لم أكن أتمنى لرجل من طينة نجيب ميقاتي أن يكون رئيساً لحكومة قرارها ليس في يده.
لم أكن أتمنى لرجل بطموح نجيب ميقاتي أن يشكل حكومة في توقيت لم يحدده، وبشكل لا يعبّر عنه ولا يحقق تطلعاته.
لم أكن أتمنى لرجل بحجم نجيب ميقاتي أن يكون وجوده في الحكومة أضعف من أن يمنع ادراج بند في البيان الوزاري، أو حتى أن يحذف كلمة من بند آخر.
لم أكن أتمنى لمن ترأس أول حكومة بعد ثورة الأرز، أن يأتي بحكومة ستحاول، برضاه أم بغير رضاه، ضرب انجازات ثورة الأرز التي هي انجازات لكل لبنان.
لم أكن أتمنى لمن ترأس حكومة الانتقال من عهد الوصاية الى عهد السيادة، أن يكون رئيساً لحكومة العودة الى ما قبل 2005.
حق الرئيس ميقاتي ألا يكون اكتفى بالأشهر الثلاثة التي امضاها رئيساً للحكومة، ولكن كان من الأفضل له ألا يقبل بأن يرأس حكومة كهذه ولو لثلاث ثوان. إنها حكومة لا يمون فيها ولا عليها.
حكومة قرارها الفعلي في الشام
هناك العقل المدبر وفي لبنان… حزب الله أعلم.
دولة الرئيس،
أيها الزملاء،
كيف تعيد هذه الحكومة "الالفة بين اللبنانيين"، كما تدعي، وهي في حد ذاتها سبب للفرقة والخلاف بينهم؟
كيف تعيد هذه الحكومة "الثقة بين اللبنانيين"، كما تدعي في بيانها الوزاري، في حين أن لا شيء يوحي بالثقة، بل بسوء النوايا، في الكلمات المطاطة التي تضمنها البيان الوزاري، وخصوصاً في ما يتعلق بالمحكمة الدولية؟
كيف تعيد هذه الحكومة "التضامن بين اللبنانيين"، كما تدعي أيضاً، وهي تتحدى نصفهم على الأقل بمحاولتها التنصل من المحكمة الدولية؟
اننا نرفض اكتفاء البيان الوزاري باعلان "احترام" القرارات الدولية، لأن المطلوب تأكيد "الالتزام" بهذه القرارات، فـ"الاحترام" وحده، لا يلزم الحكومة بشيء.
من غير المقبول أن تكون الحكومة، بالنسبة الى المحكمة الدولية، في موقع "المراقب" فقط لا غير، تكتفي بأن "تتابع مسار المحكمة".
أما "حشر" كلمة "مبدئياً" في فقرة المحكمة الدولية، فالهدف منه "عملياً"، هو التشكيك سلفاً في قرارات المحكمة، والادعاء عند صدور أحكامها، بأنها لم تعمل على "احقاق الحق والعدالة".
لقد زرع البيان الوزاري "ألغاماً كلامية" في بند المحكمة الدولية، ونصب أفخاخاً للعدالة. فافتراض "التسييس" و"الانتقام"، كلمات مطاطة قابلة للتأويل، يستخدمها المتضررون عند الحاجة.
وتضمن البيان الوزاري مخرجاً لمن لا يريد التشكيك المباشر في قرارات المحكمة، وهو القول ان أحكامها "تنعكس سلبا على استقرار لبنان ووحدته وسلمه الاهلي"./
هذا اللعب على الكلام لعب بالنار، سيحرق أصابعكم واصابع لبنان.
لعبتكم مكشوفة، مفضوحة، معيبة، لا تنطلي علينا ولا على العالم.
المطلوب، هو أن تقولوا صراحة:
نحن ملتزمون بالمحكمة الدولية. نثق بها ونسلّم بأحكامها. سنتعاون معها وننفذ طلباتها.
تصرفوا بمسؤولية، وإلا… تحمّلوا المسؤولية:
الشعب اللبناني سيحاكمكم. ضمائركم ستدينكم. التاريخ سيحكم عليكم. ستثبتون التهمة على أنفسكم. ستؤكدون أنكم مذنبون. ستكونون شركاء في الجريمة. ستغتالون رفيق الحريري وشهداءنا مرة ثانية.
تصرفوا بمسؤولية، وإلا… اتركوا المسؤولية.
إن هذه الحكومة، مصابة بانفصام الشخصية، وهو ما نلمسه في أكثر من مكان من البيان الوزاري.
فهي "تؤكد عزمها على تعزيز علاقاتها مع الدول الصديقة والتجمعات والهيئات الدولية"، لكنها في الوقت نفسه، بصياعتها الانشائية الملتبسة لبند المحكمة الدولية، ومحاولاتها للتنصل من التزاماتها، تضع لبنان في مواجهة المجتمع الدولي، وتجعله من الدول المارقة.
