أذكر ذاك اليوم العنيف. انفجار هزّ بيروت. 1 تشرين الاول 2004 ذعرنا. لم نستوعب ما يجري. كنا بدأنا ننسى هذه النغمة. كان الاحتلال السوري يظن اننا بدأنا نتخدّر في الذل. قالوا انفجار في منطقة الحمرا. بسرعة استعرضنا ما لنا هناك من أحباء. لم يخطر ببالي الا صحيفة "النهار"، مع انها عمليا بعيدة عن مكان التفجير، بعدما كانت انتقلت الى المبنى الجديد في وسط بيروت. لكن الخوف يمحو منطق المنطق. صحيفة "النهار" يعني نبيل أخي. يعني جبران التويني يعني عصب الحرية ومنبرها. لم نستوعب. وصل الخبر الاول. مات مروان حماده. السيارة المحترقة تماما في عين المريسة، لم تكن توحي بامكان خروج أحياء من بين سوادها. غرقنا في الحزن العميق، وبغضب أذكر انه كان كفيلا لتفجير امّة بحد ذاتها.
لم أكن أعرف الرجل شخصيا، كنت اتابعه والاحق تصريحاته من بعيد، وأعرف القليل الجميل عنه مما كان يخبرني أخي، كونه صديقه الشخصي، اضافة لما له في صحيفة "النهار". قد أنسى الكثير من تفاصيل ذاك اليوم البشع، لكن لا أنسى الزائر السياسي الاول، غير اللبناني، الى مستشفى الجامعة الاميركية "للاطمئنان" على من أطلقت عليه لاحقا تلك التسمية غير المحببة، "الشهيد الحي". عبد الحليم خدام. شخصيا بكل ما كان يمثله من سطوة الاحتلال وعنجهيته، وفجأة علت أصوات ما كنا لنحلم بها انذاك، أصوات صادرة من منطقة كانت محسوبة على غير خطّنا السياسي، أي الغالبية المسلمة، أصوات شتمت الخدام وما يمثله. بالغريزة قبل التحليل عرف الناس من تربّص بحمادة. وفي هذا الوقت كنا علمنا ان حماده بخير، لكنه سيخضع للكثير من العمليات الجراحية… وما زال حتى الان. يومها قال الرجل كلمته في النظام السوري.
بالامس في البرلمان قال كلمته القاطعة في من لا يزال رهينة هذا النظام. في من يحارب المحكمة الدولية، وفي رجال يحملون صفة الرجال، فقط لانهم يحملون السلاح. كلمات وقعت عاصفة، على مقاعد اشتاقت للديمقراطية، اشتاقت لمن ينطق فعلا بلسان الشعب، بعدما تحولت الى مساكن للعناكب بسبب الهجران، وبعدما حجز على مفاتيحها من حجز مكانه هناك لاكثر من تسعة عشر عاما.
قال مروان حماده كل شيء في جلسة الثقة. كل الحروف وقعت خنجرا، في صدر الكذب المترامي في أرجاء القاعة التي جددت شبابها، ولم تجدد بعد دورها الفعلي في اعلاء شأن صوت الناس. قال المروان كل ما يريده الشعب الحر أن يقوله. بدماثة، بهدوء، بحزم، بصوت حر،ّ وجّه رسائله الموجعة. عبر الموت مرة وعبرت به الحياة الى الممر الامن، فما عاد يخشى الا ربه. ليس لان ليس لديه ما يخسره، لديه الكثير الكثير، ويعرف انه ما زال في دائرة الخطر، لكن صوت الشهداء، صرخ فيه.
أهرق بمرارة بالغة بليغة عميقة حتى الجرح، أهرق كل أسفه على زملاء وأصدقاء، تخلوا عن أنفسهم، حين جيّروا وطنيتهم شيكات من دون رصيد، لحكم القوي بالسلاح. وقف الرجل هامة لم تهزّها الانتماءات الطائفية، وبقي صخرة في ثوار الارز، في وقت تحطّم اصدقاء له على هذه الصخرة، بعدما غيروا الدرب، وسلكوا دربا ظنّوا انها الحرير واذ بها تزدحم بالعوسج.
سهام مع الاسف وجهها الرجل بأرستقراطية نادرة. من قال ان الارستقراطية هي صفة ناس المجتمع. في السياسة أيضا أرستقراطية الطروحات والافكار والمواجهة أيضا. بأسف الحزين على بلاده، خاطب رئيس الحكومة، ولم يتوان عن الطلب اليه بالرحيل، ما لم يسترجع كرامة رجل الدولة الرجل. بأسف مرير خاطب صديق عمره كي يعود الى أصالة الدم والا ينكر دماء الشهداء…
أسَفُ الرجل دُوِن في محضر مجلس النواب كخطاب نائب، وفي محاضر الوطن، دُوِن الخطاب رسالة تأنيب وادانة مباشرة، لكل مرتهن ولكل عميل ولكل كاذب وفاسد وارهابي، جعل من وطنه دمية تتقاذفها رياح الغرباء وان كانوا لبنانيين.
بكل احترام الى مروان حماده.
