احتضنت حماه للأسبوع الثاني على التوالي أكبر تظاهرة شعبيّة منذ انطلاق حركة الإحتجاجات في سوريا، فنزل نحو نصف مليون معارض إلى شوارعها مجددّين المطالبة بإسقاط نظام الأسد بالتزامن مع تظاهرات عمّت المدن السوريّة كافة، حيث انضم أكثر من 14 قتيلا إلى قافلة السوريين الذين سقطوا بنيران قوات الأمن. لكن التطوّر الأبرز، الذي قد يجعل "جمعة اللاحوار" مفصليّة، جاء ديبلوماسيا عبر زيارة سفيري الولايات المتحدة الأميركيّة روبرت فورد وفرنسا ايريك شوفالييه إلى حماه لمعاينة الوضع ميدانيّا. ما اشعل جبهة دمشق – واشنطن.
فورد يستفز دمشق بزيارته حماه
أثارت الزيارة التي قام بها السفير الاميركي لدى دمشق روبرت فورد لمدينة حماه الخميس والجمعة مزيدا من التوتر في العلاقات بين سوريا والولايات المتحدة، وخصوصا بعدما لحق السفير الفرنسي أريك شوفالييه بالسفير الاميركي في خطوة اعتبرت جهدا غربيا منسقا للضغط على النظام السوري ومساندة المعارضة.
وأعربت دمشق عن استيائها من زيارة فورد واتهمته باجراء اتصالات مع "مخربين". لكن واشنطن استغربت رد الفعل السوري على الزيارة وأكدت ان وزارة الدفاع السورية كانت على علم مسبق بها.
ورفضت الناطقة باسم وزارة الخارجية الاميركية فيكتوريا نيولاند بشدة قول الحكومة السورية ان زيارة فورد لحماه من شأنها زيادة التوتر في البلاد. ووصفت الموقف السوري بأنه "هراء في المطلق"، معبربة عن انزعاجها لأن دمشق قالت ان الزيارة كانت مفاجئة. ذلك أن السفارة أعلمت وزارة الدفاع السورية بأن وفدا من السفارة سيزور حماه. وأضافت: "ان فورد التقى الجمعة عددا من المتظاهرين والمواطنين العاديين الذين يطالبون بالتغيير في سوريا، وعاد بعدها الى دمشق"، مشيرة بصراحة إلى شعورهم بالانزعاج من رد الفعل السوري الرسمي، الذي "لا معنى له". وأوضحت ان السبب الرئيس لزيارة فورد هو "اظهار التضامن مع حق الشعب السوري في التظاهر السلمي".
وأفادت ان فورد الذي امضى ليل الخميس في حماه، تجوّل في المدينة الجمعة "وقد تجمع المتظاهرون فوراً حول سيارته في جو ودي ووضعوا الزهور على الزجاج الامامي للسيارة، وكذلك اغصان الزيتون وهم يهتفون بسقوط النظام. لقد كان مشهداً لافتاً". ولاحظت ان فورد "ادرك عندها اولاً انه اذا خرج من السيارة فسوف يصير هو القصة، وثانياً انها ليست فكرة جيدة ان يبقى الى ما بعد الظهر، لان هدفه هو اظهار الدعم للنشاطات التي يقوم بها السوريون انفسهم للمطالبة بحقوقهم… لذلك قرر مغادرة المدينة في الساعة الاولى والنصف وقت كانت تؤدى فيه الصلاة وقبل بدء التظاهرات، وهذا ما فعله. وهو الآن في دمشق".
واشارت الى ان لقاء فورد المتظاهرين حول سيارته ووضع الزهور عليها قد صوّره الناشطون السوريون الذين وزعوا شريط اللقاء على موقع "يو تيوب".
وروت ان فورد التقى الخميس مواطنين سوريين عاديين بينهم اصحاب محال وشباب في الشوارع، وعندما بدأت سيارته تغادر حماه "واكبته الى خارج المدينة مجموعة من الشباب على الدراجات النارية لضمان عدم تعرضه لاي مشاكل امنية لدى خروجه من المدينة، وهو لم يتعرض لاي حادث".
وفي رفضها الانتقادات السورية ذكرت الناطقة بأن فورد عبر نقطة تفتيش عسكرية وان السلطات العسكرية كانت تعرف بزيارته، و"بصراحة ما نقوله للحكومة السورية هو ان عليهم ان يركزوا اهتمامهم على ما يقوله المواطنون، عوض تضييع وقتهم على انتقاد السفير فورد". وقالت انها لا تعرف ما اذا كانت الحكومة السورية ستقدم احتجاجاً رسمياً على الزيارة، مشيرة فقط الى بيان الاحتجاج الصادر عن وزارة الخارجية السورية.
وشددت على ان فورد التقى مصادفة مساء الخميس السفير الفرنسي في حماه، وان هدف السفير الفرنسي مماثل لهدف فورد وهو "انها اللحظة المناسبة لان نؤكد وقوفنا مع الشعب السوري وهو يتظاهر سلمياً في مطالبته بالتغيير". واعتبرت ان زيارة فورد حماه كانت ضرورية "كي يكون شاهداً" على ما يحدث في المدينة بسبب منع السلطات السورية وسائل الاعلام من تغطية ما يحدث في البلاد، اذ ان الوسيلة الوحيدة لمعرفة ما يحدث هو اشرطة الفيديو للهواتف النقالة التي تبث على شبكة "يو تيوب".
وقالت الناطقة ان السفارة اعلمت وزارة الدفاع السورية بزيارة فورد لحماه، وقد اصطحب فيها الملحق العسكري وضابطاً آخر، لضمان عدم وقوع اي حوادث امنية. وارتأت الناطقة عدم التعليق على القيود التي تضعها الحكومة السورية على السفراء وتحركاتهم، ولاحظت "ان السفير السوري في واشنطن عماد مصطفى يسافر ويتحرك بكل حرية ولا يطلب اي اذن مسبق من الحكومة الاميركية".
ورفضت الناطقة الادعاء القائل ان زيارة فورد لحماه يمكن ان يستخدمها النظام في اتهامه اميركا بأنها تؤجج التظاهرات، وقالت ان الزيارة اتاحت للسفير فرصة ان يشاهد بنفسه ما يحدث في المدينة ويرفع تقريراً بذلك الى واشنطن، وقد ركّز على الاوضاع السلمية في المدينة، وغياب العناصر الامنية في المدينة باستثناء مركز قيادة حزب البعث. وكررت ان الزيارة ليست تدخلاً، بل تمثل دعماً لحقوق المواطنين السوريين.
ودحضت ادعاءات الحكومة السورية ان عناصر خارجية تقف وراء ما يحدث في البلاد، وان هناك عصابات من الشبان يقومون بأعمال التحريض. "وهذا ما لم يشهده السفير، ما شاهده هو سوريون عاديون يطالبون بالتغيير في بلادهم". كما نفت ادعاءات مستشارة الرئيس الاسد بثينة شعبان ان للسفير علاقات بعناصر سورية متطرفة، قائلة ان الذين التقاهم فورد في حماه هم مواطنون عاديون مثل اصحاب المحال التجارية والطلاب.
من جهته، الملحق الاميركي في السفارة الاميركية في دمشق جاي. جايز هاردر ان "الحكومة السورية لا تنفك تؤكد ان المشكلة في حماه هي وجود عصابات مسلحة. ان السفير فورد لم ير اي دليل على وجودها" في هذه المدينة التي شهدت الجمعة تظاهرة ضخمة قدر ناشطون عدد المشاركين فيها بـ450 الف شخص.
ونقلت وكالات دوليّة عن مصدر ديبلوماسي أميركي في العاصمة السورية ان فورد "أراد من خلال زيارته أن يرى التظاهرات التي تشهدها مدينة حماه ويشارك فيها عشرات آلاف، ما إذا كانت سلمية أم لا ". وأضاف "لقد شاهد السفير فورد المظاهرات ولم يكن فيها أي عنف من أي جانب على الإطلاق".
وقالت وزارة الداخلية السورية في بيان "إن السفير الأميركي روبرت فورد التقى بمدينة حماه بعض المخربين"، وانه "حضهم على التظاهر والعنف ورفض الحوار". واضافت: "أن السفير الأميركي التقى في حماه أيضا بعض الأشخاص تحت غطاء زيارته بعض المشافي بالإطار ذاته".
واعتبرت الوزارة ذلك "تحريضا على استمرار العنف وعدم الإستقرار ومحاولة لتخريب الحوار الوطني الجاري بين القوى الوطنية الشريفة وتعميقاً للشقاق والفتنة بين ابناء الشعب السوري الواحد الذي يرفض رفضاً قاطعاً مثل هذا التحريض الأجنبي ويستنكره بشدة".
وكانت الخارجية السورية قالت إن زيارة السفير فورد إلى مدينة حماه جاءت من دون أذن مسبق من الخارجية واعتبرتها محاولة للتحريض على تصعيد الأوضاع التي تخل بأمن واستقرار سوريا.
وقال مصدر مسؤول في وزارة الخارجية السورية "إن وجود السفير الأميركي في مدينة حماه من دون الحصول على الإذن المسبق من وزارة الخارجية وفق التعليمات المعممة مراراً على جميع السفارات دليل واضح على تورط الولايات المتحدة بالأحداث الجارية في سوريا ومحاولتها التحريض على تصعيد الأوضاع التي تخل بأمن واستقرار سوريا". وأضاف المصدر"إن سوريا إذ تنبه إلى خطورة مثل هذه التصرفات اللامسؤولة، تؤكد وبصرف النظر عن هذه التصرفات، تصميمها على مواصلة اتخاذ كل الإجراءات الكفيلة باستعادة الأمن والاستقرار في البلاد".
باريس تؤكد زيارة سفيرها لحماه
وفي باريس، أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية برنار فاليرو إن زيارة شوفالييه كانت ضمن عدة زيارات قام بها لمراقبة الاضطرابات. واضاف: "تعبر فرنسا عن قلقها بشأن سكان حماه وإدانتها للعنف ضد المحتجين على يد السلطات"، داعيا الأسد للافراج عن السجناء السياسيين وبدء إصلاحات.
حماه تقلب التوقعات… والموازين؟؟؟
قلبت حماه في "جمعة لا للحوار" كل التوقعات مجدداً، فسيّرت للمرة الثانية خلال أسبوعين أكبر تظاهرة قدرت بمئات الآلاف، وودعت السفير الأميركي روبرت فورد بعد يومين من زيارة الى المدينة بالورود التي انهمرت على سيارته فيما كان شبان غير مسلحين يحيطون بالموكب الديبلوماسي ويحمونه.
واذا كانت حماه المحررة والمحروسة من قبل لجان شعبية افرادها غير مسلحين احتفلت شوارعها بـ"جمعة لا للحوار" من دون ان تسيل دماء فيها نتيجة لخلوها من عناصر الأمن و"الشبيحة"، فإن مدنا أخرى حشدت مئات الألوف أيضا، وواجهت رصاص الأمن و"الشبيحة" الذي أوقع عشرات القتلى والجرحى.
وشهدت عدة مدن سورية تظاهرات تلبية لدعوة وجهها ناشطون تحت شعار "لا للحوار" مع النظام الذي يواصل قمع حركة الاحتجاج الشعبية في مختلف انحاء البلاد وحصد قمعه عشرات القتلى بحسب ناشطين.
واكدت مصادر عدة ان نحو نصف مليون شخص تظاهروا في ساحة العاصي والشوارع المؤدية لها وسط مدينة حماه داعين الى رفض الحوار والى اسقاط النظام، بغياب عناصر الأمن، الذين تحول اللجان الشعبية الموزعة على مداخل حماه، من دخولهم الى المدينة.
فيما اعلن رئيس "الرابطة السورية لحقوق الانسان" عبد الكريم ريحاوي "مقتل خمسة متظاهرين في مدينة حمص ومتظاهرين في حي الميدان وسط العاصمة دمشق بنيران رجال الامن خلال تفريق مظاهرات".
أما في معرة النعمان، اعلن ناشط حقوقي ان الجيش اطلق نيرانه رشاشاته الثقيلة على سيارة مدنية كانت تسير على اوتوتستراد حماه ـ حلب الذي يمر في المدينة وعلى متنها اسرة كانت تحاول الفرار من حماه الى حلب. واضاف ان رب الاسرة قتل على الفور بينما اصيبت زوجته وابنتاهما بجروح بليغة وقد نقلتا الى احد مستشفيات المدينة. واكد ايضا اصابة خمسة متظاهرين بجروح بليغة خلال اطلاق قوات الامن النار على تظاهرة شارك فيها الالاف اثر صلاة الجمعة في وسط معرة النعمان.
واكد رئيس "الرابطة السورية لحقوق الإنسان" عبد الرحمن "ان اكثر من 24 شخصا اصيبوا عندما حاولت قوات الامن تفريق تظاهرات جرت في عدة احياء في حمص"، مشيرا الى ان "جروح بعضهم خطرة". واشار الى قيام قوات الامن "بحملة اعتقالات ومداهمات مستمرة في عدة احياء في حمص".
ولفت رئيس المرصد الى "حالة غليان" اعقبت التظاهرات داخل مدينة حمص. واضاف "عاد الناس للتظاهر في الشوارع احتجاجا على ماجرى من قمع"، مشيرا الى "سماع صوت اطلاق نار كثيف في حي القصور وعبور 5 حافلات كبيرة تقل عناصر امن باتجاه حي الخالدية حيث تسمع أصوات اطلاق نار".
وذكر رئيس المرصد ان "قوات الامن قامت بتفريق نحو مئة الف متظاهر في مدينة دير الزور"، مشيرا الى "سقوط نحو عشرة جرحى بينهم اصابتان خطرتان اثناء تظاهرة في الميادين شارك فيها الالاف".
كما لفت الى "مظاهرة شارك فيها الالاف في ادلب اطلق فيها رجال الامن الرصاص والقنابل المسيلة للدموع لتفريق المتظاهرين"، مشيرا الى "سقوط عدد من الجرحى".
واشار عبد الرحمن الى ان الأجهزة الامنية اطلقت "الرصاص الحي في محاولة لتفريق تظاهرة كبيرة خرجت من مساجد الاحياء الجنوبية في مدينة بانياس"، مشيرا الى "استمرار سماع صوت اطلاق الرصاص في المدينة"، ومؤكدا ان "القوات السورية فرقت اكثر من الف متظاهر وذلك باطلاق قنابل مسيلة للدموع عليهم في الرقة".
ولفت الى "انطلاق تظاهرة في حي الرمل الجنوبي في مدينة اللاذقية تهتف لحماه ولاسقاط النظام"، موضحا ان "المتظاهرين حملوا علما سوريا طويلا". واضاف ان "نحو سبعة الاف متظاهر خرجوا في كنصفرة (ريف ادلب)" رغم التواجد العسكري منذ ايام في منطقة جبل الزاوية.
وذكر ريحاوي ان "الالاف خرجوا للتظاهر في مدينة ادلب وقرى ريفها كما في بنش وسراقب وخان شيخون وكفر نبل تفتناز"، مشيرا الى "خروج تظاهرة نسائية في مدينة ادلب وتظاهرة في جاسم (ريف درعا)". وأضاف: "ان الاف المتظاهرين هتفوا برفض الحوار وإسقاط النظام ونصرة المدن المحاصرة في سقبا وقطنا وجديدة عرطوز وقارة والقابون والزبداني ومضايا والقدم وداريا ونهر عيشة وبرزة (ريف دمشق)".
الى ذلك، ذكر رئيس اللجنة الكردية لحقوق الانسان رديف مصطفى ان "متظاهرين في عين العرب تفرقوا في عدة احياء ضيقة بعد ان منعتهم قوات الامن من التظاهر"، مشيرا الى "حضور امني كثيف وغير مسبوق في الساحات التي تشهد عادة التظاهرات مما اثار انزعاجا لدى الفئات الاجتماعية والاحزاب الكردية". واضاف ان "عامودا خرجت بالالاف"، ولافتا الى "مشاركة نسائية غير مسبوقة" في هذه المدينة وقال ان "خروج اكثر من 5 الاف متظاهر في القامشلي تضامنا مع حماه".
وذكر ناشط في اللاذقية ان "تظاهرة خرجت في حي الطابيات في اللاذقية الا ان قوات الامن هاجمتها واعتقلت مشاركين فيها"، موضحا ان "المتظاهرين فروا نحو حي الصليبة حيث لحقتهم قوات الامن".
واشار ناشط اخر من حلب الى ان "الاف الاشخاص تظاهروا في عدة احياء في حلب حيث اعتدى عليهم رجال الامن واعتقل العشرات لمطالبتهم باسقاط النظام".
كما شهدت احياء "ركن الدين والقابون ومساكن برزة والحجر الاسود مظاهرات تضامناً مع حماه. وخرجت تظاهرات في ريف دمشق وهي "القدم، سقبا، الكسوة، داريا، معضمية، جديدة عرطوز، قطنا، الزبداني، مضايا، الضمير حيث سقط قتيل وخمسة جرحى".
ورفع المتظاهرون في اغلب التظاهرات لافتات (حماه با بنت العاصي كل رجالك على راسي.. يا للعار يا للعار سلمية وتضرب بالنار.. لا للحوار مع الدبابات.. الأطفال يقتلهم المجرمون.. الموت ولا المذلة).