ومن المفارقات أيضاً أن هذه الحكومة، تتعهد "انضمام لبنان الى المعاهدة الدولية لحماية الاشخاص من الاختفاء القسري"، لكنها في المقابل، تمهد بوضوح للتنصل من القرارات الدولية، ومن المحكمة التي تكفل حماية لبنان من كل أنواع الاختفاء القسري، خطفاً واغتيالاً.
والعجيب أن الحكومة تدعي في بيانها الوزاري أنها ستعمل على "تنمية ثقافة الحوار لدى اللبنانيين"، ولكن تنمية ثقافة الحوار لا تكون بنسف ما أقر بالاجماع على طاولة الحوار الوطني، وهو بند المحكمة الدولية، بل يبدأ بتطبيق هذا البند والالتزام بهذا الاجماع.
وبالمناسبة، يبدو أن الحكومة، في بيانها الوزاري، لا ترى من مقررات الحوار الوطني التي تقول انها معنية بتنفيذها سوى "انهاء وجود السلاح الفلسطيني خارج المخيمات ومعالجة الامن والسلاح داخلها". ونحن طبعاً نؤيد ذلك، ونذهب الى ابعد منه، اذ ندعو الى انهاء السلاح الفلسطيني داخل المخيمات وخارجها ايضاً، ولكننا نتساءل: لماذا الاستنساب، ولماذا يتناسى البيان الوزاري ان بند المحكمة اقر أيضاً بالاجماع في الحوار نفسه؟
دولة الرئيس،
ايها الزملاء،
ان انفصام الشخصية في هذه الحكومة يتبدى أيضاً في تأكيدها أن "لا بديل من سلطة الدولة ومرجعيتها في كل القضايا المرتبطة بالسياسة العامة للبلاد"، في حين أنها تناقض نفسها بتكريس معادلة "الشعب والجيش والمقاومة" التي كنت شخصياً، ومن الاساس، رافضاً لها.
ومن باب التذاكي أيضاً أن البيان الوزاري نص على أن "تعزيز السلم الاهلي ومنع اي عبث فيه" هي "مهمة تتولاها القوى الشرعية، ولا يشاركها فيها اي سلاح آخر"، ولكن، كما تلاحظون، لم يأت البيان على ذكر الدفاع عن لبنان ضمن المهام المحصورة بالقوى الشرعية، وترك المجال مفتوحاً أمام سلاح غير سلاحها الشرعي، لكي يشاركها في هذه المهمة.
على كل حال، آمل أن لا تكون قراءتي صحيحة، وان يكون حزب الله، بما انه هو أب هذه الحكومة وعرابها وولي أمرها، شاء منحها هدية، فقرر تسليم سلاحه الى الدولة قريبا، من دون الحاجة الى أي طاولة حوار، ومن دون أي تشنج وتجاذب.
لقد اشار البيان الى وجود "مناطق تكاد تتحول بؤراً أمنية مضطربة"، وربط وجودها بالحرمان، واعداً برفع هذا الحرمان عن هذه المناطق من خلال الانماء المتوازن.
إن معالجة وضع البؤر الأمنية أمر عظيم ومطلوب، ولكن المهم أن تشمل هذه المعالجة كل مصادر الاختلال الأمني، وكل سلاح خارج عن اطار الدولة.
إن الانماء المتوازن هو هدفنا جميعاً، وهو عنوان ليس جديداً، بل توجه كان الرئيس الشهيد رفيق الحريري سبّاقاً في انتهاجه. ولا شك في أن الحرمان والفقر، هو أحد اسباب الارهاب والاضطراب الأمني، لكنه حتماً ليس السبب الوحيد كما قد يوحي البيان الوزاري.
فالسبب الأبرز والأهم لوجود البؤر، ولأي وضع أمني شاذ آخر، هو المناخ السياسي المؤاتي، وهو اصرار البعض على حرمان الدولة من ممارسة سيادتها، وعلى حرمانها من حصر السلاح في أيدي قواها الشرعية.
دولة الرئيس،
زملائي،
لن نصدق حتماً أن هذه الحكومة ستلتزم "التضامن العربي بعيدا عن سياسة المحاور"، لأن ممارستها وهويات أعضائها تؤكد أنها، على العكس، تشكل اعتناقاً لمحور ضد آخر، ولأن المهللين الوحيدين لقيامها ينتمون الى هذا المحور بالذات.
وحتى في ما يتعلق بـ"التطورات التي شهدتها دول شقيقة برزت فيها ارادات مواطنيها في التغيير والتجدد والاصلاح"، بحسب توصيف البيان الوزاري، فان معظم أعضاء هذا الحكومة انتهجوا سياسة المحاور، وصنفوا هذه التطورات الى "ثورات" هنا و"مؤامرات" هناك، والى "خير" هنا و"شر" هناك، فوقفوا مع محور الشعب في الدول التي يعتبرونها من المحور المعادي، وايدوا محور السلطة في سوريا وايران، بدلاً من يتبنوا موقفاً مبدئياً، ينطلق من تأييد ارادات الشعوب، في أي مكان، وسعيها الى التحرر والتطور.
