موضوع المحكمة الخاصة بلبنان كان من أبرز القضايا التي ناقشتها قوى 14 آذار في جلسة الثقة للحكومة في المجلس النيابي، فهذه المحكمة التي أتت بعد نضال طويل قام به الشعب اللبناني دفاعاً عن الحرية ورفضاً للاغتيال السياسي، كانت من ابرز ما طرحته المعارضة في اليوم الأول من جلسات الثقة. الأبرز بداية أتى مع الكلمة التاريخية للنائب مروان حمادة والذي افتتح الجلسات في كلمة هادئة خارج إطار التشنج ولكنها تحمل تأكيداً على حق اللبنانيين جميعاً في حماية العدالة، حماية تطال الجميع من دون استثناء بما فيهم قادة قوى الثامن من آذار.
فعلاقة لبنان بالمحكمة والقرارات الدولية كما جاءت في البيان الوزاري حمّالة لأوجه عدة غامضة وعامة، ولكنها أيضاً لا تحمل تأكيد الانسجام مع المحكمة والقرارات الدولية، وخصوصاً في كلمات مثل مبدئية المحكمة، والتي تعني تهرباً من محاسبة المجرمين ووقف الجريمة السياسية في لبنان، ولذلك أتت مواقف المعارضة بوضوحها لمنع استخدام اسم الشرعية اللبنانية للقيام بمواجهة مع الشرعية الدولية نيابة عن دول إقليمية، وكذلك دفاعاً عن إرادة اللبنانيين التي تظهرت في صناديق الاقتراع والتي تم السطو عليها في مراحل عدة ابرزها أيام أصحاب القمصان السود.
كان اللافت منذ بداية كلمات نواب قوى الرابع عشر من آذار، أن هناك موقفاً حازماً يتصف بالهدوء والحكمة لبداية مواجهة سياسية مع الحكومة، وتم تظهير هذا التوجه بداية مع كلمة النائب مروان حمادة الشاملة للموقف السياسي لقوى 14 آذار، وكذلك موقف المتضررين من الاغتيال السياسي في لبنان.
إذاً، فتحت أبواب المجلس النيابي هذه المرة لمناقشة البيان الوزاري لحكومة "حزب الله" وحلفائه، تحضّر الفريقان كل على قراءته للظروف المحلية والإقليمية والدولية، إضافة إلى أبرز البنود التي لا يمكن تأجيلها أو التهرب منها، أي موضوع القرار الإتهامي الصادر عن المدعي العام في المحكمة الخاصة بلبنان.
نجح مروان حمادة في أول جلسة بتمرير موقف سياسي قاس جداً في مواجهة قوى الأكثرية الجديدة، ولكن من خلال خطاب هادئ وغير استفزازي، بدأه بالتوجه إلى رفاقه السابقين الموجودين في الحكومة بالقول "أسألهم أليس للعدالة مكانٌ اليوم حيال الشهداء الذين هم شهداؤكم، رؤساء كانوا أم زملاء أم رفاق أم مواطنين؟"، وتوجه أيضاً إلى قادة الأكثرية الجديدة منبهاً على التخلي عن المحكمة التي حمت قيادات قوى الثامن من آذار كما حمت كل الطاقم السياسي اللبناني.
نموذج كلام حمادة الهادئ كما يبدو لم يكن متوقعاً من قوى الثامن من آذار، ولكنه انسحب على كل خطابات نواب قوى 14 آذار الذين تحدثوا بعده، فهم حضروا إلى الجلسة متسلحين بإرادة جمهور كبير انتخبهم وانتخب غيرهم وسرقت اصواته تحت تهديد السلاح والقمصان السود، هذا الجمهور كما اتضح من الكلمات ينتظر من نوابه إظهار مسؤوليتهم الكبيرة في مواجهة الإنقلابيين.
نواب المجلس الذين تبدلت أحجام مشاركتهم خلال ساعات النهار لم يتفاجأوا بالخطاب الناري للنائب عن كتلة "الوفاء للمقاومة" علي عمار الذي استُفز من تميز خطاب نواب 14 آذار الهادئ والهادف، فحاول جرّهم إلى معارك جانبية معه، وكان لافتاً أن موقف عمار جاء من ضمن أجواء الاحتدام السياسي التي رافقت مؤتمر الأمين العام لـ "حزب الله" السيد حسن نصرالله، حيث رفع سقف الكلام الاتهامي وقال عن موضوع القمصان السود "إذا كان اللون الأسود مزعجاً إلى هذا الحدّ أفيدكم علماً بأن قلنسوة الأنبياء سوداء اللون ومن المستحب أن يكون اللباس باللون الأسود أيضًا لأنها تفضي إلى طهر العفة الانسانية". كما هاجم النائب مروان حمادة بطريقة أعادت التذكير بالمرحلة التي سبقت اتفاق الدوحة وإغلاق المجلس النيابي والخطابات النارية التي تميز بها عدد من سياسيي تلك المرحلة.
قوى 14 آذار ركزت خلال خطبها على عدد من النقاط كان أبرزها شرعية "حكومة ميقاتي" وموقفها من القرار الاتهامي للمحكمة الخاصة بلبنان وموضوع سلاح حزب الله، الذي قال عنه عضو كتلة "المستقبل" النائب عاطف مجدلاني إن "بعض الوطن يحتل الوطن بقوة السلاح وسيسقط هذا الإحتلال (..) فلا وألف لا لهذا السلاح".
أما النائب تمام سلام فقد حذر من تمديد الأزمة والانقسام الداخلي بعد هذا البيان الوزاري حيث اشار إلى أن "الإنقسام سيزيد من الشحن والنكايات في ممارسة السلطة، والأيام ستثبت ان تدوير الزوايا في البيان الوزاري لن يصمد داخل مجلس الوزراء أمام الإنقسام داخل الحكومة نفسها".
وحول شرعية حكومة ميقاتي كان ملفتاً ما قاله عضو كتلة "المستقبل" النائب هادي حبيش "إن النواب يأتون الى المجلس النيابي لا لمنح سلاحٍ ثقة مفقودة من شعب، ولا لمنح شرعية لسلطة مفروضة خارج اطر الشرعية، وطالما اننا في مجلس الشعب فللشعب نتوجه".
فالمعركة السياسية اليوم هي الدفاع عن نضال مئات آلاف اللبنانيين منذ اللحظة التي استشهد فيها الرئيس رفيق الحريري، وباقي الشهداء، وصولاً إلى الانتخابات النيابية في العامين 2005 و2009، وانشاء المحكمة في مواجهة تشريع الانقلابات في زمن تطير فيه حكومات الانقلاب في العالم العربي وتحضر مكانها إرادة المواطنين المطالبين بالحرية.
إذاً، هي معركة سياسية بامتياز بين من أصروا رغم كل الظروف على رفض جرّ لبنان باتجاه "حروب أهلية" وبين من يستعمل السلاح في كل الظروف متخلياً عن أي قيمة للوطن، معركة، قد تستمر المعركة السياسية فيها طويلاً من اجل إسقاط حكومة الانقلاب ديموقراطياً كعادة ابناء 14 آذار.
نواب المعارضة شددوا على أن المطلوب من ميقاتي التزام تنفيذ الخطوات العملية مع المحكمة بشكل يمنع تجدد الاغتيال السياسي، فيما ذهب بعض نواب الفريق الأكثري الى المطالبة بسحب القضاة اللبنانيين من المحكمة الخاصة بلبنان ووقف تمويلها، في توجه يؤكد تخوفات المعارضة من توجهات حكومة "حزب الله" وحلفائه.
موقف المعارضة من ميقاتي كان واضحاً من كلام عضو كتلة "المستقبل" النائب خالد زهرمان الذي ذكّر بموقف لميقاتي بأنه سيموّل المحكمة وسيدعمها، "ولكنه وعدنا قبل ذلك بالكثير ولكن تبين أن فريق حزب الله هو قائد الاوركسترا وهو المقرر وهو الذي يتحكم بمسار هذه الحكومة".