نظامان عربيان فشل كل منهما في إقناع شعبه بالذرائع التي ساقها للإبقاء على أسلوب الحكم ذاته طوال عقود، على رغم التغيير الطوعي، أو بحكم الأمر الواقع، الذي طرأ على دوره في مواجهة إسرائيل، بعدما كان هذا الدور مرتكزاً أساسياً في تقديمه لنفسه في الداخل والخارج.
فالأول المصري انهار وباتت رموزه قيد المحاكمة، فيما لا تزال قاعدته التي استند إليها طوال عقود (الجيش) تقاوم التغيير وتحاول الاحتفاظ بنفوذها ولو على جزء من القرار. والثاني السوري على الطريق لكنه يقاوم أيضاً بالنار والحديد ويهدد معارضيه بالحرب الأهلية والتقسيم وسائر عظائم الأمور. أما القاسم المشترك بينهما فهو الانتقال من المواجهة مع إسرائيل الى مهادنتها رسمياً أو ضمنياً، من دون أن يواكب ذلك تغيير في الوظيفة الداخلية.
اختارت مصر السلام لكنها لم تستجب لشروطه في صوغ دور داخلي جديد للنظام يستند الى توزيع الدخل بصورة عادلة، بعدما كانت الحصة الكبرى منه تذهب الى المجهود الحربي وتفرعاته، ويتيح هامشاً واسعاً من الحريات ويحارب الفقر ويكافح الفساد. أما سورية فأبقت على حال الحرب شكلاً وشعاراً والتزمت الهدنة عملاً، لكنها ظلت تعتبر نفسها في وضع «ممانع» يتطلب في مفهومها ضبط الداخل ومنع أي معارضة أو مساءلة وإبقاء النمو ومستوى المعيشة في مصاف متأخر من الأولويات.
وافق السادات على الدخول في عملية السلام مع إسرائيل وأبرم معها برعاية الولايات المتحدة معاهدة قضت بخفض موازنة الدفاع وتكريس اقتصاد السوق في مقابل الحصول على مساعدات خارجية سنوية بالبلايين. ثم جاء حسني مبارك بعد حادثة المنصة ليكمل التزام مصر بالمعاهدة وبالعلاقات المميزة مع واشنطن.
ومع أن السلام غيّر وجه مصر، فتدفقت مساعدات ورساميل واستثمارات ونهضت قطاعات مثل الخدمات والسياحة في حين تحول الجيش جهازاً إنتاجياً ضخماً مع مواصلة مهمته في رعاية النظام وحمايته، الى جانب التضخم الكبير في أجهزة الأمن والشرطة، إلا أن هذا الوضع لم يغير في حياة المصريين الكثير وبقي عشرات الملايين منهم يعيشون في عوز.
وفي الوقت نفسه كانت الضغوط الأميركية والغربية المترافقة مع المساعدات تتزايد للسماح بالأحزاب المعارضة ووسائل الإعلام المستقلة، واشتدت وتيرة الضغوط بعد الغزو الأميركي للعراق ورغبة جورج بوش في شرق أوسط «مختلف». وكان نظام مبارك يخضع للضغوط تارة ويمانع تارة أخرى، فيمنح حريات في مجال ويغلقها في آخر، ويمكّن المعارضة من دخول البرلمان في 1987 ليحله لاحقاً. لكن الفساد استمر وكذلك الفقر الملازم للزيادة السكانية الهائلة. وانفجرت المواجهة بين النظام ومواطنيه أكثر من مرة، لكن الاستياء بلغ مداه أخيراً، وخرج الجيل الثالث من المصريين الذي ولد في ظل السلام الى الشارع، فأسقط النظام.
أما في سورية التي لا يعرف شبانها المتظاهرون اليوم من «حال الحرب» سوى انعكاساتها الفظة على حياتهم اليومية، فتحول «النزاع» مع إسرائيل، برغم «السلام» غير المعلن، الى عبء دائم مع استمرار تخصيص قسم كبير من الموازنة لبند الدفاع والأمن وأجهزته، فيما الاقتصاد يعاني من عزلة وتخلف. وبات السوريون رهينة شعارات نظامهم الافتراضية ومزايداته القومية، وزاد من معاناتهم استشراءُ الفساد والمحسوبية الحزبية والعائلية وبقاء قانون الطوارئ سيفاً مصلتاً على الحريات وعلى كل من تخطر في باله أسئلة من نوع: لماذا نتحمل كل هذا الفقر وكل هذا القهر إذا كنا لا نحارب أحداً؟ ولعل الذين تساءلوا تلقوا الجواب الوحيد للنظام مع وصول الدبابات الى منازلهم.