ما لم يتضمّنه بيان الحكومة مجتمعة، عن المحكمة الخاصة بلبنان، قاله رئيس الحكومة نجيب ميقاتي من على منبر مجلس النواب، فأخذ على عاتقه قضية التعاون مع المحكمة علنا، وقال بالحرف الواحد: "إنّ الحكومة عازمة على التعاون مع المحكمة الدولية ومتابعة التعاون تطبيقا للقرار 1757". فزاد الالتباس التباسا، وتظهّر التباين بين موقفه وما أتى في البيان الوزاري.
حاول رئيس الحكومة تجميل كلمة مبدئيا وألصق تهمة ابتكارها بالصيغة التي كانت مقدّمة من حكومة الرئيس سعد الحريري إلى اجتماع وزراء خارجية الدول العربية في 2011، والذي تبيّن لاحقا أنها من صنع وزير الخارجية علي الشامي.
دافع الرئيس ميقاتي عن عبارة احترام القرارات الدولية، ووضعها في مصاف التزام القرارات، وارتكز على الدستور اللبناني وفقرة سهر رئيس الجمهورية على احترام الدستور، وزاد الالتباس التباسا.
فكيف التوفيق بين ما قاله ميقاتي وما قاله نواب حزب الله داخل قاعة البرلمان؟
حاول رئيس الحكومة، وبصدق، تأكيد حرية قراراته النابعة من قناعاته، فسأله الرئيس فؤاد السنيورة: "هل ستموّل المحكمة؟" فلم يُجِب!
وما المشهد المتمثِّل بخروج الستين نائبا من قاعة مجلس النواب إلا خير دليل على أن خطاب الرئيس ميقاتي لم يشف غليل المعارضة ولم يقنعها، كما قال قيادي بارز في صفوفها، فخرجت مسجّلة موقفا للتاريخ.
"إلتزم أو إرحل"
لا يزال قائما في قراءة المعارضة لكلام رئيس الحكومة في ساحة النجمة إشارات داخلية وطنية ودولية، فالرئيس ميقاتي أراد مخاطبة الشارع السنّي ليقول إنه لن يفرّط في دم الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فأتت مداخلات كل من الرئيس فؤاد السنيورة والنوّاب بهية الحريري ونهاد المشنوق وخالد ضاهر وسمير الجسر لتؤكد رفع الغطاء السنّي عنه.
حاول الرئيس ميقاتي التوجه إلى الرأي العام اللبناني وإقناعه بأنه لن يكون في يد حزب الله ولا مطواعا له. ولم ينجح في هذا أيضا. فبالنسبة إلى المعارضة أظهرت مداخلات الحزب في ساحة النجمة أنّ القرار هو للحزب وحده، والمحكمة ليست للنقاش، وعبثا حاول رئيس الحكومة استدراك الأمر بمخارج لفظية تناقضت مع اللغة الخشبية التي اعتمدها نواب حزب الله ومن يدور في فلكهم من التيار الوطني الحر، فأسقطه حلفاؤه.
أراد الرئيس نجيب ميقاتي طمأنة المجتمع الدولي إلى أنّه لن يقطع علاقاته به ولن يتسبب بنقض كل ما تنصّ عليه الاتفاقات الدولية، لكنّ خطابات حزب الله صعّبت المهمة عليه، وما استحقاق 30 تموز، عندما تنتهي المهلة المعطاة لتنفيذ مذكرات التوقيف وبعدها بند التمويل، إلا الاختبار الأول لصدقية تعهدات ميقاتي.
وكما رئيس الحكومة، كذلك 14 آذار تحت اختبار النجاح في المعارضة وتحقيق هدفها المزدوج الذي تركزت عليه كلمات نوابها في البرلمان، وهو دعم المحكمة وإسقاط السلاح.
فقوى الرابع عشر من آذار، التي انتقلت من حال سياسية اسمها السلطة، إلى حال جديدة قديمة عليها هي المعارضة، هل تنجح؟
لن تكون الإجابة عن هذا السؤال في وضع الخطط ورسم شعارات طنّانة، بل بمدى قدرتها على اعتماد سلوك ثابت لا يتبدل وفق الظروف والأهواء.
قالت قوى الرابع عشر من آذار إنّ إسقاط الحكومة لا يتم بضربة قاضية، بل بتسجيل النقاط، واعتبرت أنّ أولى هذه النقاط كان شاهدا عليها مجلس النواب، فمتى النقطة الثانية؟
