لا يزال مصير الثورات والانتفاضات العربيّة التي انطلقت في عدد من البلدان العربية، وخصوصا في سوريا وليبيا ومصر ضبابيا، في وقت تعيش دول الخليج على وقع صراع النفوذ المستمرّ بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران.
ووسط هذا الواقع المتأزم، أصدر معهد "ستراتفور" الأميركي للدراسات الاستخباراتية تقريره عن التوقعات الاستراتيجية للفصل الثالث من العام الجاري وقد جاء فيه:
الأزمة السوريّة
ستكافح سوريا في مسألة السيطرة على المنشقّين، ومن غير المرجّح أن تواجه خطرا حقيقيا في انهيار النظام. وستسبب الأزمة في سوريا، إضافة إلى تواصل دفق اللاجئين السوريين إلى تركيا، المزيد من التوتّر داخل الأخيرة، مما يؤدّي إلى المزيد من المواقف. إلّا أن هناك احتمالا ضئيلا في حصول مناوشات على الحدود.
ومع ذلك، فمن المرجّح أن تقوم كل من سوريا وتركيا في ممارسة المزيد من ضبط النفس على مسألة التعامل في ما بينهما، ما دام النظام السوري يستطيع المحافظة على كيانه.
سياسة تركيا الخارجيّة
ستواجه تركيا مزيدا من التوتر الداخلي بينما هي مجبرة على مواجهة حدود سياستها الخارجية في "المحافظة على انعدام المشاكل مع جيرانها". وإنّ القوى الجيوبوليتيكية الضمنية في سوريا والعراق ستواصل الضغط على تركيا لتأدية دورها الطبيعي كموازٍ لإيران. كما من المتوقّع حصول تقدّم على الجهود الإسرائيلية لترميم علاقتها بتركيا في الأشهر المقبلة.
خطوات مصر المقبلة
ستشهد مصر المزيد من التوترات في هذا الربع من العام، بينما يستعدّ النظام العسكري لتحضير الدولة من أجل الانتخابات المرتقبة في شهر أيلول. وأشار مركز الدراسات إلى إمكان حصول تأخير في الانتخابات المصرية، معربا عن شكّه في رغبة الجيش في العودة إلى الحكم عوضا عن التنظيم فقط. كما سيسعى الجيش المصري إلى استغلال الثغرات القائمة في صفوف المعارضة، ذلك بغية تقويض الصعود السياسي للجماعات الإسلاميّة المصريّة.
أوقات "حماس" العصيبة؟
وفي ملفّ قطاع غزّة، أورد التقرير أنّ مصر، وبالتعاون مع تركيا، ستقوم بدور قيادي في محاولة لاحتواء حركة "حماس"، وإبعاد المجموعات الإسلامية المسلّحة عن الحلف السوري-الإيراني. أمّا حركة "حماس" فسيكون تركيزها على الحفاظ على الترابط الداخلي في وجه الضغوط المتزايدة والمطالبة بعودة الحركة إلى العمل السياسي الصرف.
الحملة الليبيّة
تمّت الإشارة إلى حصول انقسام بين دول حلف شمال الأطلسي التي تشارك في قصف ليبيا خلال هذا الربع من العام. وعلى رغم أنّ الضربات الجويّة ستتواصل خلال الفترة المقبلة من أجل إزالة القائد الليبي معمّر القذافي من السلطة، فإنّ مباحثات ستبدأ في الوقت نفسه بين ليبيا الغربية والشركسة من أجل وضع أسس مفاوضات الحلّ. كما أن الأشخاص المسؤولين عن خلع القذافي من الحكم، سيبقون متردّدين في إشراكه في أي اتفاق مستقبلي. لذلك، ستدور المباحثات حول شخصيات أخرى من داخل النظام. ومن المتوقّع أن تقوم روسيا بإدارة هذه المفاوضات، بما أنها تستخدم الأزمة الليبيّة كموطئ قدم لها في قطاع الطاقة في منطقة شمال إفريقيا.
الصراع في الخليج
وتوقّع التقرير أن تسعى الولايات المتحدة إلى المحافظة على وجود قوي في العراق، بغية خلق توازن مع إيران عوضا عن انسحاب كامل. كما توقّع حصول تقدم بارز وراء الكواليس، في ملف المفاوضات الأميركية – الإيرانية قبيل نهاية العام، في حين تحاول واشنطن التعامل مع معضلة، ترك فراغ في السلطة في قلب منطقة ما بين النهرين ستملأها إيران.
ومع ذلك، فإنّ الصراع لم ينتهِ، وستواصل الولايات المتحدة محاولتها لإقناع أكثر الفصائل العراقية انفتاحا بدعم تمديد إقامة للقوات الأميركية. كما ستواصل إيران استخدام عوامل مؤثّرة في العراق، وخصوصا أعضاء من ميليشيا مقتدى الصدر، ذلك لتذكير كل من الولايات المتحدة والمسؤولين العراقيين في عواقب تحدّي رغبات إيران في هذه المسألة. كما ستحاول إيران، الواثقة بموقفها في العراق، تأكيد نفوذها في أفغانستان، وإقناع واشنطن بالحاجة إلى إنجاز مفاوضات أوسع مع طهران من أجل الخروج من الحرب.
ومع التركيز على البحرين، لدى إيران فرصة لتقويض استقرار جيرانها العرب على الخليج الفارسي، مستخدمة الاضطرابات الشيعية. ولكن من المرجَّح أن تمارس طهران المزيد من ضبط النفس وخصوصا في هذا الربع، بينما تحاول صياغة وثيقة تفاهم مع المملكة العربية السعوديّة.
أمّا المملكة فستتوخى الحذر الشديد من إيران، وستبقى مستعدّة لمساندة البحرين في سحق تظاهرات الشيعة المنشقّين الدورية. كما أنّ المملكة ستواصل فرز مسائل الخلافة الداخليّة خلال هذا الربع من العام، ولكنّها سترزح تحت ثقل محاولة تأمين انتقال سياسي مزعزع في اليمن بين أعضاء من قبيلة الرئيس صالح وقوى المعارضة الأساسيين.
تحقيق انتهاء الحرب الأفغانية
إنّ أهمّ تطوّر في الربع الثالث من هذا العام، على صعيد الاتجاهات العالمية، هو التحوّل المتزايد في الاستراتيجية الأميركية في أفغانستان، ذلك بعيدا من استراتيجية مكافحة التمرّد ونحو تحقيق انسحاب مستعجل.
هذا التحوّل، لن يكون ملحوظا على أرض المعركة خلال موسم الاقتتال الصيفي، ولكن سيتم توضيحه في المجال السياسي في كل من واشنطن وإسلام آباد خلال هذا الربع. كما أنّ الرئيس الأميركي باراك أوباما سيوازن بين قطع الطريق أمام المرشحين المناهضين للحرب والحفاظ على مظهر خروج منظَّم من الحرب، بينما الانتخابات الرئاسية الأميركية تزداد زخما. إضافة إلى أنّ أوباما سيحظى بقيادة عسكريّة جديدة لمساعدته على خفض جهود الحرب إلى مستوى أقلّ تواضعا وأكثر قابلية للتحقيق، وهو شلّ عمليات تنظيم القاعدة.
وأشار التقرير إلى أنّ باكستان ستشعر بالنتيجة المباشرة لهذا التحول في استراتيجية سياسة الحرب الأميركية في الأشهر المقبلة. كما ستنقسم القيادات الباكستانية في شأن التهديدات والفرص الذي يقدّمها الانسحاب الأميركي، والذي سيترك باكستان لتنظّف مشهدا جهاديا فوضويا، كما سيفسح في المجال أمام إسلام آباد لإعادة التأسيس لنفوذها في محيط المنطقة الشمالية الغربية.
وعلى رغم أنّ التقدم في هذا المجال ليس مضمونا على الإطلاق، سيتم معالجة عدد من الأمور وراء الكواليس. فمن المرجّح أن تعقد مفاوضات مضطربة بين الولايات المتحدة وباكستان، وبين باكستان وحركة طالبان الأفغانية، إضافة إلى مفاوضات بين حركة طالبان والولايات المتحدة عبر القناة الباكستانية.
علاقة روسيا بالغرب
وفي سياق آخر، جاء في الدراسة أنّ روسيا ستستكمل اتّباع سياستها الخارجية ذات المسارين مع الولايات المتحدة: زيادة التعاون مع واشنطن في ملفّ أفغانستان، بينما تتصدّى للنفوذ الأميركي في أوروبا الوسطى. كما ستواصل بناء علاقات مع ألمانيا، وسيتجلّى ذلك من خلال تشغيل أنابيب الغاز الطبيعي، وعبر توقيع صفقات اقتصادية كبيرة.