بالأمس كسر الرئيس سعد الحريري جدار الصمت السميك الذي يعيد كثيرون بناءه في كلّ مرّة يبتعد فيها سعد الحريري عن كادر الصورة متعمّداً، أو كلّما لاذ بصمت أبلغ بكثير من كلّ الكلام الذي يجترّ في مرعى السياسة اللبنانيّة، إطلالة الرئيس سعد الحريري بالأمس خرقت «جدار الصوت» في وجه الذين يستخفّون بعقول اللبنانيين مبالغين في «مكابرتهم» فيتحدّثون عن 300 سنة للقبض على «أول دفعة» للأربعة المتهمين باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري!!
مدخل سريع أطاح بكل «الهلوسات والترهات التي تملأ الفضاء اللبناني… بمجرّد أن يردّ عليهم سعد الحريري بكلام واضح ومختصر: سأعود إلى بيروت في الوقت الذي أراه مناسباً لي»، ابتلع كثيرون ألسنتهم، وتعرّقت جباه كثيرين، سعد الحريري يخيفهم اليوم وأكثر بكثير ممّا خافوا والده الرئيس الشهيد، لأنّه ببساطة «صاحب الحقّ سلطان»، ولأنّ الحقّ سبحانه وصف حال سعد الحريري في قتل والده وأن عاقبة وليّ الدم هي أن يكون «منصوراً»، قال سبحانه: }وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً{ [الإسراء/ الآية 33] فعلى عكس ما يظهرون من عجرفة في التساؤل عن غياب سعد الحريري وضرورة عودته، كثر لا يتمنّون هذه العودة.
ارتجّ فضاء البعض عندما تساءل سعد الحريري: أين الحقيقة في اغتيال عماد مغنيّة، علينا أن نتذكّر كلّ أحاديث الشفافية في التوصل إلى جواب عن هوية قاتله وعن إعلانها على الملأ، ثلاث سنوات، مزّقت شفافيّات كثيرة، هي واحدة من أهمّ إطلالات الرئيس سعد الحريري، وضع فيها نقطة على سطر الحقيقة والعدالة، ناسفاً كل «بلبلات» المؤتمرات الصحافية التي لن تُفضي إلى نتيجة ولو عقد أصحابها «300 مؤتمر صحافي»!!
لم يقل سعد الحريري إلا ما يقوله اللبنانيّون، بل كان شديد التهذيب عندما وصف الرئيس نجيب ميقاتي بأنه «وكيل حزب الله»، فاللبنانيّون لا يستخدمون صفة وكيل بل صفة أخرى في اختصار دور حكومته للإطاحة بالمحكمة الدوليّة، و»غسل أيدي القتلة»، ربما كان على الرئيس الحريري أن يضيف ربّما «وكيل الوكيل»!!
ستنشغل «ماكينة الإعلام الحربي» لحزب الله في إطلاق النار على كلّ ما قاله الرئيس سعد الحريري، وحتى لا يُضيّع اللبنانيّون بوصلة هذه المرحلة الدقيقة، نقطة الصراع الآن هي «سلاح حزب الله»، ولا تُـجدي نفعاً أبداً كلمات النائب نوّاف الموسوي وشعاراته الطنّانة التي أطلقها رافعاً عقيرة تأسيس «مصطفى بدر الدّين» للمقاومة في الكويت، ربما فات الكثيرين سؤاله: من وماذا كان يقاوم بدر الدين في الكويت في العام 1985، التي اجتاحها صدّام حسين الكويت عام 1990، ولا كيف تيسّر لبدر الدين مغادرة سجنه الكويتي «هديّة صدّامية» إلى طهران!!
بالأمس رمى سعد رفيق الحريري القفّاز في وجه أمين عام حزب الله في منازلة سياسيّة، لم تعد فيها حجة حزب الله حول نظرية المؤامرة على «المقاومة»، بحيث أدخل على اللبنانيين وعلى جمهوره التباساً مقصوداً يخلط فيه ما لا يجتمع أبداً «الزيت والماء»!!
حان الوقت ليتعاطى اللبنانيون مع القضيّة الكبرى منذ العام 2005 بمعرفة الحقيقة وإحقاق العدالة، من دون قفّازات، أن يقولوا حقيقة ما اعتقدوه منذ العام 2005، منذ اغتيل رفيق الحريري واللبنانيون يعرفون من قتله ظلماً وعدواناً، لقد سئم اللبنانيّون من الذين يبدون الشماتة بمقتل رجالات لبنان الكبار، الذين يشبهون القول المشهور: «يقتلون القتيل ويمشون في جنازته»، أليس هذا ما رأيناه يوم شيّع اللبنانيون جنازة الرئيس الشهيد إلى مثواه الأخير؟!