#adsense

وللعدالة ربيعها أيضا

حجم الخط

أخيرا، وبعد طول انتظار تخلله نضال طويل عمّد بدماء شهداء أبرار دفعوا أرواحهم ثمنا لوطن سيد مستقل حر القرار، دقت ساعة الحقيقة، وصدر القرار الاتهامي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

الثلاثون من حزيران 2011، بات يوماً تاريخياً ومفصلياً ختم فترة زمنية دامت ست سنوات وأربعة أشهر وستة عشر يوماً مضت على جريمة العصر، لم يفوّت خلالها المجرمون أي فرصة للهروب من العدالة وإعلان الحقيقة، ابتداءً من تصفية خيرة قادة “ثورة الأرز”، مروراً بافتعال حروب داخلية وخارجية وتوترات أمنية بالتوازي مع عرقلة إقرار المحكمة الدولية في مجلس النواب، وصولا الى إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري بعدما فشلوا في انتزاع توقيعه على إهدار دم والده وسائر شهداء مسيرة الحرية والسيادة والاستقلال.

أوهموا أنفسهم ومن استطاعوا أسره من شعبهم أن بإمكانهم إجهاض المحكمة الدولية وقتل قرارها الاتهامي قبل ولادته من خلال استرهانهم لبنان بقوة الحديد والنار، وعبر التهديد بالفتنة وهز السلم الأهلي وزعزعة الاستقرار (بمواكبة إعلامية وسياسية صهيونية مريبة ولافتة)، وعبر الضغط على الرئيس سعد الحريري وابتزاز قوى “14 آذار” لثنيهما عن التمسك بالمحكمة وإرغامهما على القبول بالمساومة على دماء الشهداء والتخلي عن العدالة مقابل الاستقرار، وبالتالي تكريس منطق الجريمة السياسية وتسييد شريعة الغاب في لبنان

ظنوا أنهم يستطيعون الوقوف في وجه محكمة أنشئت بموجب قرار دولي وتحت أحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ووصل استكبارهم الى حد وصفها بالمؤامرة وأنها “ستذهب أدراج الرياح”!

أوقعوا أنفسهم المذعورة في كثير من التخبطات، وشابت مرافعاتهم التضليلية جملة سقطات وعثرات، ولا سيما في صيف 2010 أثناء عرضهم مسلسلهم البوليسي ذي الخمس حلقات، الذي ابتدأ بحلقة “كاد المريب يقول خذوني” وختم بحلقة “تمخّض الجبل فولد فأرًا”، يوم حاولوا إلباس جريمة العصر للعدو الإسرائيلي، من خلال مؤتمر صحافي جمع بين الكوميديا والدراما والهزل والهراء، مستعينين بأفلام فيديو وتحقيقات وشهادات مسجلة خارجة عن السياق، ومعتمدين كما جرت العادة أسلوب الاستخفاف بالعقول واستغباء المشاهدين والقراء.
اليوم، مع صدور القرار الاتهامي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري الذي تضمّن بدفعته الأولى أربع مذكرات توقيف صادرة في حق أمنيين لبنانيين من “حزب ولاية الفقيه”، ينتظر أن تتبعها مذكرات أخرى تشمل متهمين آخرين من لبنان وسوريا وإيران، انتقل ملف الجريمة من مرحلة الحرب بالمناظير المستندة الى التسريبات والتكهنات والفبركات والترهات والإشاعات والاتهامات السياسية…الى مرحلة الأدلة الدامغة والحجج المقنعة والبراهين القاطعة والقرائن القوية الساطعة التي لا ينفع معها التلطي خلف قناع ما يسمى “مقاومة” أو “ممانعة” كشفه رامي مخلوف، ولا اللجوء الى عقد مؤتمر صحافي جديد يناقش المحكمة في الشكل ويتعامى عن أدلتها، ولا إعادة اجترار مسلسل تلفزيوني مكرر مبني على فرضية تسييس المحكمة و”أسرَلتها”، كما لا يجدي حيالها “تكليف الشرعي” يحوّل في أعين متبعيه الأسود أبيض والأبيض أسود، والأسد حملا، والفيل طائرا، والنملة وحشا، والعصفور من الزواحف، والثعبان من الثدييات، والقط من الحشرات.

