#adsense

مسرحية السيد حسن… ومسرح الدمى!!!

حجم الخط

لم يأتِ تشكيك السيد حسن نصرالله بالمنظمات الدولية من فراغ، فعلاقة "حزب الله" بالمجتمع الدولي، منذ تأسيس الحزب وحتى اليوم، تعتريها الكثير من الشوائب تصل حدّ عدم إعترافه بالمجتمع الدولي ككل. فالمجتمع الدولي وفق مفهوم وعقيدة "حزب الله" هو "المجتمع الشيعي" حول العالم، وشكل "الأمم المتحدة الحقيقية" هو بدوره الشكل الثيوقراطي الذي تُعبرّ عنه "دولة ولاية الفقيه" المركزية في ايران وامتداداتها اللامركزية المذهبية في اجزاء من لبنان والعراق والبحرين وفي المنطقة الشرقية من السعودية وصعدة في اليمن وغيرها من البؤر الإيرانية… هذه هي "الأمم المتحدة" الفعلية بالنسبة لـ"حزب الله"…

جاء في الوثيقة التأسيسية الأولى لـ"حزب الله" الصادرة في شباط 1985 بعنوان: "رسالة الى المستضعفين" ما يأتي:
"لا بد من كلمة حول المنظمات والهيئات الدولية كمنظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي وغير ذلك. فإننا نسجل أن هذه المنظمات… تبقى عديمـة الفاعليـة بسبب هيمنة دول الاستكبار العالمـي على قراراتها… ومن هنا فإننا لا نتوقع أن يصدر عن هذه المنظمات ما يخدم مصلحة المستضعفين".

وجاء في البيان التأسيسي الثاني لـ"حزب الله" الصادر في تشرين الثاني 2009 ما يأتي:
"كانت (الجرائم الإسرائيلية تجري) بدعم كامل من قِبَل الولايات المتحدة الأميركية، وتجاهل إلى حدّ التواطؤ من قِبَل ما يُعرف بـ"المجتمع الدُّولي" ومؤسساته الدُّولية..".

إنطلاقاً من ذلك يتبيّن ان نظرة "حزب الله" للمجتمع الدولي والمنظمات الدولية ليست مرتبطة اساساً بمجريات التحقيق الدولي، سواء كان هذا التحقيق موضوعياً او لا، او سواء اتهّم "حزب الله" او لم يتهّمه، وإنما هي تتعلق بمفهومٍ عقائدي شامل لا يعترف بشرعية أي قرارٍ او أي سلطةٍ سياسية وقضائية وعسكرية، محليةً كانت او دولية، سوى سلطة ولي الفقيه وكل إفرازاتها.

من هنا يمكننا إدراك الخلفيات الحقيقية التي تدفع بعض الجهات المسلحّة التي لا تعترف بالشرعية الدولية الى مواجهة هذه الشرعية، والذهاب في هذا "التحدّي" حدّ ارتكاب تفجيراتٍ وجرائم كبرى تمسّ هيبة المؤسسات الدولية وقراراتها المُلزمة، من دون ان تشعر تلك الجهات المسلحّة بأي مسؤولية جنائية او سياسية او إنسانية تجاه المجتمع الدولي ومؤسساته، كونها لا تعترف بكل هذه الهيكلية الدولية من اساسها.

هذا من حيث المبدأ، اماّ في التفاصيل، فقد تضمّن خطاب السيد حسن نصرالله الذي القاه مساء السبت في الثاني من تموز الجاري جملة مغالطاتٍ وتناقضاتٍ ووقائع تُدين "حزب الله" عوض ان تُساعده.

اولاً، بالنسبة لموضوع نائب رئيس لجنة التحقيق الدولية غيرهارد ليمان. لقد عرض السيد حسن فيلم فيديو يُظهر فيه ليمان وهو يتلقّى مبلغاً من المال بمثابة رشوى عن تسريب بعض المعلومات المتعلقة بالتحقيق. هذا الأمر يستوجب طرح عدّة اسئلة من دون الخوض في غمار مصداقية شريط الفيديو او عدمه، وهذه الأسئلة على الشكل الاتي:
لقد تمتّ تنحية ليمان عن عمل لجنة التحقيق الدولية في العام 2006، وفي تلك الفترة كانت كل الإتهامات السياسية وحتى القضائية متّجهة صوب سوريا ورؤساء الجهاز الأمني اللبناني السوري الذين اوقفوا على هذا الأساس، ولم يكن اسم "حزب الله" متداولاً يومها بصفته متهماً رئيسياً في ارتكاب تلك الجرائم. فلماذا يحاول "حزب الله" إذاً اختراق لجنة التحقيق الدولية والتدخل في ما "لا يعنيه"، محاولاً شراء ذمّة ليمان او غيره للحصول على فتات المعلومات؟ كاد المريب ان يقول خذوني…