واذا كانت الحكومة، من دون أن تدري، تقر لـ14 آذار بالتطور الذي تحقق في العلاقات اللبنانية – السورية من خلال التمثيل الديبلوماسي بين البلدين، فان اللافت في البيان الوزاري أن الغموض الانشائي ينقلب الى وضوح تام في الأفكار عند الكلام عن العلاقات مع سوريا، ويتلاشى الانفصام ويغيب الازدواج ليحل محلهما برنامج صريح: العلاقات المميزة. ولا نعرف عن أي مفهوم للعلاقات المميزة يتحدثون، وهل ستكون مميزة الى درجة اعادة الوصاية السورية الى المعادلة السياسية اللبنانية، واعادة النفوذ السوري على الأمن في لبنان، والأرجح أن يتم ذلك بالطريقة التي كانت سائدة قبل 2005.
دولة الرئيس،
الزملاء النواب،
إن الحكومة تدعي انها تحرص على احترام حرية التعبير، ولكن حرية التعبير لا تبدأ بالطلب من وسائل الاعلام فرض رقابة ذاتية. وحرية التعبير والفكر لا تبدأ باخضاع الأعمال الثقافية للاعتبارات السياسية، ولتدخلات هذه الدولة وتلك، أو هذا السفير أو ذاك.
وقبل ان تلتزم هذه الحكومة "الخشنة"، العمل على تعزيز دور المرأة في الحياة العامة، فلتبدأ باشراكها فيها، ولتبدأ بتصحيح صورة المرأة لدى بعض أعضائها وباقناعهم بأنها ليست "لزقة".
إن التصريحات التي صدرت من بعض أطراف هذه الحكومة، أكدت أنها ليست فقط حكومة مواجهة القرار الاتهامي، بل هي حكومة آتية أيضاً لتنفذ "القرار الانتقامي".
ان طلائع هذه السياسة حملها البيان الوزاري الذي بين أيدينا اليوم، من خلال الفقرة المتعلقة بهيئة "اوجيرو"، ضمن بند قطاع الاتصالات. مع اضافة هذه الفقرة، أصبح لدينا اول بيان وزاري يقر الكيدية بطريقة رسمية وواضحة.
كيف تقبل، يا دولة الرئيس ميقاتي، بأن يذيل هذا البيان بتوقيعك؟
ثم ان التصويت على اضافة هذه العبارة، وعلى بند المحكمة الدولية، وقبلهما عملية تأليف الحكومة بهذا الشكل، اثبت ان قرار هذه الحكومة ليس في يدك.
فكيف ترضى، يا دولة الرئيس، أن تتحمل أمام التاريخ والشعب،/ مسؤولية ما ستقوم به حكومة،/ لا تملك فيها اي قدرة على التأثير في القرار؟
ان الثلث المعطّل الذي تحتفظ به، هو ثلث يصبح معطلاً عند القرارات المهمة.
دولة الرئيس،
زملائي الأعزّاء في الوطن؛
في الختام: كلمةٌ من صميم الإيمان وبعيداً جداً عن "حرفة" السياسة وسهام الخصومة والإختلاف في الرأي:
يا دولة الرئيس النجيب:
يا دولة الرئيس المؤمن…
وأنا على ثقة خالصة من أن دولة الرئيس ميقاتي، مؤمنٌ وملتزم بدينه كما في دنياه، وإيمانه بالإسلام القدوة والريادة… وهو من عائلةٍ عريقةٍ في الإيمان والتقوى…
يا دولة الرئيس…
دم الشهداء أمانةُ الأمانات؛
دم الشهيد عبءٌ وخلاص؛
دمُ الشهيد هو اختبار الإيمان واستحقاق النعم…
لا يجوز حتماً هدر دم الشهداء، ولو كان من باب حسن النوايا…
استصرخ إيمانك الصادق يا دولة الرئيس أن تتذكّر المقام الخالد والمقام الزمني:
أما المقام الخالد، فهو جنّة المؤمنين الجديرين بهذا المقام وبنعمة الإستحقاق؛ وهذا هو مقام الشهداء، والله يحنو على الشهيد ويحميه.
أما المقام الثاني، فهو زمنيٌّ بائد من عالم الفناء، لكنّه الطريق إلى المقام الأخير، فهو الأداء وحسن الإيمان واقتران القول بالفعل؛ هذا المقام يا دولة الرئيس، هو مقام رئاسة مجلس الوزراء، التي يُـكلّلُـها دم شهداء أبرار تولّوا هذا المنصب، وكل نقطة لا بل كل ذرة دماء سُـفِـحت على هذا المقام، رَسَّخت منعة هذا المنصب. وعليه، اسمح لنا أن نخاف على هذا المنصب وليس خوفنا منك على المقام، بل خوفنا على المقام… منك، لأنّك يا دولة الرئيس، وقبل طرح الثقة، وبظرف أيام معدودة، تعرّض هذا المقام مَـعَكُم، إلى خسارتين في الهيبة وفي الصلاحيّة…
لا ثقة دون إيمان…
لا ثقة دون ضمان حق الشهيد.
وعليه:
لا ثقة امنحها لهذه الحكومة…