
افتتحت كليّة الموسيقى في جامعة الروح القدس – الكسليك، بالتعاون مع المجمع العربي للموسيقى، مؤتمرًا حول التربية الموسيقية في المدارس في الدول العربية، يستمر لثلاثة أيام، بمشاركة عدد من الباحثين في علم الموسيقى والأخصّائيين في التربية الموسيقية من لبنان وسوريا ومصر والأردن وفلسطين وتونس والجزائر والعراق.
وقد تم تكريم الفنان المتعدّد المواهب فيلمون وهبي في اختتام حفل الافتتاح، بمبادرة من جوقة الصوت العتيق بقيادة الأب ميلاد طربيه، فانطرب الحضور على مدى ساعة ونصف بأصوات منشدي الجوقة وعزف موسيقييها، الذين أدّوا مجموعة من الأغاني التي أضاءت على موسيقى فيلمون وهبي وفنّه.
وحضر الحفل ممثل الرئيس العام للرهبانية اللبنانية المارونية الأباتي طنوس نعمة النائب العام الأب إميل عقيقي، الأبوان المدبران في الرهبانية طوني فخري وأيوب شهوان، الأمين العام للرهبانية الأب كلود ندرة، ممثل رئيس جامعة الروح القدس الأب هادي محفوظ نائبه للأبحاث الأب يوحنا عقيقي، الأمين العام للجامعة الأب ميشال أبو طقة، رئيسة المجمع العربي للموسيقى الدكتورة رتيبة الحفني، عميد كلية الموسيقى في الجامعة الأب يوسف طنوس، أعضاء مجلس الجامعة وعائلة الفنان فيلمون وهبة، إضافة إلى حضور حاشد من الشخصيات الموسيقية والفنية والتربوية والثقافية والاجتماعية، غصّت بهم قاعة البابا يوحنا بولس الثاني في حرم الجامعة الرئيس في الكسليك.
واستهل الافتتاح بكلمة لعميد كلية الموسيقى في الجامعة الأب يوسف طنوس تحدث فيها عن أهمية المواضيع التي سيبحثها المؤتمر على الصعيدين التربوي والموسيقي، مؤكداً على رسالة الجامعة "في أن تكون مركزًا للتعليم والبحث والإبداع في الموسيقى وفي برامجها المتخصّصة، ولإعداد كوادر فنية وتعليمية للتربية الموسيقية وللأبحاث في لبنان والمنطقة العربية من جهة ثانية". واعتبر "أن التربيةَ الموسيقية باتت جزءًا أساسًا من كل المخططات التربوية في كل البلدان المتحضّرة، نظرًا لدورها أولاً في تنمية شخصيّة الطفل وأقلمتها مع متطلّبات المجتمع، ولدورها ثانياً في اكتشاف المواهب وتشجيعها وتوجيهها" ، متسائلاً: "فكم من "موزار" يُضحّى به في وطننا العربي بسبب إهمالنا للتربية الموسيقية أو بسبب النظرة الدونية أو الرّفضية للموسيقى في بعض مجتمعاتنا العربية؟". وشدد على "أن دور المجتمع والأهل مهم جدًّا في تشجيع الأولاد على دراسة الموسيقى، وإن لم يكن بهدف الإحتراف، فبهدف توازن شخصيّتهم وانفتاحها… كما أن دور الموسيقيين، مطربين أو عازفين أو مؤلّفين، لا يقل أهمية عن دور الأهل في الحفاظ على نظرة الإحترام للموسيقى كفن وكعلم يبنيان الإنسان ويهذّبان روحه، ويسهمان في رقي المجتمع وفي تشجيع الأجيال الطالعة على دراسة الموسيقى كهواية أو كاحتراف، بالإضافة إلى دور المدارس الرائد في جعل التربية الموسيقية عاملاً أساسًا في تطوير شخصيّة التلامذة واكتشاف مواهبهم في سن مبكّرة. فالتربية الموسيقية لم تعد ترفًا في المدارس، بل ضرورة تربوية. من هنا وجوب إيلاءها العنايةَ القصوى إن على صعيد معاملتها أسوة بباقي المواد الدراسية المهمّة بدل اعتبارها لهوًا أو تحضيرًا لحفلات المدرسة فقط، وإن على صعيد تأمين الأساتذة الأخصّائيين والكفوئين لها، والمعدّات اللازمة لتدريسها". كما اعتبر "أن لوزارات التربية في الدول العربية ولمراكز البحوث فيها الدور الأول والمركزي ليس فقط في وضع المخطّطات التربوية وإدخال التربية الموسيقية في المناهج، بل أيضًا في تأمين ما يلزم من الأساتذة والمعدّات لتدريسها وفي الإشراف على تطبيقها وعلى التزام المدارس بها. إن القوانين والبرامج موجودة ومكتوبة في منشورات تلك الوزارات، وهي جيّدة بالرغم من الأخطاء والنواقص التي تشوبها، ولكنّها شبه غائبة عن أرض الواقع". وأضاف الأب طنوس: "إن معظم مناهج التربية الموسيقية في الدول العربية منسوخة عن المناهج الغربية، ولا تؤخذُ فيها مقوّمات الموسيقى العربية الكلاسيكية والشعبية بعين الإعتبار. فكيف الحفاظ على الهوية الموسيقية طالما لا تُعار الأهمية اللازمة في التربية الموسيقية؟ وكيف السبيل للإستفادة من الفولكلور الموسيقي لكلّ بلد عربي في برامجه التربوية؟ كلّها أسئلة مطروحة في هذا المؤتمر، ونأمل أن نجد أجوبةً شافية لها في محاضرات الزملاء الموسيقيين والتربويين".