ممّا لا شكّ فيه، ان الشريط تم تصويره ما بين العامين 2005 و2006 اي في الفترة إياّها التي تم فيها توقيف جميل السيّد واصدقائه، وبالتالي فإن هذه "الحقيقة" كانت بحوزة "حزب الله" منذ ذلك الحين. والسؤال، لماذا لم يعرض "حزب الله" ادلّته في ذلك الوقت من اجل مساعدة جميل السيدّ واصدقائه اولاً، ومن اجل الكشف عن "ثغرات" التحقيق للمساهمة في إماطة اللثام عن الحقيقة كما كان يدعّي "حزب الله" على الدوام؟
لا شكّ ان "حزب الله" لم يكن يرغب في ذلك الوقت بارتكاب اي "هفوة" تُعيد "تصويب مسار التحقيق بإتجاهه الصحيح"، او تقديم اي دليلٍ من هذا النوع قد يؤدي الى إخراج جميل من السجن… وإدخال "جميلٍ" آخر مكانه او معه.
بمعزلٍ عن صحّة الشريط الذي عرضه السيد نصرالله او عدمه، فإن لجنة التحقيق الدولية تضّم الآف المحققين والموظفين، وبالتالي فمن البديهي الاّ يكون الجميع يتمتّعون بنفس المزايا الأخلاقية، ولكن هذا لا يعني أن المحكمة الخاصة كمؤسسةٍ دولية هي جهازٌ فاسد!!. وإلاّ فكيف يُفسر السيد حسن وجود عملاء للمخابرات الأميركية وربما الإسرائيلية في صفوف "حزب الله" تحديداً؟ وهل هذا يعني ان "حزب الله" كحزبٍ قائم بذاته او بالذات الإيرانية، يعمل لصالح الإسرائيليين؟
ابعد من ذلك، فإن الطبيعة البشرية غير المُحصنّة اخلاقياً وإنسانياً وعقائدياً مُعرضّة للإنحراف، وإلاّ فكيف يُفّسر السيد حسن تعرّض بعض الأولياء والمرسلين بحدّ ذاتهم، للخيانة من قبل اقرب المقربيّن اليهم. فالمسيح تعرض للخيانة من قبل احد تلامذته يهوذا الإسخريوطي، والإمام علي بن ابي طالب اغتيل بدوره على يد اقرب المقربيّن اليه عبد الرحمن بن ملجم. فهل هذا يعني ان كل تلامذة المسيح خونة، وكل المؤسسة الكنسية فاسدة؟ وهل هذا يعني ان كل الذين تشيّعوا للإمام علي بن ابي طالب غدّارون؟
واخيراً، سواء كان ليمان فاسد ومرتشٍ او لم يكن، فإن السيد حسن، بحسب ما جاء في الوثيقتين التأسيسيتين لحزبه، لا يعترف اصلاً بكل منظومة المؤسسات الدولية!! فلماذا يُتعب السيد حسن نفسه لهذه الدرجة برأيكم؟

ثانياً، يدعّي السيد نصرالله ان رئيس المحكمة الخاصة بلبنان انطونيو كاسيزي هو صديقٌ لإسرائيل وهذا يعني ان قرارات كاسيزي مُسيسّة، لكن السيد نصرالله تناسى أن السيد كاسيزي ترأس في السابق المحكمة الخاصة بيوغوسلافيا التي ادانت سلوبودان ميلوزيفيتش بجرم إبادة آلاف المسلمين في البوسنة. فهل يدعونا السيد حسن ويدعو المجتمع الدولي لإعادة النظر بمحكمة يوغوسلافيا لتجريم اهالي البوسنة وتبرئة ميلوزيفيتش!!…

