على رغم المظاهر الإحتفالية التي رافقت عملية تشكيل الحكومة ثم نيلها ثقة المجلس النيابي، فإن ثمة حقائق دقيقة وحساسة وخطيرة تتعلَّق بتوازن البلد ويُفتَرَض برئيس الحكومة نجيب ميقاتي أن يُدركها.
من هذه الحقائق ان الشرعية الدولية والمجتمع الدولي يراقبان عن كثب أداء رئيس الحكومة والحكومة في القضايا التالية:
حركة تنقل الأموال بين لبنان وبعض الدول العربية التي تشهد احتجاجات وقلاقل، فإذا تجاوزت هذه الحركة السقف المعتاد فإن منظمات النقد الدولية ستتخذ إجراءات صارمة بحق لبنان، لذا فان ليس من مصلحة لبنان المغامرة في (الربح السريع) أو (المردود العاجل) لأن ذلك سيجعله يدفع ثمناً لا طاقة له على تحمله.
* * *
القضية الثانية التي لا تقل أهمية عن الاولى، كيف سيتعاطى في الامور الحياتية الملحة كالضمان الإجتماعي و(القرار العظيم) الذي يقضي برفع الغرامات وجدولة الأقساط أم يترك الأمر الى الحكومات والأجيال المقبلة ان تتابع، هذا إذا أخذ الرئيس الميقاتي بعين الاعتبار المؤسسات الخاصة الصامدة منذ حرب 2006 المدمرة، يكون فعل بلاءاً حسناً جداً.
هذا الملف الحياتي الصحيح أخفّ بكثير من كيفية تعاطيه مع المحكمة الدولية، تُراقب الأمم المتحدة بدقة كيفية تعاطي الحكومة اللبنانية مع المحكمة الدولية، لا تعنيها كثيراً ما يقوله الأطراف الآخرون، فهي في نهاية المطاف تتعاطى مع حكومة ومع شرعية وليس مع أطراف أياً تكن قوتهم وفاعليتهم وقدرتهم.
بهذا المعنى كيف سيتعاطى الرئيس نجيب ميقاتي مع هذا الوضع الضاغط في لبنان وليس في (كابري) على سبيل المثال?
هل سيكون ملتزماً بموقف 8 آذار أم سيحاول تدوير الزوايا للإيحاء بأنه مع المحكمة الدولية?
لن تُمرر على المحكمة مسألة التذاكي، وكل شيء سيتوضَّح في خلال شهر بعد أن تكون المهلة المخصصة لتسليم المطلوبين قد انتهت.
* * *
عندها، وفي حال عدم تجاوب لبنان، فإن العقوبات يمكن ان تواجهه، وفي هذه الحال هل ستنفع استراتيجية التذاكي في تلافي هذه العقوبات؟
يُخشى أن يُصار إلى إلهاء اللبنانيين بأمور تفصيلية، هي من صلب عمل الحكومة وبديهياتها، والإغفال عن القضايا الهامة والبارزة كعلاقة لبنان بشعبه وناسه ومؤسساته وشركاته وصناعته المتعثرة، وعندها ماذا ينفع لبنان إذا ربح تعيينا من هنا أو هناك وفقد صمود اقتصاده؟
* * *
لم يعد هناك أي بلد في العالم يعيش بمنأى عن سائر البلدان، لم يعد هناك بلد يستطيع ان يدعي بأنه دولة عظمى بإمكانها الإستغناء عن سائر الدول، فكيف بالحري إذا كان بلداً صغيراً كلبنان يحتاج في كل شيء إلى غيره من البلدان الصديقة، القريبة منها والبعيدة؟
* * *
لا ينفع لبنان بشيء سوى العمل الداخلي الصرف وعدم الدخول في سياسة المحاور لأن هذه السياسة من شأنها أن تقضي عليه، وهذا التحذير ليس جديداًُ إنما الخطر ان يتناساه المسؤولون اللبنانيون فلا يقعون وحدهم ضحيته بل الشعب اللبناني بأكمله، ولهذا الوقوع مفاعيل سلبية على مصالحهم سواء الإستثمارية أو المصرفية أو المستقبلية، فهل رئيس الحكومة واع لهذه المخاطر؟