#adsense

أسلوب النّصائح

حجم الخط

النصيحة في اللغة هي الأرشاد الى ما فيه خير وصلاح، أو هي تقديم المشورة لتجنّب الفساد. من هنا، يمكن لنا أن نتلقّف مجموعة النصائح التي دأب على أتحافنا بها، وفي كل مناسبة، أولئك الذين يعتبرون أنفسهم إلهيّين، يفيض عليهم الوحي من العقل الفعّال ليرتفعوا بذلك عن مستوى العامة من البشر، ويتصّلوا بصفحات اللوح المكتوب، وينقلوا الينا، مشكورين، ما خطّه الله وكلّفهم بنقله، ولكن بأسلوب النصيحة. لم يطلّ واحد من هؤلاء المصطفين، على الشاشات أو في الندوات أو المناقشات، إلآّ وزوّدنا بالنصائح. حتى بات الخطاب يتضمّن من الأرشادات أكثر ممّا ينطوي عليه سياقه من مقاطع أخرى تعالج موضوعات عموميّة أو أفكارا قيّمة. وهذا يوهم بأنّ الناصح رزين نقيّ محبّ، وأنّ المنتصح منقوص اللّب وفي سنّ المراهقة، بالأضافة الى الأضاءة الألزاميّة على غائيّة النصح. كلّ ذلك يجعلنا في كلّ مرّة نتهيّأ لجوّ أيعازي يمجّه اكثرية الناس.

بين الجملة والجملة نصيحة. وبين النصيحة والنصيحة، نصيحة أيضا. هذا الكمّ من النصائح يدفع الى التحيّر والبحث عن الأهداف التي يقصدها الناصحون. هل هي أهداف نبيلة مقبولة أم أنّها تستبطن ما يجدر الكشف عنه؟ لذلك، كان من الضروري أن نبيّن أهليّة الناصح، وطبيعة المنصوح، ومقاصد النصيحة. أمّا الناصح الذي يوزّع الأرشاد في كل أتّجاه تمويها لأنّه يقصد فعلا فريقا بعينه، فهو لا يتحلّى في الواقع بالمواصفات الطوباويّة أو الأخلاقيّة أو النضوج الفكري المتفوّق، ما يضعه في موقع "الداعية" أو الواعظ الذي يحدّث الناس عن جوهر الحياة التي نجد ملامح لها في كل زمان وكل مكان، أو عن المسلكيّة الصالحة التي توطّد علاقة الفرد بالجماعة، أو عن ألزامية التقيّد بالثوابت الخلقية والأنسانية. فالناصح بشر كباقي البشر، خاضع لمعادلة الصائب والمخطئ، لاهث خلف مصالحه وميوله. لا بل هو مدمن تعشّق القوة، يكلّم الآخرين من فوّهة مسدّس، يتنفّس تحدّيا ملء رئتيه، يحسب نفسه الخليفة المعصوم الذي ينأى عنه الشطط، الحاكم بأمره على جزء من الدولة والساعي الى استكمال السيطرة على ما تبقّى منها، المرتبط بأجندة خارجية مشهودة وبنموذج لا رابط بينه وبين الوطن، المتّهم الآخرين بالعمالة لمجرّد أنّهم يخالفونه الرأي، والذي لم يقرأ، ربّما، سوى ما قالته "المطرة" في "نبيّ" جبران للمصطفى حين همّ بمغادرة أورفليس : "كلّ ما نطمع فيه منك هو الحصول على بعض الحقيقة التي أنت حاصل عليها". امّا الذي يعتبره الناصح مبتغيا حكما لنصحه، طلبا للحقيقة، فليس من أهل الحضانة أو المراهقة، فهو الشريك الآخر في الوطن الذي يحقّ له ديمقراطيا أن يدلي برأيه ويصرّح بما يريد، من دون أن تتمّ مصادرة هذا الحق تحت أيّ شكل، وهو المطالب بالمشاركة ولو على حسابه، والذي ارتضى أن تغتال أكثريّته مرّات متتالية فلم يحكم وحده حفاظا على شعار السلم الأهلي، وهو الذي أغضب جمهوره بسبب التنازلات غير المبرّرة لكي لا يقطع شعرة معاوية مع الشريك الشره الذي عطّل الحكم والحكومة واعتدى على مكوّنات السيادة.

لكنّ الأدهى في كلّ ذلك، هو الرسالة التي يريد الناصح أن يسلّمها للمنصوح. ويمكن أختصارها بكلمة، وان تعدّدت الأساليب وتنوّعت الأطروحات، هي الترهيب. فمهما عمل الناصح على تجميل النص النصحي، يبقى الباطن جليا بالرغم من إلباس الظاهر لبوس الزخرفة وتزيينه بألف لون وشكل. والهدف الأستراتيجي من كلّ ذلك هو وضع اليد بالكامل على الوطن والدولة والحكم والسلطة، لبسط سلطان الأيديولوجية الثيوقراطية كنظام، والأحادية المستبدّة كممارسة. إنّ ترهيب الآخر يشلّ قدرته على الحراك المناهض فلا يعود قادرا على الوقوف في وجه خطّة تغيير الحيثية اللبنانية برمّتها، وبالتالي استحضار النموذج الأعجمي بكل مندرجاته، نظاما إلهيا ممدمكا بقوة السلاح.
إنّ النصح، أيّا يكن صاحبه، يصبح ترهيبا وبالتالي مرفوضا عندما يستتبع بكلمة: "وإلاّ ".

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل