كتبت سلوى بعلبكي في صحيفة "النهار":
محمد طه الشاب الذي قضى يوم تخرّجه لسبب يشتبه في أن الأطعمة الفاسدة تقف وراءه، ليس الاول في لبنان ولن يكون الأخير! وهذا الامر ليس مستغربا في ظل الحديث عن ضبط كميات من المواد الغذائية الفاسدة يوميا، ولعل آخرها أول من امس، إذ ضبطت كمية من الاسماك المثلجة المنتهية الصلاحية منذ مدة طويلة في أحد مستودعات بيروت.
تعمل وزارة الزراعة على تطوير عمل المختبرات التابعة لها أو التي لديها اتفاقات تعاون معها في القطاعين العام والخاص، وذلك للحدّ من ادخال المواد الغذائيّة غير الصالحة الى لبنان، وفقا لوزير الزراعة حسين الحاج حسن الذي أكد لـ"النهار" أن الوزارة لن تألو جهداً في ضبط الامور. ويكشف أنه "في اسبوع واحد، ضبط الكثير من المواد الفاسدة في المخازن والمستودعات والبعض منها بدأ تسويقه فعلياً".
الحاج حسن الذي يخشى ردة فعل في حال فضح كل الامور، لفت في المقابل الى انه مصر على توعية المستهلكين "حتى لا يقعوا في الفخ".
ورغم حالات التسمم التي تصيب المواطنين، إلا أنه أشار إلى أنها "لا تزال مقبولة مقارنة بما يحصل في دول العالم، ويعزو السبب الى زيادة الاجراءات والرقابة من الادارات المعنية، وكذلك الى "قوة المناعة لدى اللبنانيين".
13 ألف عيّنة تفحص سنوياً
عام 2003، كان عدد العيّنات الغذائية التي تفصحها مصلحة حماية المستهلك يقتصر على 700 عينة سنويا، لكن حاليا ارتفع العدد الى نحو 13 الف عينة.
واعتبر المدير العام لوزارة الاقتصاد بالانابة فؤاد فليفل، ان سلامة الغذاء بالنسبة الى وزارة الاقتصاد هي "خط احمر، وهذه الامور شدد عليها الوزير نقولا نحاس فور تسلمه الوزارة".
ولكنه لم يغفل تحميل جزء من المسؤولية الى المستهلك "الذي يجب ألا يهمل أي حق من حقوقه خصوصا حيال الابلاغ عن أي شكوى او عملية غش يتعرض لها، حتى لو كان الامر في اطار الشك فقط".
106 شكاوى من وجبات غير صحية أو فاسدة تلقتها حماية المستهلك عام 2010 عبر الرقم 1739، ولكن "المطلوب أكثر" وفق فليفل الذي أقرّ بوجود حالات تسمم تعرض لها بعض المواطنين. ولفت الى أنه "بغض النظر عن اسباب التسمم، لماذا لا يبادر الذين يتعرضون لحالات مشابهة الى الاتصال فورا بالرقم 1739 كي تتحرك مصلحة حماية المستهلك للتأكد من أسباب التسمم وتحديد المسؤوليات.
وأشار الى حالة الشاب محمد طه، مؤكداً أن المصلحة لم تتحرك الا بعد 3 ايام على وقوع الحادث وذلك لسبب بسيط هو عدم معرفتها به فور حصوله.
وبما أن مسألة سلامة الغذاء تتعلق بوزارات عدة، أوضح ان وزارة الاقتصاد تحضر ملفات مع الادارات المعنية (السياحة والصحة والزراعة والبلديات)، وبدأت اجتماعات مكثفة للتنسيق والتعاون من اجل ضمان وصول غذاء سليم للمواطنين.
أما مسؤولية مصلحة حماية المستهلك فتنحصر وفق فليفل، في التأكد من صلاحية المواد الغذائية والاسعار، لذا يستبعد لجوء التجار الى تغيير تواريخ الانتاج لأن الآلات التي تقوم بهذه المهمة غير متوافرة. ويلفت الى ان ثمة 215 مراقب ينزلون الى الاسواق يوميا للمراقبة، الا ان الاولوية لديهم تنحصر في متابعة الشكوى والمعلومات التي تردهم عن وجود مواد فاسدة او منتهية الصلاحية في المخازن. وإذ نوه بالموظفين والعاملين في المؤسسات الذين يحرصون على تزويد مصلحة حماية المستهلك المعلومات، أكد حرص الوزارة على سرية المعلومات ومصدرها حتى لا تعرض صاحبها للأذى.