ولفتت رئيسة المجمع العربي للموسيقى الدكتورة رتيبة الحفني في كلمتها إلى "أن التعاون القائم بين المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية وكلية الموسيقى في جامعة الروح القدس يرجع إلى نهاية تسعينيات القرن الماضي"، مشيرة إلى أنه "أفرد مجمعنا منذ تأسيسه في العام 1971 لجنة للتربية الموسيقية إلى جانب أربع لجان أخرى هي لجنة الدراسات التاريخية ولجنة الإنتاج الموسيقي ولجنة الموسيقى التقليدية ولجنة الموسيقى الشعبية. وفي هذا دلالة واضحة على أهمية التربية الموسيقية في تحقيق غايات المجمع وأهدافه، ودورها القائم، وذلك المفترض قيامه في مجتمعاتنا العربية المختلفة". وأكّدت أن "هذا المؤتمر الدولي لا بد له أن يضيف لبنة إلى صرح المعرفة والعلم. فالباحثون المشاركون فيه، أسماء لامعة، لها إسهاماتها في حركة التربية الموسيقية في بلدانهم المختلفة وعلى مساحة العالم العربي ولهم منا كل الشكر والتقدير على تلبيتهم الدعوة للمشاركة في هذا المؤتمر الهام". وختمت الحفني كلمتها شاكرة الجامعة على إفساح المجال أمام أعضاء المجمع لمشاركتهم في تنظيم هذا المؤتمر، كما تمنّت له النجاح والوصول إلى توجهات تربية موسيقية عربية تنسجم مع روح العصر".

ثم تسلّمت عائلة الفنان فيلمون وهبة شهادة تقدير من كلية الموسيقى والمجمع العربي للموسيقى، إضافة إلى درعًا تكريميًا من جوقة الصوت العتيق. كما تسلّم الأب طنوس من الحفني شهادة تقدير من المجمع العربي للموسيقى.
هذا وقد سبق حفل الافتتاح الرسمي انعقاد ورشة عمل مكثفة لمدرّسي الموسيقى في المدارس عن الطرق التربوية الحديثة وعن مناهج أورف وغوردن، أدارتها السيدة إنشاد فاخوري – معاصري، خرّيجة جامعة نورث تكساس في الولايات المتحدة الأميركية، وأستاذة التربية الموسيقية في إلمانيا، حيث شارك الحاضرون في تمارين موسيقية، تعلّموا من خلالها إيقاعات جديدة وكيفية تعليم الطلاب الموسيقى بشكل أسهل.

