يحدّد لنا مستقبلنا السياسي، ونحن نعلم أنّكم الداعم لتوزير فيصل كرامي".
وأشار معن إلى أنه لا يساوم على علاقته بسوريا "بأيّ علاقة مشبوهة"، مؤكّدا أنّها إذا أخطأت سينتقدها، مذكّرا "كيف أنّها تخلّت عن عمر كرامي في "ثورة الدواليب" حين أسقطت حكومته العام 1992 لكي تفرش الطريق للرئيس رفيق الحريري"، ومذكّرا بتصريح لنائب الرئيس السوري عبد الحليم خدّام يومذاك قال فيه "إنّ حكومة الحريري جاءت لتبقى وتستمرّ".
وتوجّه معن إلى تيّار "المستقبل" قائلا: لستم التيّار الوحيد القوي في طرابلس الذي يمثل السنّة، فقسم كبير من السنّة يؤيّدنا ويؤيّد الرئيس نجيب ميقاتي".
وعمّا سيكون عليه اصطفافه في الانتخابات النيابية سنة 2013 قال معن كرامي: "لا أحد يعلم أين ومع من سنكون، ولكن المؤكّد أنّنا سنكون موجودين في خط يتلاءم وثوابتنا الوطنية الكراميّة، وقد بدأنا سلسلة لقاءات لنبني عليها صورة مستقبلية واضحة للخط الذي ستراه العائلة مناسبا لخياراتها الوطنية".
وأعلن أنّ ولديه وليد وطلال يعتزمان دخول المعترك السياسي. وعندما سئل عمّن يعطيه الأولويّة منهما، أجاب: "لن أفرّق بين أولادي كما فعل أخي عمر (في إشارة إلى الخلاف الحادّ بين خالد وفيصل كرامي) فالعلاقة بين أبنائي ستكون الأساس في بنيان سياسة محلّية وعالميّة قوية وثابتة، إذ لدى طلال كرامي علاقات عامّة دوليّة رفيعة ومميّزة".
وتوجّه معن إلى ميقاتي مؤكّدا أنه يكنّ له "مودّة واحتراما"، مشيرا إلى أنّه "ابن بيت كريم، ولكنه مستجدّ في السياسة". وذكّر "أنّ رئاسة الوزراء كانت محصورة برياض الصلح وعبد الحميد كرامي"، متمنّيا لحكومة ميقاتي التوفيق.
وتوجّه معن إلى ابن أخيه الوزير فيصل مؤكّدا أنّه "يعلم ويعترف بأنّه ليس الأفضل والأقدر، ويمكنكم النزول إلى الشارع والسؤال عن فيصل ووليد وطلال وستلقون حتما الجواب". وتمنّى معن أيضا التوفيق لابن عمّه الوزير أحمد كرامي الذي "أعتبره مثل أولادي وأقدّره وأحترم شخصه كإنسان مسالم" مقدّرا له عدم تدخّله في "الخلاف بين الإخوة".
وعندما سألت "الجمهورية" معن رأيه في اللقاء الموسّع السنّي الذي دعا إليه المفتي الشعّار، شنّ عليه حملة عنيفة قائلا: "إذا تكلّم سأتكلّم، وإذا تجرّأ سيسمع كلاما لن يعجبه، فليس للمفتي جنس الوفاء، وليست لديه فكرة أو خبرة، وطوال عمره غائب عن طرابلس، ولو كانت لديه قطرة وفاء لبيت كرامي لما تصرّف كما فعل، ولذا أطالبه بالكفّ عن التدخّل في السياسة والانصراف إلى الصلاة، شاكرا للرئيس ميقاتي إعادة المفتي إلى صوابه حين أسمعه كلمتين طالبا منه التوقّف عن اتّخاذ مواقف سياسية ليس مؤهّلا لتدارك عواقبها". مشيرا إلى "أنّ جميع الناس يعرفون كم إنّ مفتي الشمال معجب بسعد الحريري".
وهاجم معن دار الإفتاء بعنف مذكّرا بـ"أنّ الافتاء بقي 650 سنة في عهدة آل كرامي". وتساءل: "كيف يمكن لأيّ شرع في العالم الاجتماع للدعوة إلى إنهاء المرأة؟ وهل يتطلّب الأمر من دار الإفتاء اجتماعا لإقرار إيذاء المرأة؟" وأضاف: "إنّ هذا قمّة العيب. هل هناك حديث حسب الشرع أو آية قرآنية توافق على إيذاء المرأة؟ على العكس، هناك حديث شريف يقول: "ما أكرمها إلّا كريم وما أهانها إلّا لئيم".
وسأل معن دار الإفتاء، هل ارتكزت على هذا الحديث الشريف كي لا توافق على قانون "مكافحة العنف ضدّ المرأة"؟ وختم قائلا: لقد درست في الجامعة الأميركيّة وكنت أحد مؤسّسي حركة القوميين العرب، وعايشت جورج حبش ووديع حداد وأحمد الخطيب، وإنّي مستعدّ للتعاون مع كلّ ما ينسجم مع مبادئي الكراميّة". وأكّد أنّه لا يعلم مع مَن ستكون تحالفاته الانتخابية، ولكنه يعلم أنّه سيكون موجودا عبر أحد نجليه طلال أو وليد، وأنّه مثلما كان العنصر الأساسي والمناضل على الأرض في الانتخابات السابقة إلى جانب شقيقه عمر، سيكون في الانتخابات المقبلة مع أحد نجليه وليد أو طلال، أو مع النجلين؟
وإلى ذلك، يقول وليد كرامي المهندس العامل في طرابلس لـ"الجمهورية" إنّه يفضّل البقاء في الكواليس حاليّا، وترك مهمّة إدارة المسيرة التصحيحيّة لآل كرامي للوالد "بعدما انحرفت عن مسارها التاريخي" وأكّد أنه منكبّ على العمل منذ عهد عمّه رشيد على الصعيدين الاجتماعي والإنمائي، متمنّيا التوفيق لابن عمّه فيصل، ومذكّرا إيّاه بـ"التوازنات الطائفيّة" في مؤتمر الطائف قائلا: "اليوم أعطونا وغدا سيأخذون منّا".
وعن رأيه في ما إذا كان فيصل ابن عمّه مؤهّلا لتولّي وزارة الشباب والرياضة قال وليد: "نحن لسنا على خلاف على الأهليّة إنّما على طريقة التوزير". وأضاف: "إنّ مصير هذه الحكومة الفشل كسابقاتها، لأنّنا لم نصل إلى مرحلة الاستقلال".
ويبقى السؤال: هل ستؤدّي الاصطفافات النيابية الكرامية المقبلة إلى رسم خريطة طريق توصل آل كرامي إلى مرحلة الاستقلال، مثلما فعل زعيمهم وكبيرهم رجل الاستقلال وحاميه الراحل عبد الحميد كرامي؟