"صلاحُ أمرك للأخلاق مرجعُهُ
فقوّمِ النفس بالأخلاق تستقمِ"
أحمد شوقي
(نهج البردى)
قد يكون ما يلي قصة افتراضية، ولكنها في الواقع قد تكون حصلت بالفعل، وتكررت مرات ومرات على مدى التاريخ، فالكثير من طغاة العالم قد انطلقوا أصلاً من تاريخ بطولات حقيقية أو وهمية، هم أصلاً حملوا رؤى وعقائد تجعلهم يرون المستقبل مشرقاً من خلالها، ولكن كل هذه المعطيات قد تسقط على أرض الواقع لا سيما إذا قام هؤلاء بفرض أنفسهم على الناس بناء على بطولاتهم، والكارثة في حال محاولتهم فرض عقائدهم على الناس على أساس أنها حقائق مطلقة لمجرد أن في تاريخهم بطولات تعطيهم الحق بتمنين الناس.
بالمحصلة فقد يتحوّل بعضهم الى الاعتقاد بقدسية الذات وعصمتها لدرجة تجعلهم يحاولون فرض أنفسهم بمجمل حسناتهم وسيئاتهم وطاعتهم ومعاصيهم على أساس أنها كلها منّة من السماء. كل هذا قد يُبقي الأمور في توازن طالما أن كل الجمهور يبقى مقتنعاً بعصمة البطل، الى أن تصطدم هذه العصمة بشكل حتمي مع مصالح أو قناعات بعض الناس الذين قد يجاهرون، بعد تردد، في معارضة البطل وضرب مبدأ عصمته علناً، وعندها تنهار هيبة البطولة بسرعة فيتحوّل المعصوم الى بلطجي يرهب معارضيه وينعتهم بالكلاب والخونة والعملاء لمجرد أنهم يعارضونه بالرأي أو بالفعل، وعندها قد لا يتورع البطل عن ممارسة بطولاته على معارضيه، يمارس القتل والتنكيل بهم متمادياً بغيّه الى أن يسقطه التاريخ.
واقع "حزب الله"
لم يكن كلام نواف الموسوي عندما وصف زميلاً له في الندوة البرلمانية بالعميل، خارج السياق الطبيعي لمنطق حزبه، فبمجرد أن قال نهاد المشنوق رأيه علناً، وهو يخدش عصمة "حزب الله"، أصبح عميلاً وخائناً وحقّ بالتالي هدر دمه. ويكفي أن نراجع بسرعة لغة البلطجة التي يستخدمها هذا الحزب من قمة قيادته الى أدنى قواعده، ونرى تعابير مستكبرة كوصف المعارضين بالنعال والأحذية، أو تهديدهم بقطع الأعناق وقطع الأيدي ونزع الأرواح. كل هذه الكلمات وصفت خطأ من قبل بعضنا بأنها تعبير عن فائض القوة، ولكنها عملياً تعبّر عن أزمة الانكشاف الأخلاقي الذي يعانيه "حزب الله" بعد أن سقطت هالة القدسية التي موّه نفسه خلفها، وزال وهج البطولات بعد ن تحوّلت الى عنتريات في الشوارع تسعى الى فرض حكم الرعب على المواطنين.
لا أحد في لبنان، وربما في كثير من أنحاء العالم، يمكنه أن يتنكر للبطولات التي سجّلها "حزب الله" في مواجهته العدو الإسرائيلي، ففي الوقت ذاته الذي كان لبنان والعرب تحت صدمة الاجتياح الإسرائيلي واحتلال بيروت، انطلقت هذه المقاومة كومضة أمل في ظل اليأس الذي سيطر على عقولنا. لقد تغاضى المواطنون عن الأعمال الارهابية التي تمّت تحت اسم "الجهاد الإسلامي" ومنظمة "المستضعفون في الأرض" واعتبرتها جزءاً من مقتضيات المعركة. وغضّ النظر أيضاً عن تصفية القيادات الشيوعية المناضلة على اعتبار انها لم تثبت نسبتها الى "حزب الله" على الرغم من الشبهات المنطقية. وحتى أن الناس انحازت الى "حزب الله" في حربه المدمرة مع حركة "أمل" رغم أعداد الشهداء الذين سقطوا في سبيل تثبيت هذا الحزب أقدامه ضمن طائفته.
