كتب جو معكرون في صحيفة "السفير": كان في جلسة الاستماع تساؤلات وألغاز أكثر مما كان أجوبة وحلول. وزارة الامـن القومـي الامـيركي فضـلت عدم حـضور الجلـسة العلنـية، والخبـراء المقربون من الاجهزة الامنية الاميركية يؤكدون بدون دليل رسمي لأعضاء الكونغرس المربكين ان «حزب الله» تسلل الى الساحة الخلفية في اميركا اللاتينية وتحوّل بالتالي الى «تهديد مباشر على الامن القومي الاميركي».
السؤال الرئيسي الذي تمحورت حوله جلسة استماع اللجنة الفرعية لمكافحة الارهاب والاستخبارات في مجلس النواب هو ما إذا كان وجود «حزب الله» في اميركا «شبكة جنائية» ام «تهديد ارهابي على الامن الداخلي الاميركي»، اي هناك إجماع في الكونغرس حول قدرات «حزب الله» المالية واللوجستية مع اختلاف في التقييم اذا كان لديها النية والقدرة لشن هجوم في الداخل الاميركي او يقتصر التركيز على اسرائيل فقط.
رأى الباحث في «معهد انتبرايز الاميركي» (American Enterprise Institute) المحافظ والمسؤول السابق في وزارة الخارجية الاميركية السفير روجيه نورييغا «ان كلا من «حزب الله» و«فيلق القدس» في «الحرس الثوري الايراني» احرزا تقدما كبيرا في السنوات الست الماضية لتوسيع نفوذهما وعملياتهما في اميركا اللاتينية»، مشيرا الى ان هذه الانشطة «هي نتيجة استراتيجية هجومية واعية لتنفيذ قتالهما على عتبة ابوابنا، وتتلقى هذه الانشطة دعما لا غنى عنه من نظام الزعيم الفنزولي هوغو تشافيز».
وذكر نورييغا ان الابحاث والمعلومات الحكومية لديه تشير الى نمو «شبكتين ارهابيتين على الاقل في معدل ينذر بالخطر في اميركا اللاتينية»، الشبكة الاولى، يديرها «حزب الله» والثانية، يديرها «فيلق القدس» في «الحرس الثوري الايراني»، وتقوم الشبكتان بأنشطة لجمع التبرعات وتبييض الاموال وتهريب المخدرات و«التبشير والتجنيد والتدريب»، وتحدث عن اكثر من 80 عنصرا في اكثر من 12 بلدا على الاقل في المنطقة مع التركيز على البرازيل وفنزويلا والبلدان الجنوبية. ولمح الى تقارير تشير الى ان عناصر من «حزب الله» وفرت «اسلحة وتدريبا على المتفجرات الى منظمات لتهريب المخدرات تعمل على طول الحدود مع المكسيك».
ورأى نورييغا ان لـ«حزب الله» طريقة عمل في القارة الاميركية من خلال «التسلل او انشاء المساجد او المراكز الاسلامية في كل انحاء المنطقة». وذكر ان مركز انشطة «حزب الله» الرئيسية هو المنطقة الحدودية الثلاثية بين البرازيل والارجنتين والباراغواي في جزيرة مارغاريتا في فنزويلا، داعيا الادارة الاميركية الى التحرك والا سيكون هناك «اعتداء على الموظفين والمنشآت والمصالح الاميركية في اقرب وقت يعتقد فيه عناصر «حزب الله» انهم قادرون على مثل هذه العملية بدون توريط راعيهم الايراني في الجريمة».
المعلومات المتوفرة ان الادارة الاميركية رفضت اجراء جلسة علنية حول هذا الموضوع بل عقد مسؤول في وزارة الخارجية جلسة مغلقة مع اللجنة قبل اسبوعين قال فيها ان انشطة «حزب الله» في اميركا اللاتينية تقتصر على جمع التبرعات. لكن اجواء الخبراء كانت مناقضة حيث تحدث الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية دوغلاس فرح عن توفير «حزب الله» لتكنولوجيا انفاق المخدرات التي تزداد تعقيدا وتوجد الآن على طول الحدود الاميركية ـ المكسيكية، والتي تشبه بقوة الانفاق التي يستخدمها «حزب الله» في لبنان»، مشيرا الى توقيف الامن الاميركي لافراد عصابات تدخل الولايات المتحدة بوشم فارسي وبضائع أخرى تشير الى نفوذ «حزب الله». وابدى اعتراضه على نظرة صناع القرار الاميركيين لوجود «حزب الله» بأنه «لاعب معزول يكسب موطئ قدم صغير في اميركا اللاتينية»، مشيرا الى ان «حزب الله» ينظم نفسه لوجستيا في اميركا اللاتينية «ليهاجمنا في حال هاجمنا ايران، لكن الحزب ليس في وضعية هجوم الآن».
في الجلسة، يصعب التفريق بين الوقائع والهواجس والاختلاقات، في وقت يبدو فيه اعضاء الكونغرس في جهل لأبسط تعقيدات المنطقة وفوارقها. النائبة الديمقراطية جاكي سبير سألت الخبراء من قام منهم بمقابلة اعضاء في «حزب الله» بشكل مباشر خلال ابحاثهم الميدانية، فقط الاستاذة في جامعة براون ميلاني كاميت ذكرت انها التقت بمسؤولين في الاعلام وبرامج الرعاية الصحية. النائب الجمهوري بول برون ذكر ان «حزب الله» موجود في 15 مدينة اميركية و4 مدن كندية قريبة من الولايات المتحدة، سائلا في هذا السياق «اذا لم يكن هذا الامر لاستهداف الولايات المتحدة، لماذا هم في تلك المدن؟». وتقول نائبة أخرى خلال الجلسة «لماذا علينا ان ننتظر قبل التصرف كما فعلنا قبل 11 ايلول؟»، ويسأل زميلها اذا كان هناك اي اتصال جرى في السابق بين امين عام «حزب الله» السيد حسن نصرالله وزعيم تنظيم «القاعدة» اسامة بن لادن وطرح آخر تساؤلات حول من هو «الرجل الثاني» في قيادة «حزب الله».
