نالت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي الثقة باكثرية يوم 25 كانون الثاني 2011 – اكثرية الصدمة الانقلابية على ارادة الشعب الحقيقية المعبر عنها في انتخابات 2009 – فهنيئا للبنان حكومة نصاب نواب الثقة فيها قسم منهم انقلبوا على ارادة الشعب لان تلك الارادة بالنسبة لبعضهم باتت "سلعة للمتاجرة" والتنازل والتفرغ لبعض المكاسب المناطقية والمذهبية.
اما وقد حصل ما حصل تحت قبة البرلمان خلال الايام القليلة الماضية، فإن ما استوقفنا ابعد بكثير واعمق بكثير من مجرد عراك كلامي من هنا وتشابك بالايد من هناك ( لم يرق الى مستوى برلمان "تايوان" ولكنه بات سابقة في تاريخ برلمان لبنان) – فاننا نود التوقف عن الاتي:
اولا: ان ما حصل في جلسات الثقة زادنا قناعة ويقينا من ان ما نعاني اليوم منه في لبنان هو بحق وحقيقة ازمة هوية وطنية – تتجاوز ازمة الحكم وازمة النظام الى ما هو ابعد من ذلك الا وهو اعادة طرح موضوع هوية لبنان.
فالفرز الحاصل والاصطفاف المتحكم بين اللبنانيين لم يعد بعد جلسات الثقة وقفا على موضوع السلاح والمحكمة بقدر ما اصبح مستحكما حول اساس كينونة هذا الوطن: بين فريق لا يرى لبنان الا تابعا لمحور من محيطه القريب والبعيد وبين فريق يرى امكان قيام لبنان اولا مستقلا سيدا حرا بحساباته الخاصة وبافضلية ولاء شعبه له قبل اي ولاء اخر.
لذا نعتبر ان الازمة التي انفجرت منذ سنوات وتحديدا منذ 2005، بدأت تتحول بعد 7/7/2011 الى ازمة وجودية للبنان يتحدد على اساسها مصير العائلات الروحية والنسيج الفسيفسائي اللبناني – انطلاقا من سؤال اي لبنان نريد واي دور للبنان.
في الخمسينات والستينات برزت معادلة وطنية تفيد بأن لبنان يكون مع القرار العربي عندما يتوحد العرب ويكون حياديا عندما يختلفون… فاين نحن اليوم من هذه المعادلة اذا ما اسقطمناها على سياسات المحاور التي رهن فريق لبناني نفسه لها من دون استئذان ولا هوادة ولا اعتبار للرأي اللبناني الاخر؟
ثانيا: برز من جلسات الثقة الاخيرة ان قسما من اللبنانيين لم يعودوا للبنان كله – لدرجة ان حكومة لبنان باتت حكومة اكثرية مزيفة ومزورة خضعت وخنعت لضغط السلاح والقمصان السود – واتجهت بالبلاد الى امكنة اخرى ظهر جليا في خلال مناقشات البيان الوزاري ومداخلات النواب انه ذاهب بحكومة لبنان الى ان تكون بدورها حكومة نصف لبنان رغم ارادة النصف الاخر – وهنا نعيد ونوضح باننا بالتأكيد مع القاعدة الديمقراطية في تداول السلطة ولا تحفظ لنا على ذلك ابدا – والتداول بمفهومه الدستوري والقانوني والسياسي هو بين اكثرية تعبر عن حقيقة ارادة الشعب واقلية تعبر عن حقيقة ارادة الشعب – فهل التداول الذي "يهتوننا" به اليوم هو تداول بموجب ارادة الشعب؟
طبعا لا، لان الارادة الشعبية في 25 كانون الثاني الماضي "اغتصبت" واختطفت بفضل شبح السلاح ولغة القوة غير الشرعية التي لا تزال تطيح بقوة الشرعية – وبالتالي فلا يحدثنا احدا عن مبدأ سامي كتداول السلطة لان السلطة لم يتم تداولها ديمقراطيا ولان الاكثرية الشعبية لم يتم احترام ارادتها … فهل نسوا كيف انقلب "حزب الله" وامينه العام في اليوم التالي على نتائج انتخابات 2009 في الحديث عن اكثرية شعبية في مواجهة اكثرية صندوقة الاقتراع؟
هؤلاء الـ 68 نائبا الذين صوتوا للثقة باتوا يمثلون محورا اقليميا، فقط وليس الشعب اللبناني رغم النص الدستوري الذي يجعل نائب البرلمان نائب الامة … فاين هم من الامة اليوم ومن ارادة الامة ؟؟؟
ثالثا: اهم ما خرجت به جلسات البيان الوزاري اخيرا خلاصة نراها واضحة كعين الشمس: غالب هم حزب الله قوى "8 اذار" ومغلوب واحد ليس قوى "14 اذار" بل لبنان الميثاق الوطني…
لبنان النظام الديمقراطي البرلماني الحر…
لبنان المساواة في الحقوق والواجبات بين اللبنانيين في ظل الدستور…
لبنان المساواة بين مواطنيه فلا مواطنة درجة اولى ومواطنة درجة ثانية…
لبنان التوافق والديمقراطية التوافقية… التي كانوا هم في اساس منظريها يوم كانوا اقلية…
لبنان الوئام الوطني والعيش المشترك…
لبنان لبنيه المدافعين عن مصالحه الوطنية العليا فوق وقبل اي اعتبار اخر…
لبنان المنفصل عن ازمة الشرق الاوسط وتداعياتها السلبية عليه ليبني نفسه وحصانته الداخلية بعيدا عن الـثأثيرات والمؤثرات… من دون المس بالتزاماته العربية القومية العامة والمتوافق عليها في اطار جامعة الدول العربية ومواثيقها…
فيصح شعار الحزب على علَمه "بانهم هم الغالبون"، ولكن وللاسف ليس ضد العدو الاسرائيلي بل ضد لبنان الدولة… لبنان مشروع كل ابنائه… لبنان الدولة القوية الموحدة القادرة والسيدة على كامل ترابها…
اعان الله لبنان على حكومة انفصالية عن ارادة شعبها…
لبنان والولاء للمحاور نفيان… فهل يؤلفان امة؟
