المعادالة الواضحة التي طرحها الرئيس فؤاد السنيورة في نهاية اجتماع البريستول والتي تقضي إما التزام الحكومة ورئيسها بالقرار 1757 او الرحيل، تبدو للوهلة الاولى عادلة وواقعية لأنها تدرأ عن لبنان الكثير من الشرور وتسمح بتولي السلطة من طرف يمكن ان يتوصل الى تلك الخلطة السحرية الجامعة بين العدالة والاستقرار. لكن وبالإذن من الرئيس السنيورة، صاحب الحنكة السياسية والعبقرية المالية، وبالإذن ايضا من قوى "14 آذار" التي كان السنيورة ينطق باسمها، ثمة رأي آخر.
المطالبة بالرحيل يجب الا توجه الى ميقاتي، بل الى حسن نصر الله الذي خرج متغطرسا متعاليا على الدولة متباهيا بمنطق قطّاع الطرق. في البداية والنهاية ظلم نجيب ميقاتي نفسه وخسر الكثير من رصيده الشعبي وهو يدرك انه وصل الى حيث لا عودة وليس في استطاعته ان يخرج من هذا المأزق، وهو ليس في موقع يتيح له اتخاذ قرار الرحيل. والمثل الشعبي المصري القائل إن دخول الحمام ليس كالخروج منه خير ما يعبّر عن حال الرجل.
الرحيل عن لبنان كان مصير كل من حاول الاتيان بافكار لا تتطابق مع رغبة اللبنانيين الاحرار الذين يعرفون ان لبنان هو للتعايش وليس لفرض الرغبات بالقوة وبالهيمنة وبمنطق "دق راسك بالحيط" في وجه الخصم.
من يباهي بانتمائه الى جيش الولي الفقيه لا مكان له في لبنان، ومن يتعاطى مع القانون بصيغة أن تطبيقه مستحيل لا مكان له هنا، وعندما يشهر السلاح في وجه اللبنانيين في زمن السلم لا مكان له هنا ايضا.
إن اللبنانيين المعتدلين لا يقبلون بمثل هذا المنطق وغاب عن بال زعيم ميليشيا "حزب الله" ان حكومة متشددين من "14 آذار" تستطيع ان تفعل أكثر مما يتصور لو امتلكت ذهنية العصابات التي يحكم هو بها.
أكثر المتشددين في "14 آذار"، ومنهم كاتب هذه السطور، لا يرغبون في التعاطي مع اللبنانيين الآخرين بذهنية الغالب بل بصيغة الشراكة التي يرفضها نصرالله لأنه يريدها طبقا لقواعده وبحيث يكون هو المقرر الوحيد.
التعاطي مع اللبنانيين باستخفاف وبتزوير وقائع ومستندات يمكن ان ينجح مع بعض جمهور "حزب الله" لكنه لا ينفع مع شريحة واسعة من المثقفين والمتنورين، وبالتالي يتوجب على نصر الله المسارعة لمراجعة اسلوبه إذا ما أراد موقعا وسط اللبنانيين الآخرين بالتساوي معهم.
أما إذا أراد مواجهة الجميع واستعداء القانون والتمسك بعصابته وميلشياته وبحكم الزعران وفلسفة البلطجة وممارسات التشبيح وإعلاء راية الفجور والعهر السياسي، فهذا يمكن ان يستمر زمنا لكنه لا شك في النهاية راحل، وأقصر الطريق الى تلك النهاية هي ان يبادر نصرالله ويسمع النصيحة فيرحل من لبنان.