ثم أقيمت ندوة عن التربية الموسيقية ضمّت جلستين، فأدار الجلسة الأولى الأب يوسف طنوس، وألقى فيها الدكتور نبيل اللّو محاضرة بعنوان "الإرث الموسيقي الوطني والقومي في التربية"، الذي أكّد على جوب أن تعد وزارة التربية، بالتعاون مع وزارة الثقافة، برنامجا تكلّف به المعنيون بالتراث المحلي والإقليمي يجمعونه، فيدوّن ويسجّل ويحلل ليصبح مادة تطرح للدرس وتختار الوزارة ما يصلح للأطفال، تلقّنهم تراثهم الشعبي الأصيل تؤصله في نفوسهم وذائقتهم وتحصنهم به من الرديء الوافد من الموسيقى والغناء". وكانت كلمة للدكتور أيمن تيسير تكلّم فيها عن "واقع التربية الموسيقية في الأردن وأثرها في رفع الذائقة الموسيقية"، فاعتبر أن التربية الموسيقية في الأردن لا تزال تواجه بعض الرفض والتحفظ لدى العديد من الأفراد خصوصا في المناطق الريفية والمدن التي تفتقر إلى الانفتاح على الثقافة الموسيقية، مما يعرقل عملية التعلّم والتعليم الموسيقي في تلك المناطق. كما رأى تيسير أن صورة الموسيقي، وحتى مدرّس الموسيقى في المدرسة أو الجامعة، ليست مرضية في تلك المجتمعات ويسودها التشويه. ثم تحدث الأمين السرّ الأكاديمي لكلية الموسيقى في جامعة الروح القدس جوزيف أبي رعد عن"واقع التربية الموسيقية في لبنان"، معتبرًا "أن اللوم لا يقع فقط على المدرسة في انعدام الثقافة الموسيقية، بل على الأهل أيضًا، فقال: "إذا كانت المدرسة لا تهتم بالتربية والتنشئة الموسيقية فذلك يرتد على الأهل لأن المدرسة لا تقوم بدورها باكتشاف المواهب وتشجيعها وحثّ الأهل على متابعة أبنائهم موسيقيًا. ويكاد ينعدم دور الأهل في أي نشاط موسيقي تقوم به المدرسة إلّا إذا كان ابنهم أو ابنتهم مشاركًا في النشاط أو كان أحد أولياء الأمور بارعًا في العزف على آلة ما ويمكنه أن يخدم المدرسة من خلال اشتراكه في العزف في المناسبات الرسمية واحتفالات نهاية السنة". واختتمت الجلسة الأولى بمداخلة للأستاذ هشام شرف، الذي تناول موضوع "واقع التربية الموسيقية في العراق"، لافتاً إلى أنه منذ العام 1930 بدأت التربية الموسيقية تدخل ضمن المناهج الدراسية في العراق".
أما الجلسة الثانية فأدارها الدكتور كفاح فاخوري، وحاضر فيها الأب يوسف طنوس تحت عنوان "نحو تربية موسيقية ذات طابع عربي"، حيث أكّد أن "الموسيقى بحدّ ذاتها لا تزال متّهمة لا بل ممنوعة، في بعد أوساط المجتمعات العربية، منها لأسباب دينية ومنها لأسباب اجتماعية". كما رأى الأب طنوس أن "إلزامية التربية الموسيقية في معظم الدول العربية قد لحظتها قوانينها، ولكنها لم تضع لها آلية تنفيذ، وبالتالي لم تنفّذ بالكامل عند البعض، ولم تنفّذ كما يجب عند البعض الآخر، لا من ناحية البرامج ولا من ناحية إعداد الأساتذة ولا من ناحية التجهيزات". وأضاف: "هناك إهمال في تعليم الموسيقى العربية في المدارس العربية بشكل عام، وفي أقصى الحالات يقتصر التعليم على بعض الأناشيد والأغاني والتي كتب بعضها في نغمات وسلالم تحوي ثلاثة أرباع المسافة الصوتية، وقلّة منها معدّة للأولاد والأطفال". ثم تحدث الدكتور محمد لسعد قريعة عن "واقع التربية الموسيقية في تونس"، فشرح حال الواقع الموسيقي في المدارس التونسية، كما تحدّث عن حصص الموسيقى في المناهج الدراسية، وعن كيفية تعامل الإدارات المدرسية مع هذه الحصص.
واختتمت الجلسة الثانية بمحاضرة للدكتور نجيب شيشون والدكتور فتحي صالح اللذين ربطا في كلمتهما بين مجالين أساسيين في تكوين أساتذة التربية الموسيقية وهما: إشكالية الاستماع الموسيقي وسبل إيقاظ وتطوير الإحساس الجمالي لدى طلبة التربية الموسيقية، خاصة وأن الجانب السمعي يشكّل السند الأول للتعبير الموسيقي، ويعتبر كناقل للأحاسيس، كأداة للإدراك، وكمحرّك للعاطفة الجمالية.
وتضمن اليوم الثاني من المؤتمر محاضرات شملت المواضيع التالية: التجربة الأردنية في تأليف مناهج التربية الموسيقية؛ تطوير عملية إعداد المعلمين منذ سنة 1971 لغاية اليوم؛ العود آلة مرجعية في التربية الموسيقية العربية، مقاربة منهجية فنيّة؛ الملامح الفنية لشخص معلّم الموسيقىن البعد الدلالي والإدراكي للمفصلة المقامية كمدخل لإنشاء تربية موسيقية مناسبة للمشرق العربي؛ جوقات الأطفال؛ نظافة الصوت لدى المنشدين الشباب: بين الشؤون الصحية وتعليم المقامات؛ وأهمية السماع والتذوّق في التربية. وفي الختام أحيت جوقة جامعة الروح القدس وجوقة قاديشا، بقيادة الأب يوسف طنوس حفلة من الأناشيد والأغاني الوطنية من أعمال الأخوين فليفل، ووديع الصافي، والأخوين رحباني، وإيلي شويري، وزكي ناصيف.