يعيش اللبنـاني في حـالة ضيـاع وخواء مردهـا الى الإداء المتردّي للمســـؤولين أو غالبيتهم. إذا أمعنّا النظر في تصرّف الكثير من الســـياســـيين خصوصا المخضرمين منهم والجدد لوجدنـا نمطية هزلية ومضحكة، ومن الأمثلة عنهـا: مـا ان يتبوأ أحدهم ســـدة المســـؤولية حتى يبـادر الى وضع العلم اللبنـاني قرب مكتبه أو وراءه، وذلك ربمـا للدلالة على أنه أصبح قيمـاَ على الوطن وشـــعاره. أمــّا الظـاهرة الثـانية فهي التكلم بالفصحى أو مـا يشـــبههـا حتى لو ألحن. والظاهرة الثـالثة هي الإكثـار من اســـتعمـال كلمة "بالتـالي" للدلالة على التسلسـل المنطقي في الأفكـار.
ولكن أخطر مـا نراه هو طوفـان الكلام على ألســـنة المســـؤولين الذين يعتلون المنـابر في أي منـاســـبة كـانت: اجتمـاع تكتّل، عشـــاء حزبي، حفل تأبيني، مؤتمر طبّي… والإكثـار من الكلام الذي يقود لا محـالة الى أخطـاء جســـيمة، خصوصا اذا كـان الخطيب تعرّض للســـجادة الحمراء ورش الرز والريـاحين والهتـافـات المؤيدة والمكبرة، بحيث يحس وكأنّه امتلك الكرة الأرضية. وهذه الظـاهرة تقود الى حفلات زجل وحداء يقـابلهـا ســـريعاَ حفلات مماثلة للرد فتتفـاقم الأمور ويخيّم على اللبنـاني أجواء القلق والحذر والترقب.
حمل أحد المصـارف "شـــعار الإلتزام بالعمل وليس في كثرة الحكي"، وهذا مـا يجب أن يطبّقه أهل الســـياســـة. فحبذا لو هذه الإطلالات الإعلامية تكون مناســـبة لإطلاق برنـامج عمل دقيق (وليس شـــعارات فارغة) او للإعلان عن إنجـاز يعيد للبنـانيين قليلاَ من الثقة المفقودة.
أحد هؤلاء الســـياســـيين الذي اقترب من امتلاك الســـلطة المطلقة أعلن من أحد المنـابر انه قطع للرئيس الحريري بطاقة One way ticket ، وهذا الكلام يشـــي فقط بملكة الإســـتئثـار وعـادة الإلغـاء التي خبرنـاهـا في بداية التســـعينـات من القرن المـاضي واعتقدنـا أن حكمة الشـــيوخ ذهبت بهـا. وللتذكير فقط بالكلام غير المســـؤول الذي صدر عن الشـــخص نفســـه في بداية حرب التحرير حين بشـــّر اللبنـانيين بخلخلة المســـمار الســوري فإذا بالمســـمـار ينغرز في وطننـا واجســـادنـا وكرامتنا الوطنية. لقد طالعنـا الزعيم عينه بتصريح من الجنوب يهدّد أوبـامـا بلي ذراع "أمريكـا".
لا أعلم كيف أمضى الرئيس باراك أوبـامـا ليلته تلك، ولكنني بـادرت الى طمأنة أخي وأولاد عمّي وعمتي وخالي المهـاجرين الى بلاد "العم ســـام" أن لا يخـافوا لأن هذا الشـــخص لا يفي عـادة بتعهداته ووعوده، وقد يصح بهذا التهديد مـا قـاله جرير:
زعم الفرزدق أن ســـيقتل مربعاَ
أبشـــر بطول ســـلامة يا مربع
أمّا الحديث عن لي ذراع اســـرائيل (ونحن نريد ليس فقط لي الذراع بل طقّ رقبة إســـرائيل) من شـــخص لم يُعرف عنه بأنه صـاحب انتصارات في ســاحات الوغى وأدّى به فشـــله العســـكري الى الإعتقاد أن الجيش اللبنـاني غير قادرعن الدفـاع عن الوطن، بحيث تبنّى ثلاثية الجيش والشـــعب والمقاومة ربمـا تيمناَ بالثالوث الأقدس المســـيحي حيث الآب ضابط الكل هو المقـاومة والإبن الفـادي هو الشـــعب المتألم والمصلوب على صليب مصـالح الزعمـاء والجيش هو الروح القدس الذي يُراد له كمـا في الليتورجـيا البيزنطية أن يكون بهيئة حمـامة.
هذا الحديث يذكرني بالمرحومة والدتي التي كـانت تخـاف علي وكنت أصغر طـالب في الصف فأوصت أحد التلامذة الأكبر مني والأقوى شـــكيمة (وكان والده يعمل لدى والدي) أن يدافع عنّي اذا مـا تشـــاجرت مع الآخرين. فكنت أســـتغلّ هذة التوصية وأطلب من هذا التلميذ أن يقف قربي وأنـا أعنّف أحد أترابي على أن يتدخل في حـال ســـاءت الأمور.
رحم الله امرؤاَ قـال : لســانك حصانك إن صنته صـانك.
بقلم البروفسور جورج أفتيموس – نقيب الأطباء السابق