قد يكون الطابع المكاني الذي سيواكب الاطلالة التلفزيونية الاولى للرئيس سعد الحريري غدا عبر شاشة الـ "ام تي في"، بعد اشهر الغياب الطويلة عن البلاد وعن المسرح الاعلامي، موازيا في اهميته او اكثر للمضامين السياسية لمواقفه المرتقبة. فالمسألة هنا سترتسم في أذهان الجمهور العريض الذي يؤيده ويدين بالولاء لقوى 14 آذار من زاوية مختلفة تماما حتى عن تلك التي اعتاد ان ينظر عبرها الى زعيمه سواء في محطاته الرسمية التي كان الحريري مقلا فيها طوال توليه رئاسة الحكومة السابقة او حتى في آخر اطلالاته الشعبية في الذكرى السادسة لانتفاضة 14 آذار.
غدا يتحدث الحريري "زعيما مبعدا قسرا"، بفعل قوة قاهرة، من شبه المنفى الباريسي. فمن ذا يصدق ان ينقلب دولاب الزمن ويعود الى هذه المتاهة؟ واي سخرية قدر هذه ان يرغم الابن على الابتعاد القسري في لحظة اطلالة القرار الاتهامي في قضية الاب المغتال بأبشع انماط التصفيات؟
لعل الرئيس الحريري وحده مع قلة من محيطه يمتلكون السر الامني الذي غيب رئيسا للحكومة عن البلاد كان لا يزال في طور ممارسة المسؤولية ولو في تصريف الاعمال. لكن استباق الاطلالة يغدو امرا نافلا من زاوية الفضول الكبير لمعرفة تأثير "هبوطها" على الجموع من الخارج هذه المرة، ومن موقع الابتعاد او الابعاد القسري. يعيد هذا التطور الى الاذهان واقعا مقيما اعتاده جمهور عريض آخر. فالسيد حسن نصرالله أبعد او ابتعد قسرا عن الاطلالات الشعبية المباشرة منذ حرب تموز 2006 وباتت اطلالاته محصورة بالشاشة الصغيرة. فأي مفارقة ثنائية هذه ان يتطابق الابعاد القسري على الزعيم السني الاقوى مهددا بالاغتيال مثله على الزعيم الشيعي الاقوى مهددا من اسرائيل؟
في لبنان زعماء آخرون لا تقل ظروفهم وحيثياتهم ومواقعهم خطورة من حيث الاستهدافات المحتملة او المحققة التي تتهددهم. ينسحب الامر خصوصا على زعماء واقطاب ورموز مسيحيين ودروز ولو ان "مشروع" الفتنة يسلط الضؤ على ثنائية الرموز السنية والشيعية كلما هبت موجة احتدام، ناهيك عن كوكبة محتملة اخرى من نواب وسياسيين ونخب في مواقع مختلفة. لكن الامر لا يتصل "بنجومية"حصرية اطلاقا، واي نجومية هذه تتأتى من تهديد لحياة أي زعيم واي سياسي واي مواطن؟
المفارقة المفجعة بمعاييرها هنا هي ان تستحضر اطلالة زعيم من الخارج مسألة شديدة القسوة والوطأة بواقعيتها وهي ان لبنان لم يصبح بعد ملاذا آمنا للحريات رغم كل ادعاء معاكس. والبعد الاشد قسوة هو ان يغدو الاقطاب والعباد اسرى هذا الواقع كلما توغل لبنان في درب الصراع المفتوح بين العدالة والاستقرار. وفي لبنان وحده سيسأل الناس طويلا ألم يحن وقت قيامة ما يتعارف على كونها دولة محققة المواصفات علها تبدأ من حيث يجب الآن وهو منع هذا الانهيار المريع في المعايير الذي يرغم اللبنانيين قسرا على المفاضلة بين العدالة والاستسلام؟