ثالثاً، بالنسبة لتشكيك السيد نصرالله بالخلفيات الأمنية للمحققين الدوليين، والبناء على ذلك للقول إن المحكمة الدولية فاسدة. وكأن السيد حسن يريد بذلك ان يتولّى التحقيق في جريمة العصر وعشرات الجرائم المتسلسلة التي تلتها محققون هواة، لا يتمتّعون بأي خبراتٍ دولية ولا خلفياتٍ استخباراتية، لكي يتمكّن جهاز امن "حزب الله" من التلاعب بهم وتضليل التحقيق كما يشاء.
امّا اذا كان بعض المحققين الحاليين سبق لهم ان لاحقوا عماد مغنية في السابق، فذلك لا يعني أن المحققين لا يصلحون للعمل في لجنة التحقيق الدولية، وإنما لأن عماد مغنية نفسه هو الذي كان متورطاً في تفجيراتٍ دولية كبرى شبيهة بتفجير الحريري، مما استوجب ملاحقته من قبل كل الدول الغربية على غرار ملاحقة بن لادن والظواهري وغيرهما من الإرهابيين الدوليين. وبالتالي فإن استعراض خبرات بعض المحققين في المجال الأمني ومجالات التحقيق الجنائي ومكافحة الإرهاب الدولي، يُثبت سلفاً ان البراهين التي استحصلوا عليها ستتضمن بلا ادنى شك وقائع وإثباتات دامغة لا يمكن التنصّل منها…

رابعاً، يعرض السيد حسن وثيقة يقول انها تابعة للمحكمة الدولية ويدعّي من خلالها ان المحكمة شحنت عشرات الكومبيوترات عن طريق اسرائيل، لكن التدقيق في تلك الوثيقة يُظهر انها صادرة عن لجنة مراقبة الهدنة في الأمم المتحدة والموضوع الذي أثاره السيد حسن لا علاقة له بالمحكمة الخاصة بلبنان لا من قريب او بعيد. هذا من جهة، أما من جهة أخرى، فكان حريّ بالسيد نصرالله ألا يستخف بعقول الناس عندما تكلّم عن شحن الكمبيوترات عبر إسرائيل، فالكل يعلم أن نقل المعلومات بحاجة الى قطعة صغيرة جداً تخبّأ في الجيب لنقل أطنان من المعلومات الورقية…

خامساً، بالنسبة للإتهام الذي ساقه السيد حسن بحق بعض مسيحيي "14 آذار" متهماً هذا البعض بالعمل على "الفتنة السنية الشيعية"، فإن هذا الإتهام بالذات ينسف أي مصداقية ممكن ان يكون مؤتمر السيد حسن قد حملها، لأنه يُثبت من دون أي تدقيقٍ او تحليل بأن كل ما سرده السيد حسن حول مسار ومصداقية التحقيق الدولي لا يعدو كونه حلقة جديدة من حلقات ابو ملحم التلفزيونية. فهل من عاقل على هذه الكرة الأرضية ممكن ان يُصدّق بأن مسيحيي "14 آذار" يعملون للفتنة الشيعية السنية، فيما "حزب الله" يمثّل رمز الإعتدال الشيعي والإنفتاح على اهل السنّة وإحترام تمثيلهم وقياداتهم وحرماتهم ومنازلهم وممتلكاتهم…
وهل من داعٍ لإعادة تذكير السيد حسن بعشرات الوقائع والإرتكابات التي تُظهر بوضوح هويّة الجهة التي همشّت الطائفة السنّية، وهل من داعٍ للتذكير بهوية الجهة التي طعنت الميثاقية اللبنانية من خلال استبعاد ممثل الطائفة السنية عن موقع الرئاسة الثالثة عبر إنتشارٍ أمني أسود، وماذا عن هوية الجهة التي انتهكت حرمات اهالي بيروت في 7 ايار 2008، وحاولت بدورها الإطاحة بالمحكمة وطمس الحقيقة باغتيال رمز الطائفة السنية رفيق الحريري، وللمفارقة فهي الجهة إياها المتهمة اصلاً باغتيال الحريري وبرفض الإنصياع لقرارات المحكمة الدولية…وبعد هل من داعٍ لتذكير السيد حسن بأن المحرضّ الحقيقي والساعي للفتنة السنية الشيعية هو من يبرر لنظام بشار الأسد قتل الاف الشباّن السوريين الأحرار وتعذيبهم تحت ستار ما يُسمّى بالممانعة؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل