دولةُ الرئيس ، الزملاء النواب،
نقفُ اليومَ أمامَ الشعّبِ اللبنانيّ بأسْره لنناقش بيان وزاري كان من المفترض ان يكون على قدر طموح اللبنانيين، ان يكون على قياس الارادة الشعبية التي عبَرت بصراحة عن خيارها السياسي في انتخابات 2009، ان يكون متناغماً مع ما تم الاتفاق عليه على طاولة الحوار فيما خص العدالة، ان يكون منسجماً مع الالتزامات المتلاحقة في البيانات الوزارية السابقة وفي خطاب القسم وفي وثيقة دار الفتوى، وان لا يكون سائراً في الاتجاه المعاكس لحركات الشعوب العربية التي سئمت لغة القمع والحديد.
نقفُ أمامَ الشعبِ اللبنانيِّ لنقولَ لهُ ماذا؟ هل لنقول له ان ارادتكم في بناء دولة المؤسسات اجهضها السلاح؟ ام لنقول له ان املكم بالعدالة ونور الحقيقة أطفأته كلمة "مبدئياً"؟ ام لنطلب منه ان ينسى شهداءه لأن معادلة العدالة والاستقرار استجدت على قاموسنا السياسي و"المسامح كريم"؟
دولةُ الرئيس ، الزملاء النواب،
بدون شك يا دولة الرئيس ان الجميع يتذكرّ استفاقة اللبنانيين على انتشار مسلح أسود حوّل فجر صباح اللبنانيين الى ليل قاتم بلون القمصان التي نزلوا بها… فصادر وهج السلاح مواقف… وحسم نتيجة الاستشارات النيابية بعد ان أسقط الحكومة… وابعد أشرف الشرفاء الى بلاد الغربة ليترك الساحة للعهر السياسي يحاضر بالعفة ومحاربة الفساد ضمن نهج تغييري ولكن غير اصلاحي. وجاء السلاح مدعوما من الخارج ليكمل المهمة في تشكيل الحكومة وصياغة البيان الوزاري بلعبة متقنة لأصول المواقف الحمالة الأوجه والعبارات المدافعة مبدئيا عن مبدأ العدالة والمجهضة فعليا لكل محاولة لاحقاق الحق.
في موضوع الاتصالات:
دولة الرئيس،
يبدو ان الحكومة لم تتعمد المراوغة في صياغة البيان الوزاري في الامور الكبرى فقط، كالالتزام في تطبيق القرارات الدولية، بل تعمدت المراوغة في صياغة جميع فقرات البيان الوزاري التي تتطلب الالتزام بتطبيق القوانين الصادرة عن المجلس النيابي الكريم. وليس ما ورد في الفقرة المتعلقة بقطاع الاتصالات من البيان الوزاري الا دليل حسيّ على نية الحكومة، الماثلة امامنا، على التحايل على القوانين والعودة بقطاع الاتصالات الى مراحل الانظمة الشمولية من خلال العمل على حصرية القرارات الادارية والتنظيمية والتشغلية والتجارية بيد وزير الاتصالات، وذلك بعد محاولة هذه الحكومة من خلال بيانها الوزاري الغاء دور واستقلالية الهيئات والمؤسسات العامة، هذا الدور الذي كرسته القوانين، لا سيما قانون الاتصالات رقم 431/2002 وقانون انشاء هيئة أوجيرو.
دولة الرئيس،
تقول الحكومة في بيانها ما حرفيته: " ستعمل الحكومة على السير بهيكلة قطاع الاتصالات من خلال وضع قواعد تنظيمه وفق القانون 431…". لكن يا دولة الرئيس، القانون رقم 431 لا ينص من قريب او بعيد على وضع قواعد تنظيم وهيكلة قطاع الاتصالات، بل ان تطبيق مواد القانون 431 يؤدي تلقائيا الى تنظيم القطاع من خلال تفعيل عمل الهيئة المنظمة للاتصالات وهيكلة القطاع من خلال استكمال انشاء شركة "ليبان تلكوم". فالقواعد التي ينص عليها القانون 431، وهي من صلاحيات الوزير، هي "قواعد عامة لتنظيم خدمات الاتصالات" (البند 1 من الفقرة أ من المادة 3)، فـ "خدمات الاتصالات" قد تم تعريفها بالقانون نفسه. فكيف تسمح لنفسها هذه الحكومة بتحوير نص قانوني صادر عن المجلس النيابي الكريم بهدف اعطاء صلاحيات للوزير خلافا للقانون.