المسؤولة عن قسم مراقبة الغذاء وسلامته في جمعية المستهلك – فرع لبنان ندى نعمة لا تلقي المسؤولية على جهة محددة، لأن "المسؤولية مشتركة بين الدولة والتجار والمستهلك".
فعلى الدولة مسؤولية تشديد المراقبة وخصوصا البلديات عبر دائرة الصحة التي من المفترض أن تكون بمثابة ضابطة عدلية، ولكن هذه الثقافة لا تزال جديدة على البلديات التي لا تكترث كثيرا لتوظيف مراقبين لديها. وتلوم الوزارات المعنية لعدم اعلانها اسماء التجار الذين تضبط لديهم منتجات مغشوشة، "حتى يكونوا عبرة لغيرهم، بما يساهم في الحد من التمادي بالتلاعب بأرواح الناس". أما المستهلك فتقع عليه مسؤولية التبليغ عن أي حالة غش يتعرّض لها.
30% من المطاعم غير مرخّصة
"غالبية حالات التسمم تحصل في المطاعم وخصوصا مطاعم الاكل السريع، لأن الرقابة على اللحوم غير متوافرة"، وفق نعمة التي تشير في هذا السياق الى غياب الثقافة العامة لسلامة الغذاء وعدم الوعي لدى بعض اصحاب المطاعم والسوبر ماركت حيال طريقة حفظ المواد الغذائية وخصوصاً في هذا الطقس الحار.
الا ان رئيس نقابة اصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي والباتيسري بول عريس، الذي لم يستغرب وجود حالات تسمم بدليل ان أي صاحب دكان يمكن أن يبيع المشاوي من دون أي رقابة"، سأل "كيف يمكن مراقبة كل المطاعم في لبنان، في ظل وجود %30 منها غير مرخصة.
والمسؤولية، يلقيها عريس على البلديات ودوائر الصحة في المحافظات الذين المفترض أن يراقبوا الشروط الصحية لكل المؤسسات الموجودة في نطاقهم الجغرافي. أما مصلحة حماية المستهلك فلا يلومها كثيراً، "إذ بالكاد تستطيع ملاحقة الشكاوى التي تردها يوميا".
نقيب مستوردي المواد الغذائية عادل أبي شاكر، شكك في امكان وجود مواد غذائية منتهية الصلاحية في الاسواق، بدليل خضوع كل السلع المستوردة للمراقبة والفحوص المخبرية. "عندما تحدث حال تسمم يضعون اللوم على المواد الغذائية، وهنا لا يمكن أن نعمم إذ ثمة 25 ألف صنف غذائي في السوق، وثمة حالات تسمم يمكن أن تحصل من جراء تناول اللحوم أو الدجاج الفاسد".
وإذ استبعد امكان تغيير تاريخ الانتاج على المواد الغذائية، قال "علينا تحديد الاهمال، إذ يمكن أن تكون ثمة مواد فاسدة بسبب انقطاع التيار الكهربائي عنها، وخصوصا تلك التي تحتاج الى تبريد مثل الالبان والاجبان واللحوم والاسماك".
"نية الغش موجودة في كل الاوقات وفي كل الامكنة"، وفق ابي شاكر، ولكن ذلك لا يعني تعميم الأمر على كل التجار والمخازن، خصوصا الكبار منهم الذين يهمهم المحافظة على سمعتهم وزبائنهم في السوق. وأكد أبي شاكر ان مصلحة حماية المستهلك "تقوم بجولات دورية على المحال التجارية والسوبرماركت للتأكد من تاريخ صلاحية المنتجات، فيما يعوّل في الوقت عينه على الاعلام في نقل الوقائع بموضوعية وعدم إطلاق التهم جزافا".