وعندما جاء اتفاق الطائف، لم يتجرأ معظمهم حتى على التساؤل عن سبب تفرّد "حزب الله" دون غيره من الميليشيات اللبنانية بالاحتفاظ بسلاحه، فالواقع كان منطقياً وهو عجز الدولة وقتها عن القيام بواجباتها لتحرير الجنوب والبقاع الغربي، في حين أن "حزب الله" كان قد أطلق مقاومة أثبتت نجاحات واسعة في مواجهة العدو.
لقد تحمّل الناس شظف العيش وانخفاض النمو الاقتصادي وتخريب الخطط والمشاريع الرسمية للإنماء المتوازن على أساس أنها مشاركة منهم في مشروع المقاومة. وفي الوقت نفسه كان المواطنون يتجنّبون ذكر الحزب إلا إذا زيّنوا ذكره بآيات التبجيل والثناء. كل ذلك كان طبيعياً في سياق دور البطولة الحقيقية الذي لعبه "حزب الله" في ذلك الوقت.
العبور الى البلطجة
أتت سنة 2000 وحقّق "حزب الله" ما كان يظنه الناس حلماً في السابق وهو انسحاب إسرائيل من دون شروط من الأراضي اللبنانية المحتلة، من دون الدخول في جدلية مسألة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا المثيرة للجدل، كان من الطبيعي يومها أن ترتفع أصوات لتقول بأن مهمة "حزب الله" كمقاومة قد انتهت وأتى الوقت لتستلم الدولة دورها في الحفاظ على أمن الحدود، وقد شارك فيها يومها حتى وليد جنبلاط عندما تحدث عن الخيار بين "هانوي وهونغ كونغ". بالطبع فقد انبرى يومها أزلام النظام السوري في حملة كيل الشتائم والاتهامات وحمل السواطير لإرهاب من سوّلت لهم نفسهم إطلاق التساؤلات المشروعة.
لم يضطر يومها "حزب الله" الى تلويث نفسه بحملات الردود، لأن هناك الاحتلال السوري الذي ردع إمكانية أن تطول المطالبات الى حالة مطلبية وطنية، كما أن سفهاء أتباع النظام تولوا حملة البلطجة بدلاً من الحزب.
كل ذلك تبدل جذرياً بعد الخروج السوري، فكان لزاماً على "حزب الله" وأمينه العام أن يتوليا بنفسهما الحملة البلطجية لإرهاب المعارضين، لقد كانت المبادرة الأولى يوم 8 آذار 2005 عندما صرخ بالشكر لسوريا الأسد في وقت كان أكثر من الشعب اللبناني، وحتى جزء ممن تظاهروا في ساحة رياض الصلح، مقتنعين بشبهة النظام السوري في اغتيال رفيق الحريري. لقد جابهه الناس يومها بإرهاب مضاد يوم 14 آذار مما أسكته موقتاً.
وما هي إلا بضعة أشهر حتى ارتفعت أصوات شديدة الوضوح، معتبرة سلاح "حزب الله" سلاحاً خارجاً عن سلطة الدولة، وأن تسوية لوضع هذا السلاح أصبحت ضرورة وطنية. حتى أن البعض وصفوا هذا السلاح بسلاح الميليشيات. وهنا تخلّى الأمين العام لهذا الحزب عن وقاره عندما صرخ مهدداً وموجهاً كلامه الى اللبنانيين بأن "من يتجرّأ على نزع سلاح حزب الله سنقطع يده ونقطع رأسه وننتزع روحه".
وهنا، ومن هذا اللحظة خلع معظم قياديي "حزب الله" قناع الوقار، وأصبحت معظم خطبهم وكلماتهم تحتوي على مفردات يلفظونها عادة بالفصحى، تلخّص التوتر الواضح النابع من زوال الهيبة واختفاء العصمة، فتحوّل هؤلاء الى شتّامين بالأصالة بعد أن كان الآخرون يشتمون عنهم بالوكالة.
لذلك فإن ما سمعناه من نواف الموسوي في جلسة الثقة ما هو إلا تعبير عن عبور حزبه الخيط الرفيع الذي يفصل البطولة عن "البلطجة".