#dfp #adsense

حزب الله والمحكمة الدولية خطوة إلى الوراء‮!

حجم الخط

قد تبدو وكأنها «خطوة إلى الأمام» وهادئة ومطمئنة بعد خطاب السيد حسن نصر الله بالأمس، على الأقل هناك نقطة جامعة في معادلة «العدالة والاستقرار» تلك التي كان أول من «بشّر» بها كمعادلة النائب وليد جنبلاط بل هو صاحب براءة اختراعها عندما قال: علينا أن نتراجع في مطلب العدالة»!! الخطاب بدا في مفاصل كثيرة منه «خطوة إلى الوراء» خطاها أمين عام حزب الله في خطابه، وهي ليست الأولى بل سبقتها خطوات كثيرة منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في 14 شباط العام 2005.

ففي 16 آذار 2005 اقترح السيّد نصر الله «تشكيل لجنة تحقيق عربية يمكنها أن تستعين بخبراء دوليين»، لأنّ «لجنة التحقيق العربية المقترحة تبقى قادرة على الحدّ من مستوى الخرق الأميركي والإسرائيلي كما يحدث على صعيد لجان التحقيق الدولية(..)».. وفي 18 آذار 2005 ردّت النائب بهية الحريري مؤكدة رفضها لجنة عربية للتحقيق في الجريمة ومتمسكة: بـ»لجنة تحقيق دولية تكشف الحقيقة» وباستقالة رؤساء الأجهزة «كلهم»، مشددة على أن «دم الرئيس الشهيد لن يذهب هدراً».

بعدها قام السيّد بأول خطواته إلى الوراء وفي 19 آذار 2005 وهو اليوم الرابع والثلاثين على جريمة الاغتيال، أكد الأمين العام لـ»حزب الله» السيد حسن نصرالله أن طرحه للجنة تحقيق عربية كان مجرد فكرة «وهو يحترم مطلب عائلة الرئيس الشهيد»، كلّ هذا الرفض حتى للتحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الحريري منذ البداية يطرح علامة استفهام كبيرة نفهم في ضوئها كلّ «الطعن» الذي لا يُفاجئنا به الحزب في وجه إحقاق العدالة، خصوصاً وأن السيّد حسن نصرالله سبق وأقسم على مرأى من اللبنانيين والعالم «على الثأر لدماء عماد مغنية»، في وقت لا يطلب اللبنانيون أكثر من معرفة القتلة ومحاكمتهم.

بالأمس تحدّث السيّد حسن وأكد أنه «من الأمثلة التضليلية التي نعيشها اليوم في سياق الأزمة الأخيرة هي معادلة العدالة والاستقرار.. هنا نجد مغالطة كبيرة»، بالطبع هذه مغالطة كبيرة، رفضها الشعب اللبناني منذ بدأ يروّج لها النائب وليد جنبلاط فور انقلابه وعودته إلى حضن سورية وحزب الله، بل أكبر الأمثلة التضليلية التي تعرّض عبرها الشعب اللبناني لمحاولة غسيل دماغ هي تلك المعزوفة الفاشلة عن مساومة سعد الحريري ومقايضته المحكمة برئاسة الحكومة ويكفي أن يتذكّر اللبنانيّون تلك المرحلة عام 2010 ليكتشفوا من كان أبطال هذه الرواية التي لم تحظَ ورقتها بتوقيع واحد!!

وعندما يُعلن السيّد حسن نصرالله قائلاً: «أبدا،نحن في حزب الله لا نقايض بين العدالة والاستقرار، أن يتخلى الآخرون عن العدالة من أجل الاستقرار، أبدا، ولا نوافق على مقايضة من هذا النوع، والمقايضة من هذا النوع فيها شبه قبول بالاتهام، وهذا ما نرفضه أساساً، نحن نقول إنه يجب أن تحقق العدالة، والعدالة هي شرط الاستقرار، والاستقرار بلا عدالة هو استقرار هش، وهو أمن مزيف، وهذه هي القاعدة الحقيقية التي نؤمن بها»، واللبنانيون يوافقون السيّد حسن الرأي مئة في المئة، فهم أيضاً لن يقبلوا مقايضة استقرارهم أو أمنهم بالعدالة والمحكمة، ببساطة، لا أمن لأحد ما لم تتحقق العدالة، بل على العكس سيستشري القتل السياسي وغير السياسي في الناس، وسيتكرّس القتل والهروب من العقاب كـ «قيمة» مميتة في المجتمع اللبناني!!

ولكن، ما لا نفهمه ولا تقرّه عقولنا أن نستمع إلى شخص يصف قاضي المحكمة أنطونيو كاسيزي بأنه صديق لإسرائيل وأن نبني على هذه الجملة كلّ هذه الاتهامات الضعيفة، حتى نقتنع، على السيّد أن يفسّر لنا في ضوء هذه المعادلة الكلام الذي صدر عن نائب الرئيس الإيراني وصهره اسفنديار رحيم مشائي عام 2008 الذي أعلن فيه «إن الشعب الإيراني صديق لإسرائيل»!!

وبالأمس تحدّث السيّد حسن عن «الظلم الثاني أن هناك مقتولاً وشهيداً يراد أن يقال إن إسرائيل لا يمكن أن تقتله وهي ليست متورطة في قتله، وهي إهانة له»، والمفارقة يا سيّد حسن أن إسرائيل لم تعلن يوماً اعتراضها أو رفضها للجنة تحقيق دولية ولا محكمة دولية من أجل لبنان وشهدائه على عكس اعتراض ورفض سورية وحزب الله، فمساء الخميس 24 آذار 2005 أعلن سفير سورية لدى الأمم المتحدة فيصل مقداد إن «أحزاب المعارضة اللبنانية يجب التحقيق معها» ورفض انتقادات لجنة التقصي لسورية. وأوضح للصحافيين أن «التحقيق يجب أن يجريه أولئك المسؤولون عن مثل هذا الأمر في لبنان»، ويوم الاثنين 28 آذار نفى مصدر حكومي سوري في تصريح لوكالة «رويترز» أن تكون بلاده ترى أن: «لا حاجة إلى تحقيق دولي» في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

»يا سيّد حسن» طوال عقدين من الزمن حفظ لك اللبنانيون بكلّ طوائفهم مكانة خاصة أرقى بكثير من الخوض في وحول السياسة، ونتمنّى من كلّ قلوبنا لو تستعيد تلك الصورة التي تهشّمت بفعل أخطاء كبيرة ارتكبت بحق اللبنانيين، واللبنانيون لا يطلبون ثأراً ولا قصاصاً بالمثل على الأقل، مع أن في القصاص حياة لأولي الألباب، ولكن اللبنانيين لن يقبلوا أيضاً أن يفرّطوا بدماء كلّ الشهداء، ولن يقبلوا إلا بالمحكمة فإصرار هذا الشعب هو الذي أتى بالتحقيق الدولي وبالمحكمة، فللذكرى فقط في غضون أيام قليلة كان قد بلغ في 29 آذار 2005 عدد الموقّعين على العريضة التي تطالب بلجنة تحقيق دولية أكثر من 500 ألف مواطن لبناني، ونحن منهم، وسنبقى كذلك .

المصدر:
الشرق

خبر عاجل