توشك الأزمة السوريّة على طيّ شهرها الرابع من دون أن تلوح في الأفق ملامح لأيّ تسوية قد تهدّىء من صخب الشارع في المحافظات الأربع عشرة، وتهدي القيادة سبل استيعاب وإنهاء أكبر تَحدّ تعيشه سوريا في تاريخها المعاصر. وعلى رغم أنّ أسباب وأهداف الاحتجاجات المتواصلة منذ 17 أسبوعا جليّة، يبقى غياب أيّ إطار واضح للمعارضة أو "المعارضات" السوريّة الحاجز الأساسي أمام قيام تفاوض حقيقي قد يمهّد لإيجاد مخرج عبر تسوية سياسية، وإن في حدودها الدنيا، وتجهد القوى المعنيّة بالأزمة السورية في البحث ودراسة الواقع بهدف تحديد المسؤولين المباشرين عن التحرّكات الشعبية، خصوصا في المناطق التي شهدت وتشهد أكبر التظاهرات كحماه وحمص .. فمَن هو وائل غنيم سوريا ؟ أين يتموضع ؟ مَن ينسّق التحرّكات ويزيّنها كلّ يوم جمعة بشعار جذّاب وحدثي؟ والأهمّ، مَن يموّل هذه التحرّكات؟
أسئلة يسعى الجميع للإجابة عليها، أو على بعضها على الأقل. ولعلّ زيارة السفير الاميركي روبرت فورد الى حماه قبل أيّام تندرج في هذا الإطار، فما الذي حقّقه فورد لتقرّر السلطات السورية زيادة الضغوط عليه من خلال غاراتها الشعبيّة على سفارته ومكان سكنه؟ وهل ستنقطع شعرة معاوية بفعل التصعيد على الأرض، على رغم حرص دمشق وواشنطن المتبادل على إبقاء الاتّصال لتبادل الرسائل والمعطيات؟
دوائر أميركية متابعة للأزمة السورية تؤكّد أنّها، وبفعل موازين القوى على أرض الواقع، لا ترى حاليّا أيّ حلول خارج إطار التفاوض بين الأطراف، فالسلطة مطالبة بالوقف الفوري للقمع وتسريع عمليّة الإصلاح والاستماع إلى مطالب شعبها، فيما الشعب مدعوّ إلى وضع أهداف ممكنة يسعى من خلال طريقة "خذ ومن ثم طالب" إلى تحقيق متدرّج لأكبر مقدار منها.
واعتبرت الدوائر الأميركية أنّ عوائق متعدّدة تحول دون إيجاد أرضية صلبة للحوار الجدّي، تبدأ بانعدام الثقة بين الأطراف ولا تنتهي بالعدد الكبير للضحايا والجرحى والمعتقلين …
وهنا أشارت الدوائر الأميركية الى محاولات جدّية تقوم بها تركيا من خلال جولة وزير خارجيّتها محمد داوود أوغلو على طهران وعزمه على التوجّه إلى دمشق في موازاة استضافة أنقرة وزيرة الخارجيّة الأميركية هيلاري كلينتون في إطار اجتماع الناتو لمجموعة الاتّصال المعنية بليبيا. وختمت الدوائر الأميركية مؤكّدة أنّ سوريا تتصدّر جدول أعمال هذا الاجتماع. مراقبون عرب في واشنطن حذّروا من أنّ نسبة التوتر تزداد في المنطقة مع انسداد أفق الأزمة السوريّة وتحوّل المحكمة الدوليّة الخاصة بلبنان إلى عامل ضاغط على الحكومة اللبنانية وحزب الله، وإقدام إسرائيل على فتح "اشتباك" على جبهة الغاز وتقاسمه، بحيث قد تتحوّل الحدود البحريّة الى "شبعا جديدة". واستبعد المراقبون العرب ان تتّخذ الأمم المتحدة تدابير سريعة وفعّالة لطيّ هذا الملفّ الساخن والمرشّح للتفاعل عشيّة الذكرى الخامسة لاندلاع حرب تموز 2006… وأعرب المراقبون العرب في واشنطن عن خشيتهم من أنّ أهداف التحرّش بسفارتي واشنطن وباريس في دمشق قد تكون أبعد من رسالة "امتعاض" شديدة اللهجة من القيادة السورية، فهي من جهة ستتصدّر واجهة الإعلام على حساب اقتحامات أخرى تقوم بها القوى الأمنية، ومن جهة أخرى قد تسعى لدفع السفراء إلى المغادرة تمهيدا للدخول إلى مناطق "ثائرة" قد تكون مدينة حماه على رأسها.