"من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام"
(المتنبي)
لقد ذكرني الرئيس نجيب ميقاتي عند مراقبتي له وهو يشم زهرة الغاردينيا بشكل مسرحي في جلسات الثقة في مجلس النواب، برسم كاريكاتوري معروف لثلاثة قرود واحد معصبة عيناه وواحد مقفلة أذناه وثالث مكموم فمه للتعبير عن "لم أسمع، لم أر، لم أقل". لم يسمع الرئيس ميقاتي ما قاله السيد حسن نصر الله مؤكداً له بأنه عليه ان ينتظر ثلاثمائة سنة ليتمكن من القبض على المتهمين في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ومع ذلك عاد ليؤكد على التزامه بالقرار 1757.
ولم ير تأثير انتشار ميليشيات "حزب الله" في المحطات المعروفة وكيف قضت على سلطة وهيبة رئاسة الوزراء تكراراً، واصرار السيد حسن على اعتبارها "يوماً مجيداً"، ومع ذلك فقد عاد ليؤكد على العمل على ازالة السلاح الميليشيوي "المقاوم" من المدن. وهو لم يقل شيئاً في السابق عن التزامه ببيان الثوابت الاسلامية وغيرها من المحطات، ليتصرف كأن شيئاً لم يكن ويشطب بشكل فوضوي ما كتبه حسب ما يقول بقلم حبر.
في الحياة العامة كما في الحياة السياسية، تأتي فرص كثيرة، ولكن هناك ما يسمى بالفرص الذهبية وهي التي تأتي نادراً، أو ربما مرة في حياة الانسان. لقد أتت هذه الفرصة للرئيس عمر كرامي في 14 شباط 2005 يوم اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لقد كان يكفي الرئيس كرامي يومها ان يستقيل تعبيراً عن عجزه عن تأمين الحماية لزميل له في نادي رؤساء الوزراء، وان كان يخشى التعبير عن احتجاجه، كان بدلاً من ذلك قام باجراءات واضحة لمحاسبة المسؤولين عن الأمن، أو ربما اعتكف الى حين البدء بتحقيق جدي حول الجريمة، أو قرر عدم حضور جلسات مجلس النواب لمتابعة الأمور كأن شيئاً لم يكن كما حاول فعله رئيس مجلس النواب نبيه بري عندما دعا الى جلسة عادية. أو ربما كان ترك القصر الحكومي ولو مؤقتاً ليجلس ويتقبل التعازي مع عائلة الشهيد ويعبر ولو بالمواربة عن امتعاضه او حزنه او احتجاجه. وعلى علمي فقد حاول العشرات من محبي آل كرامي اقناع الرئيس عمر كرامي يومها بحركة ما ولو استعراضية ليتوج على قلوب مئات الآلاف من اللبنانيين، ولربما كان بقي رئيساً للوزراء لسنوات طوال، ولكنه لم يستجب تحت ضغوط حلفائه ودولة الاحتلال الذين أتوا به لإتمام معالم الجريمة.
قد تكون الفرصة طرقت باب الرئيس كرامي، ولو بصورة أضعف، بعد إعلانه الاحتجاج الظريف على طريقة السيد حسن في إعلان نعيه على الملأ واستدعائه الرئيس ميقاتي بدلا منه. لقد ظن بعضنا يومها انه سيثور لكرامته الى ان رأيناه يستجدي ممن نعاه بالذات، موقعاً سيبقى هزيلاً لابنه طالما انه مفروض على الناس كالعلقم.
كنت أظن الوضع مختلفاً مع الرئيس نجيب ميقاتي الذي يملك من المقومات اضعاف الرئيس كرامي، فهو شاب نسبياً وأفقه السياسي مفتوح، وثري لدرجة لا يحدها عقلنا البسيط، كما انه لا يزال يتخفى تحت ستار وهمي من الوسطية في حين ان الرئيس كرامي اعلن ولاءه للحلف السوري ـ الايراني علناً ومنذ زمن.
لذلك، وبعد تجربة رئاسته للوزارة الوسطية سنة 2005، كنت مع غيري من المرحبين بالتعاون معه في انتخابات 2009 على أساس انه سيؤدي الى تصليب وضع طرابلس السياسي تحت شعارات واضحة يومها تحدثت عن العودة الى الدولة، ورفض السلاح غير الشرعي وبتأكيد الالتزام بالمحكمة الدولية.
يوم أسقطت حكومة الرئيس سعد الحريري كانت القضية على خلفية واحدة واضحة اعلنها السيد حسن وهي اسقاط المحكمة الدولية لبنانياً. لذلك فقد كان من الواضح ان استحضار أي رئيس وزراء جديد كان على أساس انه سيتعاون مع حزب الله في اسقاط المحكمة في لبنان، كنت بصراحة أظن ان الرئيس ميقاتي سيرفض التكليف من حيث الشكل على الأقل لاستنكاره طريقة استدعائه من قبل رئيس حزب هو في صراع مع الجزء الأكبر من ناخبيه. أو أنه سيرفض لأنه ملتزم بالمحكمة الدولية بالأساس وليس "مبدئياً"، وأنه اخذ العبرة من زميله الرئيس كرامي وقرر ان يستبدل موقع رئاسة الوزراء المستجدي من عند حزب الله بزعامة تجعل رئاسة الوزراء في موقع تحصيل حاصل في سنوات عمره المديد، ولكنه ارتضى ذل التكليف على وقفة عز تحتاج الى قوة أعصاب ومتانة شخصية ليأتي ويكلف بتصفية ما سعى اليه اللبنانيون ودفعوا ثمنه دماً وهو زوال الوصاية والاستقرار دون سلاح خارج الشرعية، والعدالة عن طريق المحكمة الدولية. صدق الزعيم انطون سعادة عندما قال: "ان الحياة وقفة عز فقط".