امس كانت الجلسة الأخيرة التي نالت الحكومة خلالها ثقة أقل نسبة من أصوات النواب منذ العام 2005. ولفتتني، بداية، السيّدة بهية الحريري، هذه النائب هي سيّدة العاطفة وسيّدة العقل وسيّدة الحجة وسيّدة الواقع وسيّدة المنطق، وأهم من ذلك كله انها سيّدة الحقيقة.
لم تفاجئني كلمتها لأنها، للمرة الثانية، تطبّق المثل السائر الشهير، القائل: «عند الامتحان يكرم المرء أو يُهان»، وقد كانت رصينة – كعادتها دائماً – محترمة في خطابها، قالت كل شيء يمكن أن يدخل العقول ويحرّك العقول بتهذيب ورقي، لم تستسلم للألم الذي يعتصر قلبها الكبير، ولكنها لم تسمح بالقفز فوق الحقيقة، ولم تتساهل مع القافزين. تحدّثت عن عطاءات الشهيد بإباء وكبر وليس بالتمنين وتربيح المنيات.
بهية الحريري كانت، أمس، سيّدة المنبر من دون منازع.
أمّا بالنسبة الى دولة الرئيس فؤاد السنيورة فهو يستحق ما يُقال عنه من أنّه رجل دولة بكل ما للكلمة من معنى. ويوماً بعد يوم يتأكد كم كان الشهيد رفيق الحريري مصيباً في تمسكه به وزيراً دائماً للمالية.
طبعاً، سنتجاوز عون وجماعته وما يقولونه حول هدر المال والموازنات وسائر فصول هذه اللعبة المكشوفة. ويا ليت عون يختار شخصاً آخر غير الذي يقود هذه الحملة الجانية لأنه اختار شخصاً بيته من زجاج ويصر على رشق الاوادم والشرفاء بالحجارة.
لقد وضع السنيورة امس النقط على الحروف. كان متمكناً من كلامه، منافحاً رائعاً عن قضية الحق والعدالة، وطنياً من الطراز الرفيع، مفنّداً البيان الوزاري، شارحاً المعاني السياسية لعبارة مبدئياً التي استثارت، منذ قراءة البيان الوزاري، الكثير من التعليقات. عندما رد ميقاتي معيداً اياها الى حكومة سابقة استخدمتها في البيان الختامي لمؤتمر وزراء الخارجية العرب، ردّ السنيورة مؤكداً أنّ وزير الخارجية الذي نقل ورقة لبنان الى ذلك المؤتمر إنما كان يمثل عملياً حركة «أمل» ولم يكن يمثل الحكومة اللبنانية.
والمفاجأة الكبرى بالنسبة لي كانت سامي الجميّل، هذا الشاب الراكز العاقل الذي خاطب عقول وقلوب ليس فقط النواب بل الناس جميعاً وأثبت أنّه يتحدّث نيابة عنهم خصوصاً عندما شدّد على موضوع الخوف، وهذا يشكل كلاماً صحيحاً ودقيقاً عن شعور المسيحيين اللبنانيين، وربما غيرهم أيضاً من إخوانهم اللبنانيين.
بالمنطق والهدوء وبالنقط على الحروف قدّم الشيخ سامي الجميّل مضبطة اتهام في حق «حزب الله» من التهمة حول دور عناصر حزبية في اغتيال الشهيد رفيق الحريري الى التفرّد في إعلان الحرب بما في ذلك إقامة الدولة الخاصة بالحزب التي لا يدخلها رجل أمن إلاّ يتعرّض لاعتداء، وإذا قتل الحزب ضابطاً شهيداً في الجيش فالقاتل يسجن بضعة أشهر ويطلق سراحه عكس باقي المواطنين.
وشكك في «الادلة» التي قدّمها السيّد حسن نصرالله لاتهام اسرائيل، ودافع عن المحكمة برويّة وحجج، وقال إن لجنة التحقيق لم توجّه الاتهام الى اسرائيل ليس استبعاداً لها وإنما لأن الاثباتات لديها تتجّه الى «حزب الله»…
وتحدّث الجميّل عن «أزمة اساسية» اليوم متعلقة بالعدالة للبنانيين سقطوا شهداء (…) وأزمة أخرى هي فقدان المساواة بين اللبنانيين الذين أصبحوا اليوم درجتين: مواطنون درجة أولى هم «أشرف الناس»، ومواطنون درجة ثانية وهم سائر المواطنين.
وأما الصديق الشيخ بطرس حرب، فأدركنا مرة جديدة لماذا غبطة البطريرك الماروني السابق الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير وضع فيه هذا القدر من الإعجاب والثقة.
فعلاً هو رجل قانون بامتياز، صاحب حجة ومنطق وعقل راجح. كان استاذاً على المنبر. قدّم حججه وفنّد حجج الآخرين بهدوء نادر، وعلى أساس متين.
وأثبت بطرس حرب، أمس، ومرّة جديدة، أنّه رجل ديموقراطي بامتياز، وأنّه إذ يعارض فإنما على قاعدة وإذ يوالي فأيضاً على قاعدة، وفي المرتين تكون القاعدة سليمة وثابتة ومدعّمة بالاساس العقلاني.
تحدّث الشيخ بطرس مطوّلاً فكان الحضور جميعاً على إصغاء تام لهذا البرلماني الدستوري المخضرم الذي يجيد تقديم مرافعته، ويحسن اختيار العبارات والمواقف، وينجح في «زرك» الخصم في الزاوية فلا يترك له مجالاً للنفاذ.
وأخيراً، وعلى الرغم من كل ما حفلت به التطوّرات الاخيرة، نؤكد على أنّ الاعمال بالنيات، وأنّ أهم الوعود والالتزامات ما يقترن بالتنفيذ… فلنرَ ماذا سيتحقق من وعود وعهود الرئيس ميقاتي… ولن يكون حكمنا إلاّ على النتائج.