#adsense

نيّالك يا بترون!! – (بقلم أرزة بو عون)

حجم الخط

الجبران ان حكى! هو الشعور بالسطحية أمام عظمة فيلسوف. هو الاحساس بالسخف بحضرة المفكّرين. هو التماس النقص عند هالة الكمال وهيبته. هو الشلل الكامل بحضور "الزعيم" فكيف اذا تحنّن ونطق؟!!

انحنت البترون والجوار القريب والبعيد، عندما لاح طيف المعجزة في افق الايام، يغزل على دروبها، الصيف وحنكة خبير عانى ما عاناه من ويلات، وعبر ما عبره من تجارب، وخاض ما خاضه من بطولات، فاذ به أمير الاحلام يقبّل الاميرة المستغرقة في صقيع النوم، ويبعث في حناياها دفء الروح، فتستيقظ من سبات الجهل، وتفتح عينيها على شفاه الحبيب…نيالك يا بترون!!

ها هو، ها هو يتمشى في أسواقها، هيك وبكل بساطة وكأنه من عامة الشعب! يدوس الارض كما ندوسها نحن تماما، ولا يخشى أن تدوسه عربات الزمان. يأكل مثلنا، يتواضع ويأكل مثلنا. ينظر الى الشمس. هو معجزة مثلها ومعجزة على معجزة لا تلتقيان، تفونس عيناه فينحني مرغما. هو أيضا ينحني ولا يخشى أن يقع عن رأسه التاج. تاج المعرفة والفضيلة بالتأكيد التي استقاها من النبع مباشرة، هناك نبع الحياة في الرابية، وينابيع مربى العزّ والدلال. ولعل الاغرب في كل هذا، انه يتكلم بطلاقة نساء الفرن. يفهم في كل شيء يخزي العين، ولا يحجب معرفته الفائضة عن "شعبه" الفائض، الذي يكاد، يكاد، يتخطى سور حديقته الغناء في قصره المضياف في البترون!

هي مدينة تعيش التاريخ. تكتبه سطرا سطرا، حرفا حرفا، يوميا وبالدقائق، على صفحات الزمن الذي سيصير معه، ابو المجد وامه وكل عائلته والسليلة. أنا أحسدهم. كلنا نفعل. كلنا نحسدهم، أنا ابنة كسروان، وأبناء المتن والبقاع وبيروت، نيالو الشمال، نيالها جران وجدرا وحردين وعكار وشكا وزغرتا والكورة، وكل ذلك الشمال الذي لم يعد حزينا، نيالهم لانهم ان لم يروه عبر شاشات العمر، على الاقل يلثمون عطره، أو يشعرون بخبطة قدمه على الارض الهدارة، أو يطنطن صوته المحشرج "السكسي" الشجي الاوتار والنغمات، في آذانهم العطشى لنبرة الحكمة، ولوقع الزعماء حين تزلزل الارض بنار خطاباتهم.

أحسب أحيانا وأنا استمع اليه… أقصد وأنا أمزمز الحروف ومخارجها، خصوصا مخارجها، يلتبس علي المكان والزمان والصوت والصورة. أخالني أرى الشيخ بشير وأنا مأخوذة حتى الانخطاف به، أو لعله تشي غيفارا، وأحيانا يذهب بي الالتباس الى حد الخيال المطلق، فأظن انه ونستون تشرشل، وعندما يجنّ الخيال ويأخذ مني كل مأخذه، وأمتطي جواد الريح والاسطورة، فأجد نفسي أمامه "هو"، شخصيا بصوته بجلاله بحكمته بخفته، فأظن اني بحضرة جبران …خليل جبران بالتأكيد!

ربما صار يجب أن أعيد النظر بمهنتي، وانصرف الى كتابة الروايات، بعدما اكتشفت قدرتي على الخيال وابتداع الصور الجمالية النادرة. أو ربما حان لوقت لاعترف بثقل الزمن، واستشير طبيبا نفسيا يفسّر لي ظاهرة خيالي الجامح المريض. المشكلة اني وانا أطرق بعنف باب الاربعينات، ما زلت "ولاّدية" الطبع والمعرفة والتصرفات، ولا أكتشف كل هذه المصائب، الا عندما يظهر "هو" أمامي. هو ضميري الحاضر والغائب، وضمير الامة كذلك! هو اللاوعي المتمرّد والوعي المكبوت. هو الطبيب المداوي، ووحده وحده سيشفي علل هذا الوطن، الذي انتظر طويلا طويلا طويلا، ليتحنّن عليه الدهر ويرشقه أخيرا بـ "نيزك" مماثل من هذا العيار الثقيل. هو ظاهرة لا ولن تتكرر، ومهمتها تطهير لبنان من معارضة، ظنّ بعض الاغبياء بداية انها تخريبية، فاذ بها ولاّدية سخيفة، وتحتاج الى دور حضانة ترعاها، برعايته لانه وحده من اكتشف هذه الواقعة المريرة الخطيرة، وله الحق الادبي والحصري باقتلاع تلك المعارضة الولادية من جذورها، او تربيتها على يديه خطوة خطوة، فتصبح معارضة بناءة مجيدة في حدها الادنى، الهية في مداها الابعد، فتحرس له مواقفه، وتؤمن على موارده في الوزارات المدرارة كالابقار الحلوب.

آه لو كنت ابنة البترون، لكنت الان ابنة الاكثرية الجديدة الحديثة النعمة، ولحجزت لنفسي مكانا في صفحات التاريخ حدّه تماما ولا أقبل غير مكان، لكني… لست من البترون…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل