أرسلت صحيفة الـ"Sunday Telegraph" البريطانية أحد الصحافيين في زيارة سرّية إلى داخل سوريا، حيث نقل من خلال مشاهداته أنّ الشعب السوري عاقد العزم على مواصلة الضغط لإطاحة الرئيس بشار الأسد.
وقد قصد هذا الصحافي مدنا عدّة في رحلته السرّية التي دامت أسبوعا، وأظهرت "مدى هشاشة سيطرة الحكومة على الوضع العام، على رغم الحملة التي أودت بحياة أكثر من 1400 شخص منذ آذار الفائت"، مستعينا بأسماء مستعارة ورحلات تضليلية. انسلّ الصحافي البريطاني عبر المدن المحاصَرة، مختبئا بين المتظاهرين. وقد شهد في تنقلّاته عبر البلاد، المدن المحرّرة والتظاهرات الواسعة المندّدة بالنظام الحاكم، وكذلك الاشتباكات المسلّحة والمعارك العنيفة.
وأضافت "أنّ هذه هي سوريا التي لا يريد بشار لأحد أن يراها، ولهذا السبب طلب توقيف الصحافيين الأجانب وفرض الرقابة والحظر عليهم". ونقل الصحافي أن حماه، رابع أكبر مدينة في سوريا، قد أصبحت ساحة معارك، مضيفا أنّ في غضون بضع دقائق من وجوده فيها، وبصفته شخصا أجنبيا، تهافت إليه الناس ليتباهوا بسقوط النظام الوشيك.
وخلال حواراته مع الأهالي، قال له أحد سكان المدينة: "عائلة الأسد هذه، مجموعة من المجرمين والقتلة"، مضيفا وقد امتلأ بالعاطفة لحصوله على فرصة سرد الوقائع إلى شخص أجنبي: "أبلغوا إلى العالم أجمع: سكّان حماه يقولون إنّ هذا النظام انتهى".
وفي مدينة دير الزور، حيث قُتل ستة أشخاص في آخر اشتباكات، نقل الصحافي مشاهدته تدمير مظاهر النظام، حيث تمّ تمزيق صور بشار وحافظ الأسد وإحراقها، وهدم تماثيلهم في الشوارع. وفي مقهى، حيث كان بعض الشبان يلعبون الورق، وصف أحدهم كيف فقدت الحكومة السيطرة على المدينة، قائلا: "حاول الجيش دخول المدينة قبل بضعة أسابيع، ولكن سرعان ما اضطّر إلى الانسحاب". أضاف: "الحكومة تعلم أنّ العشائر في المنطقة الشمالية مسلّحة وتتمتّع بدعم العراق، وإذا تمّ مهاجمتها ستقاتل"، لافتا إلى أنّ "دير الزور هي أكبر مدينة في المنطقة، وإذا كانت مناهضة للحكومة، فذلك يعني أن المنطقة الشرقية بأكملها كذلك".
وأشار الصحافي إلى أن القوات المسلّحة السورية قد تصدّت للمتظاهرين في شكل وحشي. وفي الواقع، يقول السكّان إن الجنود السوريين قُتلوا على أيدي الأجهزة العسكرية، بعدما رفضوا إطلاق النار على المتظاهرين العزّل واختاروا عوضا من ذلك الانشقاق عن الجيش. ويضيف: "إن الفرقة الرابعة في الجيش السوري، هي في الواقع جيش ماهر الأسد الخاص، وجنودها هم الأكثر ولاء وتدريبا". وحسب ما سمعه الصحافي البريطاني، فقد دخل جنود الفرقة الرابعة إلى البنك المركزي السوري، وبعد فترة قصيرة، خرجوا وفي حوزتهم حقائب خضر منتفخة، من المفترض أنها "مملوءة بالعملة الصعبة لدفع تكاليف عمليات النهب التي نفذوها في أماكن أخرى".
وحين زار الصحافي منطقة اللاذقية، شاهد أنّ الطرق المؤدّية إلى المرفأ قد امتلأت بمعدّات النظام العسكرية وآلياته، إضافة إلى وجود عناصر من ميليشيا الشبّيحة، أخطر أشكال القوات السورية بسبب وحشية عناصرها. كما تم وضع حراسة مسلّحة قرب تمثال حافظ الأسد في المدينة خوفا من تدميره. ونقل الصحافي حواره مع أحد السكّان المحلييّن، أبو حمزة، الذي تحدّث عن العنف الذي أدّى إلى مقتل الكثير من الشبّان في المدينة، مشبّها "ما حصل في شهر آذار هنا بالمجزرة".
ووصف أبو حمزة تفاصيل الأحداث: "لمدة عشرة أيام، قتل الجيش كل من يمشي في الشارع. كنت أظّن أن إسرائيل هي عدوّتنا، ولكن حتى الإسرائيليين يستعملون الرصاص المطاطي، ويصوّبون على أرجل الناس، كما يسمحون لسيارات الإسعاف بنقل المصابين إلى المستشفيات. وبتّ أعرف الآن أنّ النظام السوري هو عدوّنا الحقيقي".
كما شرح أبو حمزة أنّ المتظاهرين يرفضون الادّعاءات بأنهم متعصبّون دينيا ومتطرّفون، ويقولون إنهم أصبحوا راديكاليين بسبب ما شهدوا في الأشهر المنصرمة على أيدي عناصر النظام. ونقل الصحافي البريطاني أن أبو حمزة كغيره من السوريين يرفض التدخل الأجنبي، حتى لو كان لمصلحته، ولا يرفضون أيضا نظرية المؤامرة، ويقول أبو حمزة: "نعم، هناك مؤامرة، من إيران والصين وروسيا وحزب الله والرئيس السوري ضد الشعب السوري". مضيفا: "ولكن نحن السوريين، علينا المحاربة وحدنا".
وأكّد أبو حمزة أن النظام لن يستسلم بسهولة، كما أنّ مؤامرات الدفن الجماعي التي يسهر عليها هذا النظام لن تكون الأخيرة، وإنما هذا النظام لم يعد كلي القدرة والوجود، شارحا أن "على النظام المحاربة من أجل اللاذقية، ولكنه غير قادر على المحاربة في كل مكان في الوقت نفسه".