إن التسامح والاعتدال والوسطية هي السبيل للوصول بالوطن الى شاطئ الأمان، بهذه العبارة يستقبل فريق عمل "الحكومة" زوّاره على موقعه الإلكتروني، عبارة لا تخلو من خارطة طريق تقود في نهاية المطاف، كما ورد آنفا، إلى "شاطئ الأمان" (غير القريب من شاطئ الأوزاعي). ولم يكتف فريق العمل بهذه العبارة الفضفاضة، الحاملة في طيّاتها بذور انضمام لبنان عبر "حكومته الحلم" الى الاتحاد الأوروبي، وإن كان موقعه الجغرافي لا يقارب القارة القديمة الا عبر قبرصها، بل أصرّ الفريق على دعوة الزوّار إلى التجوّل عبر أقسام الموقع، والاطلاع على نشاطه وآرائه الواضحة والصريحة "مبدئيا"، كاشِفا أن من أولويّاته مساعدة الناس لتنمية قدراتهم ومهاراتهم، "تماما كما هي الحال في باب التبّانة على سبيل المثال لا الحَصر.. وإلى جانب العبارة المرحّبة تلك، هناك، وطبعا لمن يرغب، إمكانية التواصل المباشر معه… فكانت المحاولة، ثوان قليلة وأتت الإجابة: غائبة عن السمع فهي منهمكة في الرد على مناقشات النوّاب لبيانها الوزاري، يرجى الاتصال لاحقا أو الانتظار قليلا؛ "أووف" قصُرت المسافة بين المسؤول والمواطن!
وما إن انتهى الكلام السياسي المبدئي بُعيد نيل "الحكومة الصفراء" الثقة، حتى انقطع الإنترنت بسبب ضغط ملايين المهنئين من لبنان والمهجر على "الحكومة الحلم" . وراحت المهرجانات تعمّ مختلف المناطق اللبنانية فرحة بـ "البشرة السارّة" غير المقدسة، أجراس البلدات المسيحية في كسروان قرعت فرحا، طرُق العاصمة بيروت ضاجَت من جرّاء أصوات "زمامير" السيارات، ولا سيما "زمور التحرير" الذي مَنعه يوما، وبقرار حكومي، مَن يتحالف مع مُطلقيه اليوم… أطفال المدارس خرجوا الى الطرق العامّة يلوّحون بالعلم اللبناني (الباقي على حاله حتى إشعار آخر) رافعين شعار "كلّنا للوطن" (من دون أن يستطيع قارئ الشعار، تحديد هويّة مَن الـ "كلّنا" أو معرفة "الوطن" المقصود). المطاعم وزّعت الطعام على الفقراء الذين أيقنوا أن "لا جوع بعد اليوم"، مع حكومة تَحوي "فتّوشاً" في طبقها الرئيسي.
عوائل الشهداء قصدت المدافن لإخبار مَن تركها يوما دفاعا عن "وطنه لبنان" أنّ فَجر الوطن بَزغ.
باختصار، عَمّت أجواء الفرح مساحات الوطن، وراحت الاحتفالات تنتقل من منطقة إلى أخرى، حَيث "ذَبح الخراف" وحلقات الدبكة وأجمل اللوحات الفولكلورية.
الجميع فَرح من دون استثناء، فلم يعد لِما يُسمّى بالماروني أو الشيعي أو الدرزي أو السني من وجود، وباتت وجهة الانتماء عقب "الخطاب المبدئي" واحدة لا ثانية لها، وهي "الثلاثية" (غير ثلاثية الشوط الخامس في ميدان خيل بيروت).
اقتربَت عقارب الساعة من بداية اليوم الأول في عمر الحكومة الموثوق بها، بدأ وهج الاحتفالات يخفت في المناطق، وحان وقت الراحة تمهيدا لترجمة "كلّنا للعمل". منذ ساعات الصباح الأولى خَلت الساحات من "المناضلين"، نُكّست الأعلام، غاب صوت الأغاني الشعبية المرحّبة بالمارد الآتي من قلوب الشعوب… وفجأة استفاقت ميشلين (في العقد التاسع من العمر) ورفضت العودة الى النوم، مُصرّة على رؤية بزوغ "الفجر البرتقالي الجديد" التي تنتظره منذ انتهاء الحرب في العام 1990.
حاول أبناء ميشلين، ومعهم الجيران، إقناعها بعدم الجدوى من الانتظار الطويل، إلّا أن عزيمتها كانت أقوى من خداعهم، كيف لا، وهي سمعت بأذنيها الصالحتين مُناصري "الجماعة البرتقالية" ومَن يدور في فلكها يتكلمون عن سويسرا الشرق الجديدة عَقب إقفال باب السراي الحكومي في وجه من عادوا وقطعوا له one way ticket؟
ميشلين من حقها انتظار ذاك البزوغ، ولكن من حق عائلتها معرفة السبب الكامن وراء إلحاحها القوي… فراح بكرها "نجيب" يتكلم معها عن أمور شتّى، لعلّه ينسيها إصرارها، سبيلا لإقناعها بالخلود الى النوم… ولكن عبثا حاول، واستمرّت ميشلين تروي كيف ستقام سكك الحديد التي تربط بين منطقة الرابية وبراد، وكيف ستقيم قناة ال"O" حلقة خاصة مباشرة من منطقة "الحرية والاستقلال"، وتتطرق فيها الى إنجازات "الحكومة الحلم"… فجأة، تتوقف ميشلين عن السرد، وتسأل عائلتها :"هل لا تزال الاحتفالات قائمة في الساحات والشوارع احتفاء بحكومة "سْمِيّي"؟".
حينها، نظر أفراد العائلة إلى بعضهم البعض متفاجئين، قبل أن يجدوا علبة ال "Tramal" بالقرب من السرير، فأدركوا أن كلامها ليس أكثر من هَلوسات. هَلوسات قد تقود الى كابوس!