#adsense

درس من قبرص

حجم الخط

لطالما نظر العرب عموماً، واللبنانيون خصوصاً، الى جارتهم الصغيرة قبرص على انها «ضيعة» لم تصل الى مصاف الدول بعد، ويعاملون شعبها باستعلاء، على رغم ان معظمهم جاءها هارباً من «حضارة» الحرب الأهلية والقمع في بلاده، فوجد فيها الترحيب والسلام والطمأنينة. إن هذه الجزيرة، التي باتت جزءاً من الاتحاد الاوروبي، علّمت جيرانها في السابق، وتعلّمهم اليوم دروساً في المسؤولية والديموقراطية قد يحتاجون سنوات طويلة لهضمها،

فوزير الدفاع القبرصي لم ينتظر سوى ساعات قليلة ليقدِّم استقالته ويَعتبر نفسَه مسؤولاً عن الانفجار العرضي الذي وقع في قاعدة بحرية وأسفر عن مقتل وجرح عدد من ضباطه ومواطنيه، في تصرف ينمّ عن فهم عميق للعلاقة بين المسؤول والمواطن، ويتحمل تبعاتها المعنوية والسياسية، وحتى الشخصية.

اما في الدولة العربية الأقرب الى قبرص، اي سورية، فقد قُتل حتى الآن اكثر من 1500 مواطن تظاهروا سلماً، مطالبين بالحرية والتغيير وجرح الآلاف، واعتُقل عشرات الآلاف، ولم يقدّم اي من المسؤولين السوريين استقالته، بل ازدادوا تشبثاً بمناصبهم وامتيازاتهم، وزادوا تنكيلاً بمن يدعونهم الى محاسبة النفس والتنحي. ولم يظهر اي وزير سوري على التلفزيون ليعترف بأنه أساء استخدام سلطاته أو ساهم في تعميم الفساد والمحسوبية، بل ان بعض المحافظين وبعض قيادات الصف الثاني والثالث الذين أُبعدوا عن مناصبهم خلال فترة الاحتجاجات، انما عوقبوا لأن الحكم اعتبرهم «متساهلين» مع المعارضة، او تلكأوا في تنفيذ اوامر القمع والقتل، وربما «اجتهدوا» في محاولتهم محاورة المحتجين.

وفي لبنان، الذي يعيش هذه الايام ذكرى حرب تموز، فإن قيادة «حزب الله» التي تسببت بهذه الحرب المدمرة، والتي باتت تمسك بزمام الرئاسات الثلاث، لم تعتذر يوماً من اللبنانيين، الذين سقطوا ضحية حساباتها والتزاماتها الإقليمية، بل لا تزال تكابر وتعتبر انها أهدتهم «انتصاراً»، وأنها فوق الشبهات، المحلية منها والدولية. بل إنها، وفي موقف انتهازي فاضح، تعلن وقوفها الى جانب النظام السوري في قمعه لشعبه. وكان الرئيس السابق اميل لحود الذي ربطته علاقة حميمة بالحزب، أظهر أيضاً المكابرة نفسها عندما رفض تقديم استقالته بعد اغتيال رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري، كدليل على احساسه بالمسؤولية واحتراماً لمشاعر شعبه المفجوع، وأصر على البقاء في قصر الرئاسة حتى انتهاء ولايته، معتبراً في كل يوم انه «ينتصر» على مواطنيه.

اما النظام الليبي، الذي شكلت قبرص بالنسبة اليه خلال فترة طويلة متنفساً وحيداً للالتفاف على الحصار الخانق الذي عانى منه بعد إدانته في حادث طائرة لوكربي وأنشطة اخرى متصلة بالارهاب، فلم تتعلم اجهزته الأمنية التي عاثت فساداً في الجزيرة الصغيرة شيئاً من أخلاق أهلها الوادعين، فالقذافي يؤكد في كل يوم انه سيبقى في السلطة حتى آخر ليبي، وأنه سيقاوم التغيير حتى آخر لحظة، بل سيرسل انتحاريين الى دول اوروبا للانتقام من مساندتها للثوار.

ويبقى «الجار» التركي، الذي يحتل جيشه القسم الشمالي من الجزيرة، فهو أيضاً رغم انه تخلص من نظامه العسكري وقرر اعتماد معادلة «صفر مشاكل» مع الجوار، لم يستطع حتى الآن ان يتجاوز العقدة القبرصية، فيسهّل الحل ويسحب قواته ويسهم في اعادة توحيد الدولة الوحيدة المقسَّمة في أوروبا، علماً ان احتلاله للقسم الشمالي لم ينقل القبارصة الاتراك الى وضع افضل، بل زاد الهوة الاقتصادية والنفسية بينهم وبين مواطنيهم اليونانيين.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل