#adsense

مناقشات البيان الوزاري أكّدت عمق الإنقسام الداخلي…”اللواء”: المعارضة التزمت الموضوعية والأكثرية جنحت نحو التصعيد

حجم الخط

كتب د.عامر مشموشي في صحيفة "النهار": إزدحام المواقف التصعيدية، والتطورات الدراماتيكية التي حفل بها الأسبوع الماضي، بعد صدور القرار الاتهامي للمدعي العام بيلمار عن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، متضمناً اتهام أربعة عناصر من حزب الله أبرزهم القيادي مصطفى بدر الدين، ومذكرات توقيف سلّمت الى مدعي عام التمييز القاضي سعيد ميرزا من جهة ثانية، وإقرار البيان الوزاري لحكومة نجيب ميقاتي متضمناً أيضاً نصاً يتعلق بالمحكمة الدولية اعتبره فريق الرابع عشر من آذار والمعارضة الجديدة تنكّراً للمحكمة وانقلاباً عليها يمهّد لاحقاً حسب رؤيتها له وقراءتها للنص الوارد في البيان ولا سيما منه النص الذي يعترف فيه البيان الوزاري بمبدئية المحكمة ومتابعة أعمالها، إن هذا الازدحام، أعطى صورة قاتمة عن الأجواء التي ستشهدها الجلسات النيابية التي دعا إليها رئيس المجلس لمناقشة البيان الوزاري، وذهبت بعض التحليلات الى حد توقع حصول صدامات واشتباكات بالأيدي وما شابه بين نواب المعارضة ونواب الأكثرية الجديدة، مستندين في ذلك الى البيان الناري الذي صدر عن قوى الرابع عشر من آذار عشية انعقاد الجلسة الأولى لمجلس النواب والذي لم يقتصر فقط على شن أعنف حملة على سلاح حزب الله منذ اندلاع الصراع بين الاثنين، وعلى الحكومة التي اعتبروها صناعة سورية بمشاركة الحزب، بل تجاوزوا هذه الحملة الى دعوة الرئيس نجيب ميقاتي إلى الرحيل مستلهمين في ذلك شعار المرحلة الذي رفعته الشعوب العربية في وجه حكامها من تونس الى مصر، فليبيا، فاليمن وسوريا ودول عربية أخرى وهو "إرحل" بمعنى أن الشعب يريد تغيير النظام.

وكان واضحاً عشية انعقاد الجلسة النيابية الأولى أن المجلس سيخوض بفريقيه معركة كسر عظم أو كما قال البعض معركة فاصلة لن تبقى محصورة داخل قاعة الاجتماعات في مبنى المجلس النيابي في ساحة النجمة بل ستتوسع وتتجاوز هذه القاعة إلى الساحات العامة امتداداً من العاصمة إلى كل المناطق اللبنانية، خصوصاً وأن الأجواء المتشنجة على الصعيد الشعبي، بلغ ذروته وتحوّل إلى برميل بارود قابل للانفجار إذا ما اقتربت النار من الفتيل.

وإذا كانت كل النظريات قد أجمعت على أن الشعب هو دائماً يشكل المادة الملتهبة للانفجار وأن القيادات السياسية تشكل فتيل البارود الذي إذا اشتعل اشتعلت معه المادة، فإن الشعور العام داخلياً وإقليمياً ودولياً الذي كان سائداً عشية موعد انعقاد جلسة المناقشة العامة يشي بأن لبنان بات على حافة الانفجار، خصوصاً وأن كل الأسباب أصبحت متوفرة لحصوله، سواء ما يتعلق منها بالمحكمة الدولية والعدالة، والقرار الاتهامي وما أعلنه الأمين العام لحزب الله في هذا الخصوص، وسواء بالنسبة إلى سلاح الحزب، وتشكيل حكومة اللون الواحد، وسواء في ما يتعلق بالأرضية التي أصبحت كلها مهيّأة للانزلاق في الفتنة.

وتعزز شروط وظروف ولادة حكومة نجيب ميقاتي هذه الصورة للمشهد القاتم عشية بدء جلسات المناقشة، فالرئيس ميقاتي كُلّف ضمن سياق انقلاب كامل على المرحلة السابقة بقيادة حزب الله، وكان عنوان ذلك الانقلاب كما هو معروف الانتهاء من المحكمة الدولية وكل مندرجاتها ومن هيئة الحوار الوطني التي أقرّتها في آول اجتماع لها في العام 2006، وكان المطلوب تشكيل حكومة على قياس حزب الله الذي قاد هذا الانقلاب، وأضفى عليه دستورية من خلال القمصان السود والترهيب بالفتنة المذهبية برنامجاً وتركيبة، لكن هذا الانقلاب لم يستكمل في الظاهر بوجود قوى وسطية التحقت كما سبق بالأكثرية الجديدة على خلفية التمسك بالقواسم المشتركة بين القوى السياسية، ونزع فتائل التوتير السياسي والأمني من جهة، والتمسك بالتحقيق والمحكمة الدولية وإحقاق الحق والعدالة في جرائم الاغتيالات بعيداً عن التسييس من جهة ثانية.

وأمام هذا الواقع المتشابك مرت اللجنة الوزارية التي شكلت لوضع البيان الوزاري في مخاض صعب، وظل البند المتعلق بالمحكمة الدولية معلقاً على شماعة اللجنة أسبوعين إلى أن انتصرت إرادة حزب الله، وفرض على الرئيس نجيب ميقاتي والوسطيين وحتى على رئيس الجمهورية النص الذي قصم ظهر البعير، أي الاحترام لا الالتزام بقرارات الأمم المتحدة، والمتابعة لا التبني لما يصدر عن المحكمة، ومبدئياً لا نهائياً للمحكمة الدولية• ومرّ هذا البند كما شاءه حزب الله في مجلس الوزراء بالإجماع وليس بتحفظ الوزراء الوسطيين كما سرّب إلى بعض وسائل الإعلام، وبذلك أصبحت أهداف حزب الله من الانقلاب على حكومة الحريري والإتيان بميقاتي واضحة وأولها التخلص من المحكمة ومن كل تبعاتها.

وقد ترافق إقرار البيان الوزاري بهذا النص اللاغي للمحكمة مع صدور القرار الاتهامي ضد أربعة عناصر من حزب الله، ما أشعل الجبهة السياسية الداخلية ورفع نسبة الاحتقان السياسي لا سيما بعد ردّ الأمين العام لحزب الله على هذا القرار والذي لم يترك أي مجال للشك بأن الحكومة وُجدت لإلغاء المحكمة، وهو ما كشف عنه بيان قوى الرابع عشر من آذار الذي دعا الرئيس ميقاتي إلى الرحيل ما لم يُعيد التأكيد على الالتزام بالمحكمة باعتبارها هيئة موجودة وقائمة، وليس التزاماً مبدئياً.

واعتبرت قوى المعارضة أي 14 آذار أن ساحة النجمة ستكون ساحة المبارزة بينها وبين رئيس الحكومة وحزب الله وحلفائه في الحكومة، وفي مقدمهم رئيس تكتل التغيير والاصلاح الذي سارع إلى إطلاق سلسلة تهديدات للمعارضة كان أخفها زجهم في السجون أو منحهم بطاقة سفر في اتجاه واحد.

هذا الجو المحموم، عشية جلسة مناقشة البيان الوزاري خيّم على البلاد، وساد شعور عام بأن الأمور كلها تتجه نحو الانفجار الأمني تتمة للانفجار السياسي الذي بلغ ذروته، لكن هذا الشعور ما لبث أن تلاشى وحل محله شعور آخر بأن الوضع لا يزال ممسوكاً وأن لا خوف من الانفجار ذلك أن مناقشة البيان الوزاري دارت وسط أجواء هادئة نسبياً وإن تخللها في بعض الأحيان بعض الحدة كما جرى بين النائبين عاصم قانصو وخالد الضاهر وبين النائب نهاد المشنوق والوزير علي حسن خليل ونواب حزب الله، لكن تدخل الرئيس نبيه بري حال دون تطور الوضع الى ما لا تحمد عقباه.

و يؤكد ما حصل في مجلس النواب في اليومين الماضيين، على أن المعارضة حريصة على ممارسة معارضتها إلى أقسى الحدود وفق أصول اللعبة الديمقراطية البرلمانية، ولن تسمح لفريق الأكثرية الجديدة بأن يستفزها كما حصل في جلسة أمس المسائية.

المصدر:
اللواء

خبر عاجل