طبعا، هذه الجلسة تأتي في السياق العام لمقاربة الكونغرس حيال «حزب الله» ولا يمكن فصلها عن الجهود لاقرار قانون «حزب الله» لمكافحة الارهاب.
وعلمت «السفير» في هذا السياق من مصادر في الكونغرس ان هذا القانون لا يزال مدار نقاش داخل لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي، حيث يحاول فريق عمل رئيسة اللجنة النائبة الجمهورية اليانا روس ليهتينين تشديد لغته من دون إدخال تعديلات جذرية على مضمونه التشريعي، لكن لا يتوقع إقراره في مجلس النواب قبل الخريف المقبل اي بعد عطلة الكونغرس الصيفية بين 8 آب و 5 أيلول.
وقام كل من نائب مساعد وزيرة الخارجية جاك والاس ونائب مساعد وزير الدفاع كولن كال بزيارة الكونغرس لعقد لقاءات مع القوة الرئيسية وراء مشروع القانون النائب الديمقراطي هوارد بيرمان، ويبقى الميل في الكونغرس حتى الآن لإعطاء وقت للادارة كي تقيّم الوضع في لبنان وتعلن موقفها الرسمي. وفي ضوء الاجماع الديموقراطي والجمهوري في مجلس النواب حول مشروع القانون قد لا يحتاج حتى الى جلسة عامة في حال التصويت عليه، لكن المزاج العام في مجلس الشيوخ ليس معروفا بعد، حيث الاعضاء الديموقراطيون أقرب الى الادارة الاميركية وقد يساهمون في تعديل النص بطريقة تتناسب مع توجهات البيت الابيض حينها، اي ان اقرار المشروع قد يحتاج الى نهاية هذا العام على الاقل.
وبالعودة الى جلسة الاستماع، فقد قدمت ميلاني كاميت عرضا تاريخيا لتجربة «حزب الله»، مشيرة الى ان الحزب «في قدرته كحركة مسلحة، يركز في اعمال العنف وفي خطابه على اسرائيل». وذكرت ان «حزب الله» حريص على تمييز نفسه عن المجموعات السنية الارهابية مثل تنظيم «القاعدة». فوارق رئيسية، عقائدية واستراتيجية، تفصل المجموعتين. فضلا عن ذلك، ففي حين أصبح «حزب الله» يمثل حزبا سياسيا على الساحة المحلية، فان تنظيم «القاعدة» منظمة عالمية تهدف في المقام الاول الى ارتكاب اعمال ارهابية بدلا من تطوير العلاقات مع السكان المحليين. وعلى الرغم من الجنــاح المتشدد في «حزب الله»، سيكون من الخطأ وضعه في الفئة نفسها مع القاعدة والمجموعات المتصلة بها». وذكرت كاميت ان لدى الحزب «مصداقية كبيرة مستمدة من دوره في اجبار الانسحاب الاسرائيلي عام 2000، رغم انه مع مرور الوقت مصدر الدعم هذا ينخفض».
واعتبرت كاميت ان المحكمة الدولية الخاصة بلبنان «تزعزع استقرار السياسة اللبنانية، مع اعلان «حزب الله» اعتراضه الحازم على الاجراءات ومحاولته تقويض مصداقية التحقيق، لا سيما بعد اعلان المدعي العام القاضي دانيال بيلمار القرار الاتهامي بحق اربعة اعضاء من «حزب الله». وذكرت ان حصول معلومات حول تمويل وميزانية «حزب الله» أمر «بالغ الصعوبة إن لم يكن مستحيلا»، مشيرة الى انه ليس هناك مؤشر ان الحزب «يسعى الى استهداف الجيش الاميركي، على الرغم من ان «حزب الله» يدين الولايات المتحدة على تحالفها مع اسرائيل وسياستها في الشرق الاوسط، لكنه لم يستهدف الولايات المتحدة او المصالح الاميركية بالعنف منذ الثمانينيات».
واعتبرت كاميت ان «عدم اهتمام «حزب الله» باستهداف الجيش الاميركي نابع من تطوره السياسي في فترة ما بعد الحرب (الأهلية)»، مشيرة الى ان الحزب يستثمر بشكل متزايد في السياسة اللبنانية وقد اصبح حزبا رئيسيا في المشهد المحلي السياسي. هذا التوجه الاستراتيجي يتطلب تسوية وبراغماتية، ويحد من ميل هذه المنظمة الى نشر العنف لتحقيق اهدافها. ورأت انه «سيكون من الخطأ النظر الى اجنحة الحزب العسكرية والسياسية والاجتماعية كعملية واحدة موجهة حصرا نحو النضال العنفي. في الواقع، تدعي مصادر موثوقة ان «حزب الله» قد شهد مناقشات داخلية حول الاوزان النسبية لبرامجه السياسية والاجتماعية مقابل انشطته المسلحة». وذكرت ان هناك مهاجرين شيعة في اميركا اللاتينية يتعاطفون مع «حزب الله» ويساهمون في جمع التبرعات للحزب لكن لديهم «توجهات دينية وسياسية متنوعة لا تتناسب مع الدعم او المشاركة في اعمال ارهابية».