ينتظر جمهور قوى 14 آذار على تنوعه وانتشاره وقوع حكومة الرئيس نجيب ميقاتي في فخ أول خطوة عملية للتنصل من التعاون مع المحكمة الدولية الخاصة أو لاتباع سياسة كيدية حتى ينقل اعتراضه الى الشارع ليس فقط من أجل الحقيقة والعدالة وإنما سعياً الى انقاذ لبنان من مواجهة الشرعية الدولية وانعكاساتها المضرة بموقعه واقتصاده.
وتعاون لبنان مع المحكمة الدولية قد يساعد على حصر السلاح تحت سلطة الشرعية كما أدى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري الى خروج القوات السورية بعد وجود استمر نحو ثلاثة عقود. كما لا يبدو إسقاط هذه الحكومة مستحيلاً. فقوى 14 آذار كانت أقلية صغيرة في برلمان عام 2005 عندما نجحت في إسقاط حكومة الرئيس عمر كرامي، وهي تتمتع حالياً بمقاعد نحو نصف البرلمان أي 60 مقعداً من أصل 128.
لكن صعوبة المرحلة المقبلة تنبع من احتمالات انكشاف لبنان دولياً وداخلياً.
دولياً: يصبح البلد في مهب العقوبات إذا رفض التعاون مع المحكمة الدولية أو بسبب العقوبات الدولية على سوريا خصوصاً مع إعلان حزب الله، الطرف المسيّر للحكومة، دعم النظام السوري في مواجهته الدموية لشعبه. وبذلك يلحق الضرر بقطاعات تشكل العمود الفقري للاقتصاد وأبرزها القطاعات المصرفية والسياحية إضافة الى التهديدات الإسرائيلية وآخرها التعدي على حقوقه في نفطه وغازه في البحر المتوسط.
داخلياً: تصعيد المعارضة في مواجهة الحكومة سيأتي متدرجاً رغم وضوح سيطرة "حزب الله" وحلفائه على توازنها خصوصاً وأن قوى 8 آذار ستعطي الرئيس ميقاتي "فترة سماح" فلا تجبره فوراً على خطوات كيدية أو تعيينات واضحة الانحياز في مئات المراكز الشاغرة في المجالات الإدارية والقضائية والديبلوماسية والأمنية. ويعزو سياسي لبناني متابع هذا التريث الى حاجة "حزب الله" لبقاء الحكومة حتى يتمكن من السيطرة مع حلفائه على مفاصل الدولة في غياب قوى 14 آذار ومن إقرار قانون انتخابي يضمن الفوز بأكبر قدر ممكن من المقاعد في انتخابات عام 2013.
ولن تواجه الحكومة في أول جلساتها اليوم ملفات شائكة. فقضية التعدي الإسرائيلي على حدود لبنان البحرية في منطقة نفطية غازية هي قضية تحظى بإجماع وطني. كما وأن الحكومة السابقة وضعت آليات للتعيينات في الفئة الأولى لم تنجح في اتباعها ولا في إنجاز التعيينات بسبب الخلاف على الحصص.
وتبدأ الصعوبات في مجالات الكيدية مع التعيينات وإعادة ملف الشهود الزور الى طاولة مجلس الوزراء وهو الملف الذي شل حكومة الرئيس سعد الحريري أشهراً قبل أن يساهم في إسقاطها.
وستتوضح هذه التوجهات رغم إعلان الرئيس ميقاتي، من خارج البيان الوزاري "التزام التعاون مع المحكمة الدولية وتطبيق القرار الدولي 1757 وسحب الأسلحة الثقيلة والمتوسطة من المدن"، ورغم تأكيد النائب وليد جنبلاط أن "من الخطأ وقف تمويل المحكمة وسحب القضاة اللبنانيين منها" و"أن السلاح له استخدامه الشرعي ضد إسرائيل وتحريمه في الداخل". فتحفظ وزراء الطرفين خلال جلسة إقرار البيان الوزاري لم ينجح في تغيير كلمة واحدة في بند المحكمة حتى لا يأتي ملتبساً ورمادياً.
مع كل ذلك لم ترفض قوى 14 آذار مبدأ الحوار رغم استثنائها موضوع المحكمة الدولية منه وحصره بعنوان واحد أنشئ من أجله أي "الاستراتيجية الدفاعية" المحددة لمصير سلاح "حزب الله" والتي تقدم الفرقاء بآرائهم فيها على طاولة الحوار باستثناء الحزب المعني.
فرغم الانقسام العمودي الحاد حول موضوعي المحكمة الدولية وسلاح "حزب الله" فصل الرئيس سعد الحريري الثلاثاء بين معارضة الحكومة والحفاظ على مصالح اللبنانيين، مع إعلانه مواصلة المعارضة حتى ربح الانتخابات أو إسقاط الحكومة. ويرى السياسي المتابع أن إسقاط الحكومة لن يكون مضراً حتى وإن تم قبل ضبط سلاح "حزب الله" لأن وجوده في ظل نظام سوري مهتز سيجعله غير فعال في إشاعة الخوف.
فقد أوضح الرئيس الحريري أن العمل لإسقاط الحكومة لن يتم عبر "تعطيل اقتصاد البلد"، وفي حال تقديمها مشروعاً اقتصادياً مفيداً "نحن أول من يصوت عليه" مشدداً على أن الحكومة "أتت بقوة السلاح وهي حكومة حزب الله" ومحملاً الرئيس السوري بشار الأسد والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله مسؤولية إسقاط حكومته.
كما أعلن الرئيس الحريري موقف المعارضة الاقليمي خصوصاً بالنسبة الى سوريا متخطياً الوضع الداخلي الذي اقتصرت مداخلات قوى 14 آذار في جلسات الثقة على التركيز عليه والمتمحور حول المحكمة والسلاح. وجاء موقفه مدروساً إذ تكلم عن الثورات العربية وأعلن التعاطف مع الشعب السوري من دون التدخل في شؤونه الداخلية. وقد وصف ما يجري بأنه "ظلم" و"جريمة على الصعيد الإنساني"، وقال بصفته مواطناً عربياً "لا يمكنني إلا أن أتفاعل مع ما يحصل في درعا وحمص وحماه".