وتضيف هذه المعلومات ان الموضوع حسم على أعلى المستويات، وان العميد عباس ابرهيم (نائب مدير مخابرات الجيش حاليا) سيكون مديرا عاما للأمن العام بعد ترقيته الى رتبة لواء، وقد حصل توافق سياسي على هذا التعيين ولكن الأمر لم يمر من دون ضجة إعلامية و«كواليسية». فقد ضجت الدوائر والكواليس السياسية منذ أيام بأخبار وأقاويل حول هذا التعيين الذي استحوذ دون غيره من التعيينات على اهتمام ومتابعة، وهذه عينة مما قيل وتردد:
٭ القيادات المارونية التي اجتمعت تحت سقف بكركي برعاية البطريرك بشارة الراعي وأعطت حيزا أساسيا لمسألة الوجود المسيحي في إدارات الدولة ومعالجة الخلل المتراكم في مرحلة ما بعد الطائف، مازالت تنظر الى مدير الأمن العام على انه «مركز للطائفة المارونية» يجب استعادته رغم مرور 13 عاما على انتقاله الى الطائفة الشيعية، وان تعيين اللواء جميل السيد في هذا المنصب عام 1998 حصل لأسباب استثنائية وكان إجراء مؤقتا.
هناك من يقول ان النائب ميشال عون وعد البطريرك الراعي باسترداد بعض المواقع الادارية المسيحية ومنها مديرية الأمن العام، كما تحدث عن ذلك أيضا في اللقاء الماروني الرباعي، ولكن عون يقول انه لم يطرح الموضوع وانه مطالب بإعادة المنصب وهذا يحتاج الى بحث مع الأصدقاء، مؤكدا ان اختلاق معارك داخل الأكثرية الجديدة لن يحصل، وفي إشارة صريحة الى بقاء كل شيء على حاله قال عون (في اجتماع تكتل الإصلاح والتغيير): «سواء عادت مديرية الأمن العام الى المسيحيين أم بقيت مع الشيعة، ليست أول الدنيا ولا آخرها».
٭ القيادات الشيعية (حزب الله وأمل) متفقة في هذا الموضوع على أمرين يكادان ان يكونا بمنزلة «خط أحمر»:
الأول: ألا تخل ولا تنازل عن مديرية الأمن العام، فلا عودة الى الوراء (الى رئاسة جهاز أمن الدولة) ولا تفريط بمكتسبات إدارية تحققت وترسخت في مرحلة ما بعد الطائف (مديرية الأمن العام رئاسة الجامعة اللبنانية رئاسة جهاز أمن المطار رئاسة المجلس الوطني للاعلام الخ…)، خصوصا ان حجم الطائفة الشيعية في الدولة والحكم لم يعد متناسبا مع حجمها الواقعي على الأرض بعدما سجلت قفزات على مستويات عدة (عسكرية وديمغرافية واقتصادية).
الثاني: التمسك بترشيح العميد عباس ابرهيم لهذا المركز الأمني الحساس نظرا لتجربته الناجحة في كل المناصب التي تقلدها في الجيش.
هناك من يقول انه جرى طرح صيغتين لإحداث تغيير في مديرية الأمن العام:
الأولى: ان تسند مديرية المخابرات في الجيش الى ضابط شيعي (الأمن العام مقابل المخابرات)، ولكن هذا الطرح تجاوزه الرئيس بري للمطالبة بـ «قيادة الجيش» مقابل مديرية الأمن العام لأن الدور الشيعي فاعل ومؤثر في مديرية المخابرات من خلال مركز نائب المدير من أيام اللواء جميل السيد الى العميد عباس ابرهيم.
الثانية: ان تعزز صلاحيات جهاز أمن الدولة فلا يعود جهازا لأمن الشخصيات والسفارات والتنقلات، ويحول جزءا من صلاحيات فرع المعلومات اليه ليصبح في مستوى الأمن العام، وهذا التوجه الذي ألمح اليه العماد عون ليس لإقناع الشيعة باستبدال «الأمن العام» بـ «أمن الدولة» وإنما لتأكيد المعادلة القائمة التي تزداد رسوخا.
وهذا التوجه ناحية جهاز أمن الدولة (يرأسه ضابط كاثوليكي) أثار توجسا للكاثوليك عبر عنه النائب ميشال فرعون لقطع الطريق على أي محاولة للمس بهذا الموقع الذي يشكل واحدا من مكتسبات قليلة للطائفة الكاثوليكية في مرحلة ما بعد الطائف (رئاسة جهاز أمن الدولة، ورئاسة المجلس الاقتصادي الاجتماعي الذي يعود الفضل في تكريسها للكاثوليك الى روجيه نسناس الذي «صمد» في رئاسة المجلس رغم آل المحاربة والتضييق). ولا ينتهي الأمر عند هذا الحد، فالطائفة الأرثوذكسية تطالب (بلسان النائب فريد مكاري) بأن تسند اليها رئاسة أحد الأجهزة الأمنية الفاعلة بعدما كان هذا النقص في المجال الأمني يعوض دائما بتولي الأرثوذكس إحدى الوزارتين: الداخلية أو الدفاع، ولكن بالإجمال ثمة شعور متفاقم عند الأرثوذكس بوجود غبن وإجحاف في حقهم في وظائف الفئة الأولى.
مما لا شك فيه ان التعيينات تعد اختبارا واستحقاقا داخليا مبكرا لحكومة الرئيس ميقاتي لا يقل أهمية ودقة عن اختبارات أخرى أولها «المحكمة الدولية» وكيفية التعاطي معها.
