كتبت ليندا مشلب في صحيفة "الجمهورية": منذ أسبوعين واللبنانيون مسكونون بهاجس القرار الاتهامي، ويساورهم شعور قلق وترقّب شديد لما سيترتب على هذا القرار من تداعيات وخصوصا بعدما تجاهله حزب الله، لا بل قرر مواجهته بخطط مضادة تدين المحكمة الدولية. وترتفع وتيرة هذا القلق مع بدء العد العكسي المفترض لتنفيذ القرار وتسليم المتهمين الذين سيرفقون برزمة جديدة من الأسماء، حسب المعلومات التي تقاطعت من اكثر من مصدر بأنها ستصدر قبل نهاية الشهر، وهي الفترة الزمنية المتبقية والفاصلة، التي حددتها المحكمة الدولية لتسليم المتهمين الاربعة المطلوبين بموجب مذكّرات توقيف دولية، مع الإشارة الى أن مجال المفاجآت مفتوح، وعليه تتزاحم تساؤلات كثيرة في وضع غامض ومعقد جدا:
هل إنّ التوصل الى تسوية ما زال متاحا؟ وفي حال تعذّر الأمر، أي وضع سينشأ بعد مرور هذه المهلة؟ هل تبقى الأزمة في إطارها السياسي أم تتفلت من ضوابطها وتنتقل الى الشارع؟ ماذا سيكون موقف رئيس الحكومة نجيب ميقاتي بعد انقضاء المهلة؟ كيف ستكون ردة فعل "حزب الله" وأي خطط لديه لمواجهة كل مرحلة من مراحل مسار المحكمة؟ وهل سيقبل بكل التعهدات التي قطعها ميقاتي أمام النواب والشعب بأنه ملتزم مسار المحكمة؟ وماذا عن تمويلها؟
واذا كان حزب الله نجح عبر حملة مركزة وتصاعدية في تهشيم صورة المحكمة الدولية والنيل من صدقيتها، كما في إفراغ القرار الاتهامي من مفاعيله المعنوية والسياسية التدميرية، فإنّ الرئيس سعد الحريري نجح كذلك في الصمود وترتيب الضغوط والحملات التي يديرها من بعد، كما في تكريس المحكمة الدولية كقضية أولى و"خط أحمر" لدى الطائفة السنية التي لا ينفك يعمل على تعزيز زعامته فيها وسحب البساط من تحت قدمي رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الذي يمارس حاليا سياسة رد الهجمات بعدما اضطر إلى ضبط سقف طموحاته في معركة "بقاء واستمرار".
ويقول المراقبون إن ثمة مأزقا عاما وشاملا لا يوفّر أي جهة داخلية وحتى اقليمية، بحيث يجد الجميع أنفسهم في ورطة فعلية، ومعنيين بنتائجها وتداعيتها، ما يجعلهم يشعرون بخطورة الموقف ويتهيبونه. وهذا الواقع يفسّر كيف أن الجميع يلعبون على حافة الهاوية ويتفادون السقوط فيها.
فقوى 14 آذار تخوض معركة صعبة التكافؤ الخارجي فيها وتواجه اختبارا قاسيا وتحديا مبكرا لسلطتها وزعامتها، كما أن هامش المناورة لديها يضيق زمنيا، وخياراتها لا تزال تدور وتتمحور بين إسقاط الحكومة والمحكمة.
وحزب الله، وهو "الأقوى على الأرض" إلى درجة تتيح له حسم الوضع الذي يريد، يجد أنّ التحدي لديه في هذه الفترة ليس الحسم أو القدرة على ذلك، إنما في إخراج لبنان من وضع كثير التعقيدات والحساسية في ظل توازن دقيق وهش بين الأكثرية والمعارضة حيث لا وجود في قاموسه لأي "حرب داخلية"، يمكن ان يخلّفها القرار الاتهامي، فهو يمسك بالسلطة ولا مصلحة له في قلب الطاولة عليه وعلى حلفائه.
لكن يبقى التحدي الابرز هو ذلك الذي تواجهه الحكومة الناشئة في استحقافاتها الداخلية والخارجية. فمحليا، تتوقع الحكومة معارضة شرسة من قوى 14 آذار تطاول كل مجالات عملها، علما أن هذه القوى بصدد تشكيل حكومة ظل تراقب عمل حكومة ميقاتي، في استعادة للتجربة الانكليزية، إنما بطريقة مختلفة.
وتنتظر الحكومة تفاصيل القرار الاتهامي، والتي قد تكشف مع نهاية مهلة تسليم المتهمين الاربعة في آخر تموز، وتتوقع مذكّرات توقيف جديدة.
ويتربّص بها ملف التعيينات الادارية والامنية والقضائية والدبلوماسية، وهو ملف شائك ومتشعب قد يؤدي الى خلافات بين افرقاء الحكومة على تقاسم الحصص، علما ان حجم الشغور في الادارات العامة هو في حد ذاته تحد قائم، اذ على الحكومة ان تتخلص من رواسب عقلية المحاسيب وتنصرف الى تعيينات تراعي الكفاية والمهنية. اما الملف المعيشي والاقتصادي مع ارتفاع نسب البطالة وزيادة هجرة الشباب، والملف المالي المعقد مع نسبة المديونية العالية وخدمة الدين العام التي ترهق الخزينة، فهما احد ابرز التحديات القائمة نظرا الى التعقيدات المرتبطة من جهة، والى قلّة هامش التحرّك أو المناورة فيه بسبب ضعف الإمكانات المالية للدولة والبرنامج الاقتصادي والمالي المتوقع الذي يتناقض في كثير من وجوهه مع برامج النهج الحريري، بدءا وليس انتهاء بكل ما يتعلق باجتماعات باريس من جهة أخرى. ويبقى محليا مشاريع الكهرباء والطاقة والمياه، وهي تفترض تمويلا كبيرا. والحكومة امام حلّين: إما مزيد من الاستدانة، وإما فرض ضرائب جديدة.
دوليا، يرى دبلوماسي أوروبي بارز أن الحكومة ستخضع لمراقبة أوروبية – اميركية لصيقة لآلية مقاربتها القرار 1757 (إنشاء المحكمة الدولية)، وخصوصا بعد ان تعمد البيان الوزاري "الغموض الخلاق" وبحث عن اضافات لغوية (مبدئيا – احترام بدل التزام…) لكنّ الرئيس ميقاتي تحدث في البرلمان عن التزام القرار 1757. هل هو توزيع ادوار ام تباين مستتر نتيجة الضغوط التي تعرض لها في الشارع السني، خصوصا ان للرجل حساباته الانتخابية والمناطقية والمذهبية ايضا. وفي رأي، الدبلوماسي نفسه ان الحكومة ستواجه كذلك مراقبة اوروبية – اميركية، لكيفية تصرفها في الملفات التي تعني الغرب وخصوصا الشرعية الدولية المتمثلة بقرارات مجلس الأمن، وفي طليعة هذه الملفات الملف السوري وكيفية تصرف لبنان حيال أي اجراءات دولية محتملة ضد سوريا على خلفية الأحداث الحاصلة فيها، كاشفا ان احد مسؤولي الولايات المتحدة – تناقضت المعلومات حول هويته – وتردّد انه فيلتمان، سيزور بيروت الأسبوع المقبل للتشاور في كل هذه الملفات.