الخميس الرّابع من زمن العنصرة
قراءةٌ منَ القدِّيسِ توما الأَكوينيّ (+1274) سرُّ الإِفخارستيَّا (عيد جسد الرَّبّ)
إِنَّ ٱبنَ اللهِ الوَحيد، إِذا أَرادَ أَنْ يشركنَا في لاهوتِهِ، أَخذَ طبيعتَنا، لكي يؤَلِّهَ البشَر.
فإِنَّ ما أَخذَهُ منَّا أَعطاناهُ بجملتِهِ لأَجلِ خلاصِنا. لقد قدَّمَ ذاتَهُ على مذبحِ الصَّليبِ محرقةً للهِ الآب، ليصلحَ بيننا وبينَهُ. وأَراقَ دمَهُ لكي يكونَ فديَتَنا ومعموديَّتَنا معًا.
وإِنَّا لمشترونَ منْ عبوديَّةٍ مذلَّة، نتبرَّرُ منْ جميعِ آثامِنا. ولكي نحتفظَ على الدَّوامِ بذكرى نعمةٍ كبرى، تركَ للمؤمنينَ جسدَهُ مأْكلًا ودمَهُ مشربًا في أَعراضِ الخبزِ والخمر. وليمةٌ غاليةٌ مدهشة، ملؤُهَا عذوبَة، تمنحُ الخلاص، وهلْ أَثمنُ من هٰذهِ الوليمة، يقدَّمُ لنا فيها، لا كما في القديمَة، لحمُ العجولِ والتُّيوس، بلْ لحمُ المسيحِ الإِلٰهِ الحقّ. فهلْ أَروعُ منْ هٰذا السِّرِّ؟
ما منْ سرٍّ يحقِّقُ مفاعيلَ الخلاصِ أَفضلُ منْ هٰذا السِّرِّ. فهو يمحو الخطايا، يخصبُ الفضائِل، ويغمرُ النَّفسَ بوفرٍ منَ المواهبِ الرُّوحيَّة.
يُقدَّمُ في الكنيسةِ عنِ الأَحياءِ والأَموات، لكي يُفيدَ الجميع. وقدْ جُعلَ لخلاصِ الجميع. خلاصَةُ القول: لا أَحدَ يستطيعُ التَّعبيرَ عنْ حلاوةِ هٰذا السِّرِّ، إِذ نتذوَّقُ الحلاوةَ الرُّوحيَّةَ في ينبوعِها. ونحتفلُ فيهِ بذكرى الحبِّ اللَّامحدود، وقدْ عبَّرَ عنهُ المسيحُ في آلامِهِ.
لقدْ أَرادَ أَنْ يحفُرَ مدى الحُبّش على أَبعدِ عمقٍ في قلوبِ المؤمنين. لذا أَسَّسَ في العشاءِ الأَخير، بعدَ أَنْ ٱحتفلَ وتلاميذَهُ بٱلفصح، وكانَ مزمعًا أَنْ يصيرَ منَ العالمِ إِلى الآب، أَسَّس ذٰلكَ السِّرِّ، كتذكارٍ دائمٍ لآلامِهِ، وهو تمامُ الرُّموزِ القديمة، وأَكبَرُ معجزاتِهِ كافَّة، تاركًا هٰذا السِّرَّ قوَّةً لا شبيهَ لها، لمنْ سيملأُهُمْ غيابُهُ كآبةً!
الرّسالة: رسل 8: 9، 13ب-25
9 وكانَ من قبلُ في المدينةِ رجلٌ ٱسمهُ سيمون، يمارسُ السّحر، ويُدهشُ أهلَ السّامرة، ويدّعي أنّه رجلٌ عظيم.
13 وسيمونُ نفسهُ آمنَ أيضًا، فٱعتمدَ وصارَ ملازمًا لفيلبّس، وكانَ يرى ما يجري من آياتٍ عظيمةٍ وأعمالٍ قديرةٍ فتأخذهُ الدّهشة.
بطرس ويوحنّا في السّامرة
14 وسمعَ الرّسلُ الذينَ في أورشليمَ أنّ أهلَ السّامرةِ قد قبلوا كلمةَ الله، فأرسلوا إليهم بطرسَ ويوحنّا.
15 فٱنحدرا وصلّيا من أجلهم لينالوا الرّوحَ القدس،
16 لأنّ الرّوحَ لم يكن بعدُ قد نزلَ على أحدٍ منهم، وإنّما كانوا قد ٱعتمدوا فقط بٱسمِ الرّبّ يسوع.
17 حينئذٍ أخذَ بطرسُ ويوحنّا يضعانِ الأيدي عليهم فينالونَ الرّوحَ القدس.
18 ورأى سيمونُ أنّ الرّوحَ يوهبُ بوضعِ أيدي الرّسولين، فقدّمَ لهما مالًا،
19 وقالَ: "أعطياني أنا أيضًا هٰذا السّلطان، حتّى ينالَ الرّوحَ القدسَ من أضعُ عليهِ يديَّ!".
20 فقالَ لهُ بطرس: "فلتذهبْ فضّتكَ معكَ إلى الهلاك! فقد ظننتَ أنّك تقتني عطيّةَ الله بالمال!
21 فلا نصيبَ لكَ في الأمرِ ولا ميراث، لأنّ قلبكَ غيرُ مستقيمٍ أمامَ الله!
22 فتُبْ عن شرّكَ هٰذا، واسألِ الرّبّ عساهُ يغفرُ لكَ ما راودَ قلبك!
23 فإنّي أراكَ في مرارةٍ العلقمِ وقيودِ الآثام!".
24 فأجابَ سيمونُ وقال: "إسألا أنتما الرّبّ من أجلي لئلّا يُصيبني شيءٌ ممّا قلتما".
25 أمّا هما فبعدَ أن شهدا وناديا بكلمةِ الرّبّ، عادا إلى أورشليم وهما يبشّرانِ في قرًى كثيرةٍ للسّامريّين.
شرح آيات الرّسالة:
9 رسل 5/36.
14 رسل 11/1، 22؛ 17/11.
17 رسل 19/6.
بطرس ويوحنّا: بٱسم كنيسة أُورشليم الأمّ طبع بطرس ويوحنّا بشارةَ فيلبّس في السّامرة بطابع كنسيّ رسوليّ رسميّ، كما فعل برنابا في كنيسة أنطاكية (11/22)، فوحّدا كنيسة أورشليم وكنيسة السّامرة: الرّوح القدس نفسه حلّ على الرّسل في أورشليم وحلّ على السّامريّين المعمَّدين.
20 آش 55/1؛ متّى 10/8.
أنّك تقتني عطيّة الله بالمال: حاول سيمون شراء الرّوح القدس بمال، ومنه أتت لفظة "سِيمُونيَّة"، في العصور الوسطى، أي المتاجرة بالمقدَّسات.
21 رسل 26/18؛ تث 12/12؛ 14/29؛ مز 78/37.
23 تث 29/18؛ مرا 3/15 (في النّصّ السّبعينيّ؛ إر 4/18؛ آش 58/6؛ مثل 5/22.
24 خر 8/4 (8)، 24 (30)؛ 9/28.
يضيف التّقليد الغربيّ "وما لبث أن بكى بكاء غزيرًا".
الإنجيل
متّى 18: 15-20
في الإصلاح الأخويّ
15 وإن خَطئَ إليكَ أخوكَ، فٱذهب وعاتبهُ بينكَ وبينهُ على ٱنفراد. فإن سَمِعَ لكَ ربحتَ أخاك.
16 وإن لم يسمع فخُذْ معكَ أيضًا واحدًا أو ٱثنين، لكي تثبُت كلُّ كلمةٍ بشهادة ٱثنين أو ثلاثة.
17 وإن لم يسمع لهما، فقُلْ للكنيسة. وإن لم يسمع للكنيسة أيضًا، فليكُن عندكَ كالوثنيّ والعشّار.
18 ألحقَّ أقول لكم: كلُّ ما تربطونهُ على الأرض يكونُ مربوطًا في السَّماء، وكلُّ ما تحلّونَهُ على الأرض يكونُ محلولاً في السّماء.
صلاة الجماعة
19 وأيضًا أقول لكم: إن ٱتّفقَ ٱثنان منكم على الأرض في كلّ شيءٍ يطلُبانِهِ، فإنّهُ يكون لهما من لَدُنِ أبي الذّي في السَّماوت.
20 فحيثُما ٱجتمعَ ٱثنان أو ثلاثةٌ بٱسمي، فهُناكَ أكونُ في وسَطِهِم".
شرح آيات الإنجيل:
15 لو 17/3؛ غل 6/1؛ 2 تس 3/14-15؛ يع 5/19-20؛ 2 طيم 2/25؛ أح 19/17؛ حز 33/7-9.
إذا خطىء إليك أخوك: تضيف مخطوطات: "إذا خطىء إليك أخوك"، وأهمال "إليك" أولى. المقصود الخطأ العلنيّ الفادح في حقّ أيّ كان. أمّا في الآية 21 فالوضع مختلف. الآيات (15-17) تلطّف من قساوة بعض المسيحيّين الأوائل في معاملة الخطأة.
ربحت أخاك: الفعل "ربح" مستعمل في (16/26؛ 25/16)، وفي (1 قور 9/19-22)، وهو لا يعني ربح الأخ للإيمان، ولا ربحه كصديق، بل الحؤول دون فصله عن الجماعة أو ٱنفصاله عنها.
16 تث 17/6؛ 19/15؛ عد 35/30؛ يو 8/17-18؛ 2 قور 13/1؛ 1 طيم 5/19.
17 روم 16/17؛ 1 قور 5/11.
الكنيسة: أُعطى سلطان الحلّ والرّبط لبطرس (16/19)، وللرّسل مجتمعين (18/18). والكنيسة هي جماعة المؤمنين المتّحدين ببطرس والرّسل وخلفائهم. راجع شرح متّى 16/18.
وثنيّ وعشّار: يُستعان، في إصلاح الأخوة، بواحد، أو بٱثنين، أو بالجماعة كلّها. تفرض التّوراة (أح 19/17-18) عتاب الأخ المذنب بالطّريقة نفسها، وكذٰلك قانون جماعة قمران. وإذا لو يَتُب الأخ المذنب يُفصَل عن الجماعة، ويُحرم من شركتها (1 قور 5/9-13؛ 2 تس 3/6، 14).
1 متّى 16/19؛ يو 20/23.
19 متّى 7/7؛ 21/22؛ مر 11/24؛ يو 15/7، 16؛ 16/23؛ يع 1/5؛ 1 يو 3/22؛ 5/14-15).
إن ٱتّفق ٱثنان: كلّ صلاة تنفذ إلى قلب الله، والصّلاة المشتركة أنفذ.
يكون لهما من لدن أبي: حرفيًّا: سيكون لهما من قبل أبي".
21 متّى 28/20؛ يو 14/23.
أكون وسطهم: الرّبّ يسوع أشدّ حضورا في الصّلاة الطّقسية المشتركة، والله أكثر ٱستجابة للمصلّين معا (يو14/13-17). كان علماء التّوراة يعتقدون أنّ الله يحضر بينهم عندما يقومون بدرس التّوراة، أو يصلّون معا. ليس في كلام يسوع أيّ تشجيع للجماعات المنفصلة على ٱنفصالها، بل هو تبرير ﮕستقلال الجماعات الصّغرى، على أن تبقى متّحدة بالكنيسة الجامعة.
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع القراءة: (صلاة الشّحيمة الزّمن العاديّ جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1982).
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللّاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلّاح بكرم الرّبّ.