دولة الرئيس،
ان ما ورد في البيان الوزاري يشّكل مخالفة صريحة لقانون الاتصالات رقم 431، فهذا البيان تجاهل كليا تحرير قطاع الاتصالات واستكمال انشاء شركة "ليبان تلكوم" واستكمال نقل الصلاحيات الى "الهيئة المنظمة". لا بل اكثر من ذلك، تقوم الحكومة ببيانها هذا بمحاولة الغاء قانون الاتصالات ومنح صلاحيات تنظيم القطاع وهيكلته الى وزير الاتصالات من خلال وضع ما يسمى بـ "قواعد تنظيم القطاع وهيكلته". فتنظيم قطاع الاتصالات وهيكلته هي من صلب القانون لاسيما لجهة انشاء "الهيئة المنظمة" و"شركة ليبان تلكوم" وانتقال الصلاحيات الى هذه المؤسسات. فالفارق كبير بين "وضع قواعد عامة لتنظيم الخدمات" وفقا للقانون من جهة، و"وضع قواعد تنظيم قطاع الاتصالات وهيكلته" وفقا للبيان الوزاري من جهة اخرى. بذلك يكون البيان الوزاري قد قام بالغاء قانون الاتصالات ووضع صلاحيات التنظيم والهيكلة في يد وزير الاتصالات. بالتالي يجب شطب المقطع الاول من الفقرة 33 من البيان الوزاري كليا كونها تناقض قانون الاتصالات رقم 431. المقطع المتوجب شطبه هو: " ستعمل الحكومة على السير بهيكلة قطاع الاتصالات من خلال وضع قواعد تنظيمه وفق القانون 431، بما يعزز إسهامه في نمو الاقتصاد ويوجه الاستثمارات العامة والتجارية الى المجالات الأكثر ملاءمة لخصوصيات السوق اللبنانية والاسواق العالمية، والتطورات التكنولوجية، بعيداً من منطق الريوع، وبما يرسم أدواراً مستقرة ومتوازنة لمختلف الاطراف المعنية ويظهر دوراً واضحاً ومجدياً للهيئة المنظمة للاتصالات وهيئة أوجيرو."
دولة الرئيس،
المطلوب من هذه الحكومة الالتزام بشكل واضح لا لبس فيه في تطبيق قانون الاتصالات للوصول الى تحرير القطاع من حصرية قرارات الوزير ونقل الصلاحيات وفقا للقانون الى الهيئة المنظمة للاتصالات واستكمال انشاء شركة "ليبان تلكوم"، وتطبيق قانون انشاء هيئة أوجيرو الذي يحدد بوضوح صلاحيات ومهام الهيئة ومدى وصاية وزير الاتصالات على الهيئة.
دولة الرئيس،
إن الإشارة في البيان الوزاري بشكل منفرد إلى هيئة أوجيرو، والقول بضرورة ضبط عملها وتنظيم أدائها (بمعزلٍ عن باقي المؤسسات والهيئات والإدارات العامة، ودون ذكر أي منها باستثناء أوجيرو) هو إشارة سلبية للعاملين في هذه الهيئة، وهو نتيجة للخلاف القائم بين هيئة أوجيرو والوزير السابق (نحاس)، وسوف يتم إستغلاله لتقويض هذه الهيئة ومحاصرتها، والإلتفاف على إستقلاليتها المعنوية والإدارية والمالية التي منحها اياها القانون. وإن مقولة "الجسم الواحد" للوزارة ولهيئة أوجيرو " تتعارض مع قانون إنشاء هيئة أوجيرو رقم 21/72 والمراسيم التطبيقية المرتبطة به التي تضمن إستقلالية هذه الهيئة وتجعل منها شخصية معنوية مستقلة. كما أن مقولة "ضرورة وضع قواعد جديدة لضبط عمل هيئة أوجيرو" توحي وكأن هذه الهيئة تعمل لغاية الأن دون ضوابط ودون أصول، وهذا ما هو منافٍ للحقيقة ويتعارض مع القرارات والمراسيم العديدة الصادرة من مجلس الوزراء منذ عام لغاية تاريخ اليوم والتي تنظم عمل الهيئة وتحدد مهامها ومسؤولياتها.
اضافة الى ذلك، ان الفقرة العائدة لقطاع الاتصالات في هذا البيان تتعارض بشكل فاضح مع الفقرة 28 من البيان نفسه (والمتعلقة بوزارة المالية). فالفقرة 28 تنص على "… تطوير المؤسسات العامة المنتجة وتشركة التجاري منها." وكون قطاع الاتصالات هو قطاع تجاري بامتياز وتشركة مؤسساته ينص عليها القانون 431 بوضوح لجهة انشاء شركة "ليبان تلكوم"، كيف لم يذكر البيان الوزاري استكمال الاجراءات اللازمة لانشاء "ليبان تلكوم"؟
دولة الرئيس،
لقد استلم مهام وزارة الاتصالات خلال الحكومتين السابقتين ولفترة ثلاث سنوات وزيرين ممثلين لتكتل نيابي واحد، والحكومة الحالية ايضا ضمت وزيرا للاتصالات يمثل نفس التكتل. ويتم اغداق الوعود بالاصلاح والتغيير. الا انه بعد الممارسة تبين ان عمل كل وزير من هؤلاء يناقض عمل زميله الذي سبقه. وعلى سبيل المثال لا الحصر، فعند تسليم الوزير جبران باسيل مهامه للوزير شربل نحاس استفاض الوزير باسيل ان اهم عمل قام به في وزارة الاتصالات هو وضع ونشر ورقة سياسة قطاع الاتصالات مشددا على ان هذه الورقة لا يجب تعديلها بشكل مستمر، ولدى تسليم الوزير جبران باسيل المهام لخلفه، قال الوزير باسيل: "… هذا الموضوع مهم لحسن سير العمل في قطاع الاتصالات. ولا يجوز اعتماد سياسات متغيرة، لان المستثمرين يحتاجون الى تطمينات على المدى الطويل. واهم ما في ورقة سياسة قطاع الاتصالات هو موضوع تحرير القطاع من كل القيود التي تعيق تطويره وصولا الى الخصخصة حيث يتوجب وجودها. لكننا نملك مفاهيم للخصخصة تؤمن مصلحة لبنان واقتصاده بمقوامات عدة، والمهم اعطاء فرصة لـ"ليبان تلكوم" كي تنطلق بمساحة مخصصة لها في السوق، لا ان تأتي بعد الخصخصة. هذا كنز وطني يجب الحفاظ عليه، اضافة الى انه يجب ان تكون الاولوية في الخصخصة الى اللبنانيين …" انتهى كلام الوزير باسيل. واستلم الوزير نحاس مهامه، وكان اول عمل قام به في وزارة الاتصالات هو الغاء ورقة سياسة القطاع التي نشرها سلفه، وسحب هذه الورقة من موقع الوزارة على شبكة الانترنت، وعمل الوزير نحاس بعكس مضمون هذه الورقة طيلة فترة مهامه في الوزارة. مما يطرح السؤال المشروع: اين الاصلاح والتغيير، هل هو في عمل الوزير جبران باسيل؟ ام هو في عمل الوزير شربل نحاس؟ وما هو موقف الوزير نقولا صحناوي من هذه الورقة؟ هل الوزير صحناوي يقف الى جانب الوزير باسيل في ورقته لسياسة قطاع الاتصالات، ام الى جانب الوزير نحاس لجهة الغاء هذه السياسة؟ لم يذكر البيان الوزاري شيئا عن هذا الموضوع الاساسي لقطاع الاتصالات.
فالسؤال الكبير المطروح والذي لم تتطرق الحكومة في بيانها للاجابة عنه، هو: اين هي ورقة سياسة قطاع الاتصالات؟
دولة الرئيس، زملائي الكرام…
فلنقم مبدئياً بجردة مبدئية على أحداث لبنان نميزّ فيها بين الحقيقة و"المبدئية"… "المبدئية" التي طغت على البيان الوزاري وأفقدت المحكمة الدولية رونقها وقتلت رفيق الحريري ووليد عيدو وباسل فليحان وجبران تويني وبيار الجميل وفرانسوا الحاج ووسام عيد وأنطوان غانم… قتلتهم مرتين وثلاث مرات…وثلاثمئة مرّة…
+مبدئيا، نجحوا بعد جهد جهيد وعلى عجل بصياغة البيان الوزاري حيث ضمنوه بعض الشطارات اللغوية …متناسين طوعاً أن الشرعية اللبنانية والشرعية الدولية توأمان لا يمكن تجزأتهما… ليبتكروا مفهوما جديدا خاصاً بقاموس حكومة جسر الشغور ترجموه "بمبدئيا"… تأمل رعاك الله.
+ مبدئياً البيان الوزري لا يتناقض ابداً مع خطاب القسم ومقررات طاولة الحوار والبيانات الوزارية السابقة ووثيقة دار الفتوى… وقوى الرابع عشر من آذار تحتكر السلطة وتعطّل المؤسسات… والاكثرية الجديدة لم تعطل الحوار ولم تقفل المجلس النيابي عام ونيّف… تأمل رعاك الله.
+ مبدئياً السلاح موجه الى العدو الاسرائيلي فقط لا غير والسلطات الامنية الرسمية ممسكة بزمام الأمور و 7 أيار كان يوماً مجيداً… ماذا يا دولة الرئيس ويا أيها الزملاء عن شهداء هذا اليوم وعن توجيه فوهات البنادق الى صدور اللبنانيين؟… تأمل رعاك الله.
+ مبدئياً الاستشارات النيابية كانت نزيهة وبعيدة عن كل تهديد وترهيب، واصحاب القمصان السود نزلوا الى الشوارع باكراً (مشكورين) لتنظيم السير وتوزيع الورود على المواطنين وليس كما قال احدهم لاقتحام بعض المؤسسات الامنية والقضائية… تأمل رعاك الله.
+ مبدئياً السلطة انتقلت سلمياً وبكل روح ديموقراطية وليس بانقلاب عسكري، وسعد الحريري تمرد وحيداً على مقولة "لو دامت لغيرك لما اتصلت اليك"… تأمل رعاك الله.
+ مبدئياً الحكومة سوف تعمل "كفريق واحد متضامن" و مبدئياً لم تشكل كلمة "مبدئياً" خلافاً اساسياً عند بت البيان الوزاري ليأتي قائد الاوركيسترا ليحسم الامر لصالح "مبدئياً"… تأمل رعاك الله.
+مبدئياً الوضع الاقتصادي على ما يرام، فالعجز الذي يسيطر على ميزان المدفوعات والتراجع المستمر في النمو وحركة الودائع المصرفية وحركة التسليفات والزيادة في العجز الاجمالي ناتج عن التطورات الاقتصادية العالمية وليس عن انقلاب مسلح افقد الثقة بلبنان… تأمل رعاك الله.
+مبدئياً، ستعمل الحكومة على تحسين دور المرأة في الادارات العامة… والحكومة تشكلت بدون عنصر نسائي واحد… تأمل يرعاك الله.
+ مبدئياً، يشبهون لبنان بطائر الفينيق… على اعتبار أنه مهما اشتدت الصعاب وارتفعت المطبات فهو يسقط جريحاً و ليس قتيلاً ليعود ويستعيدعافيته مجدداً ويحلّق عالياً…ولكننا نحذر هذه المرة من وقوع لبنان أسير وضحية الحكومة الانقلابية التي لن تسمح له باستعادة عافيته مجددا… ولا حتى بثلاثمئة سنة… تأمل رعاك الله.
ومبدئيا الكثير والكثير من المبدئيا…. ان أردنا الاسهاب في سردها لن ننته…
دولة الرئيس، زملائي النواب…
مبدئياً حكومتكم ستنال الثقة (ثقة وهميّة ومزورة ) ولكن قطعاً (وليس مبدئياً) سنحجب عنها الثقة… وبكل ثقة. ستجدون قبالتكم معارضة فعّالة ديمقراطية شرسة مصبوغة بلون الشهادة الشريفة ومخطوطة بعزيمة كل مسيحيّ قرأ القرآن وعزيمة كل مسلم استشهد بالسيد المسيح … أنهم بتشكيلهم مثل هذه الحكومة حولوا مرارة كأس الاستشهاد الى كرامة وعنفوان ووعد برّاق يطلقه كل شهيد يقدّم نفسه على مذبح الوطن…
فلا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر ولا بد أن تكون الحقيقة نقطة التحوّل بين وطن ينزف دماً ودموعاً على أبطاله الى وطن تلمع قطرات دم شهدائه حرية وسيادة واستقلالا وكلمة حرة قام لبنان على أساسها…
عشتم… عاشت دولة المؤسسات… عاش لبنان