كتبت رلى موفّق في صحيفة "اللوء": لا اتفاق بين رئيس الحكومة وحزب الله حول كيفية التعامل مستقبلاً مع المحكمة ومسيرة العدالة
حين كان رئيس الحكومة نجيب ميقاتي يؤكّد في رده على مناقشات النواب في جلسات الثقة بحكومته، أنه ما زال وفياً لالتزاماته بمتابعة المحكمة الخاصة بلبنان التي تنظر في استشهاد الرئيس رفيق الحريري ولن يتراجع عنها مهما كانت الضغوطات، ومن أي جهة أتت، بادره الرئيس فؤاد السنيورة بالسؤال: هل ستحوّل "المصاري"؟ قاصداً بذلك الأموال المُتوجبة على لبنان حيال المحكمة الدولية.
هذا السؤال – الذي تجاهل ميقاتي الردّ عليه – يُشكل المحك الفاصل ليس فقط لحكومته والتزاماتها، إنما أيضاً لصدقيته وما يترتّب عليها من نتائج، سواء على مستوى مواجهته بيئته أو على مستوى مواجهته المجتمع الدولي وانعكاساتها على علاقاته ومصالحه الاقتصادية والمالية الخاصة.
فهامش المناورة اللغوية في البيان الوزاري وتدوير الزوايا مع ممثلي البعثات الدولية سوف يَضيق أمام ميقاتي، كلما اقتربت الاستحقاقات الخاضعة لمجهر دول القرار أو المتعلقة بالشرعية الدولية. ذلك أن قوى الرابع عشر من آذار يسودها اقتناع تام بأن "حزب الله" ومنظومته الإقليمية لم ينقلبا على حكومة سعد الحريري من أجل الإتيان بحكومة تستكمل المسار نفسه، ولا سيما في ما خصّ المحكمة الدولية، لا بل تذهب هذه القوى إلى الاعتقاد بأن الحزب كان دائماً، ولا يزال، يضبط إيقاع حركته على عقارب ساعة المحكمة. وهو لم يُفاجأ بالتأكيد بتوقيت تسلّم لبنان القرار الاتهامي، إذ أن الجهات المعنية والمتابعة لهذا الملف كانت تُدرك بأن القرار الاتهامي سيُبلّغ إلى السلطات اللبنانية مع بدء شهر تموز. حتى أن تحديد انعقاد مجلس الوزراء صبيحة الخميس الماضي لإقرار البيان الوزاري أملاه إبلاغ وفد المحكمة الدولية السلطات اللبنانية بموعد تسليم القضاء للقرار الاتهامي.
فمسألة تمويل المحكمة استحقاق يؤول إلى نتائج واضحة لا مجال للاجتهاد فيها وللون الرمادي وأنصاف الحلول. وفي استطاعة المعارضة تالياً أن تضغط على رئيس الحكومة بهذه الورقة، ولا سيما أن المحكمة، التي سبق أن ذكّرت حكومة الحريري قبل الإطاحة بها بوجوب سداد المتوجّب عليها، ستُعيد إحياء هذه المسألة مع الحكومة بعدما بدأت فعلياً الآن ممارسة مهامها. فلبنان – وفق البروتوكول مع المحكمة – ملتزم ببرنامج تمويل على سنتين (2010 – 2011) وقيمته 108 ملايين دولار. وقد تمّ تحويل جزء من المبلغ المتوجب عليه لسنة 2010 من خلال سلفات خزينة قضّت مضاجع قوى 8 آذار يومها، فيما بقي جزء تمّ إدراجه في مشروع موازنة 2010 التي لا تزال رهينة التجاذب في مجلس النواب، وتمّ إدراج القيمة المترتبة على لبنان للعام 2011 في مشروع موازنة العام 2011 التي لم يُقرّها مجلس الوزراء. وقد طلب ميقاتي من وزرائه مراجعة كل منهم لأرقام وزارته.
يكشف أحد السياسيين أن ميقاتي لدى سؤاله من قبل السفيرة الأميركية لدى لبنان•••• كونيللي عن التزام حكومته بتمويل المحكمة، أكد أن هذا البند سيتم إدراجه في مشروع موازنة الحكومة• هذا الموقف يندرج في معرض التقييم السياسي في خانة الالتزام• ولكن هل يعني ذلك التزاماً فعلياً؟.
يروي عارفو رئيس الحكومة أن حزب الله لم يكن موافقاً على تضمين البيان الوزاري أي إشارة واضحة إلى المحكمة الدولية والاكتفاء بإعلان احترام القرارات الدولية، لكن ميقاتي لم يُوافق على هذا التوجه، وأراد أن يتم تضمين البيان فقرة عن المحكمة الدولية أسوة بالبيانات السابقة• فكان المخرَج بالصيغة – التسوية التي أُقرّت• وفي رأي هؤلاء أن إدراج الفقرة الخاصة بالمحكمة الدولية تؤكّد أن لا اتفاقات أو التزامات سابقة حول المحكمة بين ميقاتي و "حزب الله". فميقاتي يوم كان يتم التفاوض معه على ترشيحه للحكومة، قُـدّمت له لائحة مطالب، أولها حماية المقاومة، وثانيها تنفيذ الاتفاق الذي قال حزب الله أن سعد الحريري وافق عليه في ما خصّ المحكمة• فكان أن قَبِل المطلب الأول ورفض الثاني من منطلق أنه ليس "ولي الدم"!.
ولا يتعامل عارفو ميقاتي بإرباك في موضوع المحكمة أو التمويل، على أقله في المرحلة الراهنة• فالاستحقاق المقبل بعد أسابيع حول نتيجة مذكرات توقيف المتهمين الأربعة في جريمة اغتيال الحريري ليس عملياً استحقاقاً سياسياً• فميقاتي اتصل بالمدّعي العام التمييزي طالباً منه القيام بكل ما يلزم من إجراءات والإسراع بها. وبالتالي فإن عليه أن يُعدّ تقريراً إجرائياً يضمّنه ما آلت إليه خطواته التنفيذية ليرفعها إلى المحكمة.
أما في ما خص التمويل، فإن ميقاتي يعتبر أن فقرة المحكمة الدولية في البيان الوزاري تحمل في طياتها اعترافاً بوجود محكمة سبق للبنان أن التزم بها وستتابع الحكومة مسارها، وبالتالي ستفي بالتزاماتها الماليه حيالها، ولا سيما أن عدم الالتزام لا يعطّل المحكمة التي يحق لها التفتيش عن مصادر تمويل أخرى، بقدر ما يضع الحكومة في مواجهتها ومواجهة المجتمع الدولي. وليس لـ"حزب الله" قبل غيره مصلحة في أن يضع لبنان بحكومته الحالية في مواجهة الشرعية الدولية، خصوصاً في هذه المرحلة الدقيقة، كما أن لا مصلحة لديه بـ"حشر" رئيس الحكومة.
لكن هجوم "حزب الله" على المحكمة، بالتوازي مع تأكيد ميقاتي التزامه بها وبإحقاق الحق والعدالة، يشي بأن لعبة "كسب الوقت" ستكون عنوان المرحلة المقبلة، وهي لعبة تُجيدها الأطراف كافة في الحكومة الراهنة.