كتب محمود عيتاني في صحيفة "عكاظ": عندما اغتيل الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005، لم تكن عائلته وحدها المفجوعة، أصاب الحزن والبلاء عائلاتهم، وكما أن عائلة الحريري انتظرت ست سنوات لمعرفة القاتل، فإن تلك العائلات كانت أيضا بالانتظار، واستقبلت خبر صدور القرار الاتهامي بفرحة كبيرة، فالقاتل بالنسبة لها بات معروفا. "عكاظ" وفور صدور القرار الاتهامي، قصدت منازل من سقطوا في تلك الجريمة وأطلق عليهم الإعلام اسم (رفاق الحريري). هو ليس الشهيد الأول لعائلة طراف فلهذه العائلة تاريخ مع الشهادة، فهي التي فقدت ابنا في السادسة عشرة من عمره، عندما دهسته دبابة إسرائيلية في خلدة، خلال الاجتياح الإسرائيلي سنة 1982. وباتت الوالدة تحتضن أبناءها تحت جناحاتها خوفا عليهم من أي أذى. ولكن يد الإجرام اخترقت حضنها الآمن واستطاعت أن تسلبها قطعة أخرى من قلبها.
"عكاظ" التقت شقيق الشهيد زياد طراف ممدوح في زيارة لأضرحتهم بجوار مسجد محمد الأمين في وسط بيروت لحظة صدور القرار الاتهامي، حيث استرجع طراف ذكريات الأخ ووقوفه إلى جانب الرئيس رفيق الحريري حتى يوم الاستشهاد. فقال: "كان زياد مرافقا لرفيق الحريري لفترة تسع سنوات. تعلم خلالها الصدق والصبر والتضحية ولسنوات لم يفارق زياد فيها الرئيس إلا بعد أن اغتالته يد الإجرام فأبعدته عن عائلته وأولاده".
ويتابع ممدوح وعيناه تدمعان: "قبل أربع سنوات كانت الحياة طبيعية داخل ذلك المنزل، أصوات الأدوات الكهربائية، التلفاز، ضجيج الأطفال، حتى صراخهم. كل شيء كان على ما يرام. ملامح ومظاهر من تلك السنين لا تزال موجودة هناك، لكنها تفتقد الحياة، فأصواتها لا تسمع، وضحكاتها لا تخرج من القلب. هي فقط لمتابعة الطريق وفتح باب الأمل المرتبط بالمحكمة الدولية التي ستكشف الحقيقة وتعاقب القتلة كي ترتاح القلوب وتنبض من جديد بحياة حقيقية".
وحول موقف العائلة عند صدور القرار الاتهامي، قال طراف: "نحن نعتبر صدور القرار الاتهامي مناسبة لإحقاق العدالة وإعطاء الحق للشهداء وعائلاتهم بالقانون وليس بالثأر، ومنذ البداية، نحن رفضنا مبدأ الثأر وارتضينا السير لإقرار محكمة دولية تعتمد على أعلى مستويات الممارسة القانونية، ونحن ننظر إلى الحكومة اليوم ونطلب منها التعاون الكامل مع المحكمة بعيدا عن المماطلة والتمييع والمواقف الضبابية؛ لأن شهداءنا يستحقون التعامل مع قضيتهم إلى النهاية وجلب المجرمين إلى العدالة لمحاسبتهم وفق معايير العدالة".
وأضاف: "لقد انتهى زمن القتل السياسي، وهذا أبرز إنجازات المحكمة الدولية ولدينا فرصة جديدة وكبيرة لقيام دولة يحترم فيها الاختلاف السياسي ولا يسود على أراضيها مبدأ القتل والاغتيال. دولة تحكم فيها المؤسسات الرسمية ويطبق فيها القانون على الجميع بالتساوي ولا يكون فيها طرف فوق القانون والدستور لأي سبب كان".
وأشار إلى أن "هذه المحكمة وإن طال الوقت قبل أن تصدر القرار الاتهامي فهي محط ثقتنا ونحن نؤمن بأنها محصنة من كل أنواع التسييس والتلاعب في قراراتها، ونأمل من سائر الأطراف اللبنانيين التعاطي معها بروح المسؤولية؛ لأننا كعائلات قدمنا شهداء من أبنائنا ونستحق أن نعرف من قتلهم، ولماذا".