اليوم، دخلنا مرحلة المرافعات وغرف المحاكمات ورزم الملفات، والإعلان عن الوقائع وإبراز الأدلة والوثائق التي لا يمكن دحضها أو التشكيك في صحتها إلا من خلال مواجهتها بأدلة أخرى مضادة لا تقل عنها قوة، ذلك أن المصادقة على القرار الاتهامي تعني أن القاضي “فرانسين” مقتنع بوجود أدلة كافية ومقنعة للانتقال الى المحاكمة، فسمعة المحكمة وصدقيتها ومهنية كادرها القضائي على المحك، وكل ما سيصدر عنها خاضع لمراقبة العالم بأسره.

لا جدال في أن القرار الاتهامي ليس حكماً بالإدانة، وأن أي متهم يعتبر بريئًا حتى تثبت إدانته في المحاكمة، لكن ذلك لا يعني أنه لا يمكن الفصل في هذه الجريمة وملحقاتها بين الشخص المتهم والحزب الذي ينتمي إليه كما يدعي بعضهم محاولا تلطيف الأجواء، فهذه أضحوكة كبرى لا قيمة لها قانونيا ولا قضائيا ولا منطقيا، ولا سيما أننا أما جريمة يحتاج تنفيذها الى إمكانات دول سواء على صعيد الاستخبارات أو الاستطلاع أوالتمويل أوالتجنيد أوالتخطيط، أو التنفيذ بعد تأمين ألفي كيلوغرام من المتفجرات!

القرار الاتهامي وما أرفق به من مذكرات جلب وتوقيف لم يفاجئ أحداً لا من أهل السياسة ولا من عامة الناس، كما لم يُحدِث صدمة شعبية في لبنان، إلا أن سبب ذلك ليس لأن الناس لم تعد تقيم للمحكمة شأنا بعدما صوّب عليها “حزب ولاية الفقيه” صواريخ التسييس والتخوين “ففضح أمرها” و”قوّض سمعتها” وأفرغ قرارها من مضمونه “المفبرك” كما يدعي “الحزب” اليوم، بل السبب الجوهري يكمن في أن الجهة التي دأبت طوال السنوات الماضية على محاولة تعطيل مسار العدالة وعرقلة عمل التحقيق الدولي كانت حقيقة أوّل من سرّب مضمون القرار الاتهامي موجهة أصبع الاتهام الى نفسها بنفسها، من خلال جلب الشبهات التي تؤشّر الى ضلوعها في جريمة العصر وما ارتبط بها من اغتيالات، فجاء الإعلان الرسمي عن القرار الظني بالنسبة لعموم الناس ليؤكد المؤكد ويكرر المكرر ويعلن ما سبق للمتهم أن أعلنه بنفسه.

وليس صحيحاً أن القرار الاتهامي كان في سباق مع تشكيل “حكومة رعاية الإرهاب” في لبنان وسوريا وإعدادها البيان الوزاري الذي اعتمد عبارات حمّالة أوجه للتنصل من التزامات لبنان تجاه المحكمة الدولية، بل على العكس تماماً، كان الحزب الحاكم الذي أصر على اتهام نفسه بالتورط في تلك الجرائم هو من يسباق القرار الاتهامي ابتداء من إقدامه على إسقاط حكومة الحريري وسط معلومات عن اقتراب موعد صدور القرار، مروراً باتخاذ قرار التأليف بعد نحو خمسة أشهر من المراوحة عندما سادت الأجواء نفسها وأصبحت أكثر تأكيداً، وصولا الى الاتفاق على بند “التنصل” من المحكمة العالق في البيان الوزاري بعد خلاف “أكثري” صباحي ما لبث أن انتهى مساء عندما تأكد الانقلابيون أن صدور القرار بات مسألة ساعات معدودات.

إن صدور القرار الاتهامي والانتقال الى مرحلة المحاكمة إنما يعد انتصاراً لمنطق العدالة في لبنان وخطوة مهمة باتجاه وضع حد لمسلسل الاغتيالات السياسية والإفلات من العقاب الذي حكم لبنان منذ سنة 1976 حاصداً أرواح زعماء وطنيين وسياسيين وعلماء دين وصحافيين وقادة رأي ومفكرين.

في خضم التغيّر المناخي الذي تشهده المنطقة حيث يجتاح ربيع حرية الشعوب وكرامتها خريف الأنظمة الديكتاتورية البائدة، وصل في عز الصيف ربيع العدالة وربيع الشهداء الى لبنان، الذي مع سير المحاكمات وتقدم مسارها ستتفتح أزهاره ووروده تباعاً حمراء قانية بعدما تغذت من تربة روتها دماء شهداء ماتوا ليحيا لبنان.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل