ما هو "الهدف المرحليّ" لـ"قوى 14 آذار" في ضوء النداء الصادر عن مؤتمرها الخامس؟ إنّه إسقاط الحكومة الحالية.
كيف يسعها تحقيق هذا الهدف؟
السيد حسن نصر الله يقول إنّها لن تستطيع. العماد ميشال عون والرئيس نجيب ميقاتي يردّدان ذلك أيضاً.
والإستحالة التي يبرزها هذا الثلاثي لا تستند فقط إلى موازين القوى المختلّة عنفياً وأمنياً على الصعيد الداخلي بحكم احتكار "حزب الله" للسلاح. إنّها تستند أيضاً إلى المعادلة التالية: إمّا أن تسقط منظومة الممانعة برمّتها في المنطقة، انطلاقاً مما يجري في سوريا، وحينها يتحلّل فرع الممانعة في لبنان، وإمّا أن تنجح المنظومة في الإفلات من التاريخ، وإلى حينه ستبقى المؤسسات الدستورية اللبنانية أسيرة لـ"حزب الله" وميليشياته.
هل يعني ذلك أنّه على "قوى 14 آذار" الإكتفاء بإعاقة الخطوات العملية التي ستقوم بها حكومة "الغلاة" التي يقودها "وسطيّ" صار يتحدّث كما الغلاة، في حين تكون الأولوية لـ"الإنتظار" والتعويل على الحدث الثوريّ الإقليميّ؟ وهنا سؤال يُسأل: ماذا لو انتصرت خيارات شبيهة بخيارات 14 آذار في سوريا في حين استبدت خيارات 8 آذار بلبنان؟.
لا مجال إذاً للإكتفاء بثنائية صدّ الخطوات العملية لحكومة الإنقلاب في مقابل إنتظار التغيير الإقليميّ ونتائجه كمقدمة لازمة للتغيير على الصعيد الداخلي. فبالدرجة الأولى، بقاء هذه الحكومة بالذات أضحى قصّة حياة أو موت بالنسبة إلى "شاهنشاهية الممانعة" بباسدرانها وشبيحتها وعبدة السلاح عندنا. وكما أنّ هذه الشاهنشاهية مقتنعة بأنّه ستبقى هكذا حكومة في لبنان ما دامت منظومة الممانعة قائمة، فإنّها مقتنعة كذلك الأمر بأنّ سقوط هذه الحكومة سوف يطلق رصاصة الرحمة على منظومة الممانعة وسوف يعجّل بانتصار الحدث الثوريّ الإقليميّ.
والحال كذلك، صار يفترض بالحركة الإستقلالية الإختيار الجريء والحقيقي، ما بين الحل الإصلاحيّ والحلّ الثوريّ للمسألة اللبنانية. الحلّ الإصلاحي يقوم على معادلة أن الثورة الآن هي في مكان آخر (سوريا) ولا يحتاج لبنان إلى ثورة إضافية (بعد ثورة الأرز)، وإنّما إلى نضال تحصيني لما بقي من مكتسبات، ودفاعي عما بقي من مواقع، واستنزافي لما يمكن من سياسات كيدية. من هنا فإنّ الهدف المرحلي للحل الإصلاحي يصير محدوداً بـ"إسقاط الحكومة" الحالية.
أمّا الحل الثوري للمسألة اللبنانية فهو الذي يتنبّه إلى أنّ "حزب الله" قد استكمل من خلال حكومة الرئيس نجيب ميقاتي نصب "درعه الواقية"، أو ما يعتبره أنه كذلك، وهي درع تشمل ظواهر سياسية من مثل الرئيس نبيه برّي، والعماد ميشال عون، والرئيس نجيب ميقاتي، أما الزعيم وليد جنبلاط فيدرك "حزب الله" جيداً أنّه لا يمكنه أن يحتسبه في إطار هذه المنظومة، مهما كان القول والفعل، وأنّه يمكن على الأكثر، "إحاطته".
بالتالي، فإنّ الحل الثوري هو القادر على فتح معركتين سياسيتين في وقت واحد: معركة مع "الدرع الواقية" المتشكّلة أساساً من الثلاثي برّي عون ميقاتي، ومعركة مع "المتحصّن وراء الدرع" أي "حزب الله".
وهذا يعني وجوب إرفاق الهدف المرحلي القاضي بإسقاط الحكومة الحالية، بهدف مرحلي أساسي مواكب يتعلّق بـ"حزب الله".
ولتفادي الإطالة هنا، ينبغي الاستدراك بأنّ هذا الهدف لا يمكنه أن يكون "عزل حزب الله" ففي ذلك تجاوز للتركيبة الأهلية والسياسية اللبنانية. إنّما لا يمكن أن يكون الهدف أيضاً أقل من "عزل القيادة الحالية لحزب الله"، أي القيادة المسؤولة بشكل أساسي عمّا وصلنا إليه على أكثر من صعيد، سواء في ما يتعلّق بالقضايا التي تخصّ الحقيقة والعدالة، أم في ما يتعلّق بالعلاقات بين المجموعات اللبنانية، أم في ما يتعلّق بحضور لبنان ودوره في المنطقة والعالم.
ينبغي أن تكون الحركة الإستقلالية متجهزة من الآن فصاعداً للتعايش بشكل كامل مع واقع أن "حزب الله" هو الحالة الأكثرية داخل الطائفة الشيعية، إلا أنّه ينبغي أن تصير هذه الحركة متجهزة أكثر من أي وقت للقول ان لا تجاوز للأزمة الأهلية والسياسية إلا بتنحّي ليس فقط وزيرين من هذا الحزب، وإنّما كامل القيادة الحالية لهذا الحزب.
باختصار أيضاً، نظرية "العناصر غير المنضبطة" متهافتة حكماً. ونظرية "تذنيب جماعة" بأكملها ولو كانت هذه الجماعة ما دون الطائفة، أي حزب بأكمله، هي أيضاً ينبغي اعتبارها متهافتة. أما تحديد المشكلة بأنّها مع القيادة السياسية الأمنية الحالية، وأنّها مشكلة تتخطى مسألة المحكمة الدولية إلى مجموع المشكلات اللبنانية، فإنّه على الأقل تحديد يجعل الرؤية أوضح.
من هنا يبدأ الحل الثوريّ للأزمة.