ماذا يقول الحريري للحلفاء والأخصام وبم يردّ على الاستهداف؟
صامد ومستمر في المعارضة واستشراف المستقبل
كأن اسقاط حكومته واخراجه من الحكم لم يشفيا غليل أخصامه، فظلت حملة استهدافه على الصعيدين السياسي والشخصي مستمرة وبوتيرة متنامية وصولاً الى مرحلة اتهامه بالتنازل عن المحكمة الدولية التي انشئت للنظر في اغتيال والده الرئيس رفيق الحريري.
هكذا كانت حال الرئيس سعد الحريري مع اخصامه السياسيين المحليين والاقليميين منذ ألّف حكومته الاولى متمسكا بحرص شديد على أن تكون حكومة وحدة وطنية تتمثل فيها كل القوى السياسية رغم خروجه من الانتخابات النيابية صيف 2009 مظفرا وبأكثرية نيابية تتيح له الاستئثار بالسلطة.
خطأه الاول وفق مصادر سياسية رافقت مسيرته، كان عندما وافق على اعادة انتخاب الرئيس نبيه بري رئيسا للمجلس النيابي من دون توافقات مسبقة وشاملة على الحكم. وخطأه الثاني التسليم بالنيات الحسنة التي ابداها أكثر من فريق سياسي في الحكومة حياله، بدءا بـ"التيار الوطني الحر" مرورا بـ"حزب الله"، على قاعدة ان التسليم بهذه النيات سيتيح فتح صفحة جديدة تصفو فيها القلوب وتنتقل الى العمل الجدي والمنتج الذي يحقق مصالح المواطنين ويلبي حاجاتهم، فكان البيان الوزاري طَموحا، ولحظ الإنفاق الاستثماري القطاعات الاساسية، ولا سيما الكهرباء، من أجل دفع العجلة الاقتصادية والانمائية.
وكان الخطأ الثالث خضوعه للضغوط العربية ولا سيما السعودية منها، التي وضعته على طريق دمشق ودفعته الى اعتبار شهود الزور مضللين للتحقيق الدولي، الى ان كانت مبادرة "السين سين" ثم المبادرة القطرية التركية وصولا الى اقتراح مؤتمر المصالحة والمسامحة بغطاء عربي، وكلها مبادرات تلقفها الحريري بالتعاطي الايجابي حفاظا منه على الاستقرار والسلم الاهلي، على ما تضيف المصادر عينها. وكل هذا تلقفه جمهور الرابع عشر من آذار بالتفهم والقبول والغفران، انطلاقا من التجيير الشعبي الذي اعطته القاعدة لزعيمها في قضية ارتأت انه الاصلح والاوحد القادر على ادارتها ومعالجتها لايصالها الى خواتيمها. فماذا كان؟
كان أن احبطت كل المبادرات، وأُلغيت كل الافكار وأُسقطت حكومة الحريري في تعبير يعكس رغبة الاخصام ليس فقط في اسقاط المحكمة الدولية وملف شهود الزور (الذي اسقط آخر جلسة لمجلس وزراء حكومة الحريري ولم يطرح للمفارقة على جدول اعمال اول جلسة لحكومة رئيس الوزراء ميقاتي علما ان قوى 8 آذار اشترطت عدم المشاركة في اي جلسة حكومية لا يكون ملف شهود الزور بندا أول على جدول اعمالها!)، وانما اخراج الحريري من السلطة والاجهاز على كل ارث الحريرية السياسية في السلطة والادارة.
وعلى مدى نحو 3 أشهر ومنذ مغادرته لبنان في 22 نيسان الماضي، اعتصم الرئيس السابق للحكومة بالصمت واختار الابتعاد عن المناخ السياسي المتشنج داخليا وسط تكهنات متباينة حول الاسباب التي تقف وراء هذا الصمت والغياب منها اسباب امنية ومنها مالية واخرى نفسية.
لكن الحريري بعد تأليف الحكومة ونيلها ثقة المجلس وبعد حملات الاستهداف وصولا الى التجريح في بعض الاحيان، وبعد صدور القرار الظني في جريمة اغتيال والده ورفاقه، قرر الخروج عن صمته وذلك لأكثر من سبب:
– أولها ليؤكد انه لا يزال مرحَّباً ولم يُشطب بعدُ من المعادلة السياسية، كما يتمنى ويعمل البعض لذلك، وانه صامد ومتماسك ومستمر في خوض المعركة على رأس المعارضة.
– وثانيها ليتوجه الى قاعدته الشعبية وحلفائه ليطمئنهم الى مسار العدالة ويرسم لهم خريطة طريق مسار المواجهة التي ارتأتها المعارضة الجديدة.
– وثالثها الى الاخصام، ليرد على الاتهامات التي سيقت ضده والتنازلات التي لفقت له.
لكن اهم ما في اطلالة الحريري في رأي المصادر السياسية عينها، انها تحمل دلالات الى ما ستكون عليه عناوين المرحلة المقبلة انطلاقا من مجموعة عناصر شكلت في ما مضى عناوين سياسية بارزة في المشهد الداخلي:
– منها ان صفحة مبادرة "السين سين" ( والتي يعول البعض على إحيائها انطلاقا من الموقف السعودي الاخير حيال الحكومة وسوريا) قد طويت.
– كما ان صفحة المبادرة التركية القطرية التي اسقطتها المعارضة السابقة بإسقاط حكومة الحريري قد طويت بدورها، بعدما دفع الاحساس بفائض القوة لدى قوى محلية واقليمية الى ذبح "الاوزة التي كانت ستبيض البيضة الذهبية" على حد تعبير لاحد السياسيين المخضرمين.
وأمام الواقع الجديد الذي فرضه قيام حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، تعرب المصادر السياسية عن اقتناعها بأن ما سيحرص عليه الحريري في اطلالته هو الاضاءة على المرحلة المقبلة، وذلك انطلاقا من الوقائع والمعطيات والمتغيرات التي لا يمكن اغفالها او تجنبها، والتي افرزها وجود فريق 8 آذار في السلطة وتكوّن معارضة منبثقة من قوى 14 آذار فضلا عن التغيرات التي تشهدها المنطقة، وكل ذلك مبني على اساس المحافظة على وحدة البلاد وعدم اللجوء الى أي من انواع العنف.
وتضيف المصادر قائلة أن جمهور 14 آذار لا يتوقف فقط عند حاجته الى فهم حيثيات المرحلة السابقة وخلفياتها، ولا يطلب تبريرا أو اعذارا عنها، بل اعترافا ربما بأخطائها وانما ينتظر أن يسمع من زعيم "المستقبل" رؤيته الى مستقبل البلاد والضمانات حوله وخصوصا ان الاداء السياسي لـ"حزب الله" المربَك بملف المحكمة، او لرئيس الحكومة المحاصَر بالتحديات، لم يرسم صورة واضحة لمستقبل البلاد.