عندما كان يؤكّد رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، خلال ردّه على مناقشات النواب في جلسات الثقة بحكومته، أنه سيبقى وفيّا لما التزمه في شأن متابعة المحكمة الخاصة بلبنان التي تنظر في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، معلنا أنه سيستمر فيها ولن يتراجع عنها مهما تعرّض لضغوط، فاجأه الرئيس فؤاد السنيورة سائلا: "هل ستحوّل المصاري؟" أي الأموال المتوجّبة للمحكمة الدولية من لبنان. فهم الرئيس ميقاتي في سرّه ما يقصده السنيورة في سؤاله، إنما هو فضّل تجاهله وعدم الردّ عليه، متهرّبا من أي التزامات يمكن أن تؤثّر في مصداقيته في المستقبل، إن باتجاه محيطه السنّي، المصمم في غالبيته على معرفة حقيقة من دبّر ومن اغتال الرئيس الشهيد، أو تجاه المجتمع الدولي لما لذلك من انعكاسات سلبية على البلد وعلى علاقات رئيس الحكومة الدولية ومصالحه الخاصة.
فالسؤال، حسب مصادر نيابية في 14 آذار، عن تمويل المحكمة، هو بمثابة المحكّ الفاصل بين المجتمع الدولي وحكومة الرئيس ميقاتي، التي تنطلق في عملها بعد انسحاب ما يقارب نصف المجلس النيابي، على وقع انقسام سياسي كبير، ظهرت تجلّياته في الصخب الذي رافق جلسات الثقة، والتي أظهرت فرزا سياسيا كبيرا وخطيرا في آن. مشيرة إلى أنّ هامش المناورة الذي اعتمد في البيان الوزاري وتدوير الزوايا سوف يضيق أمام ميقاتي وحكومته في غضون الأسابيع القليلة المقبلة، حيث ستنتهي مهلة الشهر المعطاة لتنفيذ مذكّرات التوقيف بحق المتّهمين الأربعة، ولا سيّما أن هناك قناعة لدى قوى المعارضة بأن الانقلاب الذي استهدف حكومة الرئيس سعد الحريري لم يكن ليحصل إلا للإتيان بحكومة تعمل على تغيير المسار الذي كانت تسلكه في موضوع المحكمة الدولية. مؤكّدة أنّ مسألة تمويل المحكمة الدولية استحقاق يؤدّي إلى وضوح في الأداء، فإما تمويل وإما لا تمويل، الأمر الذي يظهر بكثير من الوضوح نيّة الحكومة في التعامل مع هذا الملف الشائك. لافتة إلى أنّ هذه الورقة هي التي يمكن المعارضة أن تستخدمها في وجه حكومة الرئيس ميقاتي، وخصوصا عندما ستقوم المحكمة بمطالبة الحكومة الجديدة بتسديد المتوجّب عليها، والذي كان أقرّ في البروتوكول الموقّع بين لبنان والمحكمة الدولية، ويقول بضرورة سداد لبنان متوجباته عن العامين 2010 و2011.
وأكّدت المصادر نفسها، أن بعد تجاهل الرئيس ميقاتي مطالب قوى 14 آذار في ما يتعلّق بتأكيد حكومته استمرار التعاون مع المحكمة، أصبح لزاما على المعارضة أن تعدّ العدّة، وضمن ما ينصّ عليه الدستور والقانون، لإطاحة هذه الحكومة التي فرّطت في دماء الشهداء من خلال عدم التزامها التعاون مع المحكمة لإظهار الحقيقة كاملة وتحقيق العدالة حفاظا على كرامة الشهداء الذين دفعوا أرواحهم ثمنا لسيادة لبنان واستقراره.
ولفتت إلى أنّ هناك خيارات عدة يجري تداولها للبحث في كيفية تنفيذ هدفها الأساسي المتمثّل بإسقاط الحكومة الميقاتية وهي كالآتي:
ــ المجلس النيابي: حيث المعارضة البرلمانية البنّاءة عبر المؤسّسات الدستورية ووفقا للأصول الديمقراطية لتكون بالمرصاد لكل إجراء حكومي.
ــ خيار الشارع السلمي من خلال تنفيذ تظاهرات أو إضرابات بهدف الضغط في اتجاه إسقاط الحكومة.
ــ تنظيم تكتّل المعارضة النيابي وقوامه 60 نائبا وتحويله إلى مؤسّسة فاعلة داخل المجلس النيابي تسلك طريقها في اتجاه المعارضة البنّاءة من خلال توجيه أسئلة واستجوابات إلى الحكومة بهدف إغناء الحياة السياسية الديمقراطية في لبنان، لا ضربها كما فعلت قوى 8 آذار في معارضتها حين أقفلت المؤسّسات وعطّلت العمل البرلماني والوزاري.
وخلصت المصادر ذاتها إلى أن كل ما يعلن عن تصميم لدى الحكومة الحالية لعدم الوصول إلى أي مواجهة مع المجتمع الدولي والقرارات الدولية، لا يعكس الموقف الفعلي لرئيس الحكومة أو للوزراء، لأن ما عبّر عنه الأمين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصرالله يشكّل جوهر المقاربة الحقيقية لملفّ المحكمة الدولية والقرار الاتهامي، ولو ارتدت هذه المقاربة إخراجا لغوياً مختلفا عمّا كان أعلنه السيد نصرالله عن عدم اعتراف
"حزب الله" بالمحكمة، لأنّ هذا الإعلان يشكّل الموقف الفعلي والواقعي لفريق الأكثرية الذي يقوده "حزب الله" من هذه القضية الشائكة.