وأردف طراف: "ككل عائلة قدمت شهيدا لأجل لبنان وككل شهداء ثورة الأرز وفي مقدمتهم الرئيس الشهيد رفيق الحريري، دماء أخي لا يمكن أن تذهب هدرا؛ لأن أحدا قرر ذلك. فنحن لا نريد الانتقام ولم نرغب فيه في أية لحظة بل نريد إحقاق الحق وتطبيق العدالة".
"عكاظ" انتقلت إلى منزل الشهيد محمد غلاييني، المرافق الثاني للرئيس الحريري، والتقت والدته وهي تقول "قتلوا ولدي قتلوا وحيدي"، وتسترجع الوالدة ذكريات ذلك اليوم الأليم، وتقول: «في قلبي حسرة لن تشفى وأعيش أيامي منتظرة موتي لألتقي محمدا".
وأضافت والدة الشهيد محمد غلاييني: "كان ولدي محمد ابن الثلاثين عاما، رجل المنزل الصغير، بعد أن غاب الوالد وهو في الرابعة من عمره. ربيته برموش العين حيث أصبح شابا تنقل حينها بين أكثر من وظيفة حتى صار مرافقا للشهيد الحريري لفترة ثلاث سنوات، اختتمها بالشهادة".
وتابعت -وهي تبكي-: الدموع لن تغيب عن عيني، أيامي كلها متشابهة ألم وحسرة وشوق لمعرفة الحقيقة، حقيقة من سلبني ابني الوحيد. فولدي رحل تاركا طفلين لم يعيشا معنى وجود الأب، فريم كانت في سنتها الثالثة يوم استشهاده، وحسين لم يكن قد أكمل سنته الثانية بعد، فأنا كأم فقدت وحيدها وفلذة كبدها لا أريد الانتقام، كل ما أريده هو العدالة والحقيقة ومعاقبة مرتكبي جريمة العصر، فهذه الجريمة أفقدتنا أغلى ما نملك ويتمت أطفالا بعمر الورد، فأنا أريد العدالة ليبرد قلبي ولكي يعرف أولاده من سلبهم حنان الأب".
وحول القرار الاتهامي، قالت والدة الشهيد غلاييني: "هذا القرار أثلج قلوبنا وفتح لنا باب الأمل فنحن لسنا طلاب ثأر، نحن طلاب عدالة ونثق بهذه المحكمة وتركيبتها وسنتابعها حتى النهاية، ومن هنا نحن نطالب الدولة اللبنانية بالتعاون الكامل وتسهيل مهمة فريق المحكمة من أجل التوصل إلى الحق والعدالة والتخلص من جرائم الاغتيال التي تودي بحياة الأبرياء".
من جهتها، والدة الشهيد عمر المصري قالت لـ"عكاظ": "ولدي لم أره، تحول جسده إلى أشلاء وهم قالوا لي إن هذا هو ابنك عمر".
وأضافت متنهدة "عمر أب لخمسة أولاد هم يوسف، ميرفانا، ميريانا، محمد وعامر، عمل مرافقا لمفتي الجمهورية الدكتور محمد رشيد قباني لفترة عشرة أعوام. قبل أن ينتقل للعمل في فريق الحماية المرافق للرئيس رفيق الحريري".
وتابعت: "استشهد المرافق عمر، لكن عمر الابن والصديق والجار لوالدته موجود في كل غرفة من غرف المنزل، أقول له دائما ولدي الحبيب لماذا ذهبت دون أن تودعني". وتنتفض وهي تبكي وتقول: "لا شيء ينسيني ولدي، فأنا أريد العدالة عدالة من قتل ولدي؟ من يتم هؤلاء الأطفال الخمسة؟ من أبعد عنهم والدهم؟ صدور القرار الاتهامي جاء كخبر عودة عمر إلى الحياة، وكأنني أرى ولدي أمامي من جديد، فالمحكمة الدولية هي الأمل الوحيد لنا كعوائل الشهداء، فلن نستكين أو نرتاح قبل معرفة الحقيقة ومعاقبة مرتكبي هذه الجريمة الوحشية".