#adsense

أسئلة عن “تسييس” المحكمة!

حجم الخط

لم تتكّمن الأجهزة الأمنية اللبنانية والسورية من كشف من يقف وراء جرائم الاغتيال السياسي في لبنان، أقلّه منذ سنة 1975، وبالتالي من إحالة الفاعلين على القضاء اللبناني. كما لم يكن في الوارد إنشاء محكمة دولية خاصّة بلبنان في الماضي عندما اغتيل رؤساء جمهورية وكبار من لبنان.

لذلك فإنّ تفسير ردّة فعل "أعداء" المحكمة الخاصّة من أجل لبنان، ووصفهم إيّاها بالمسيّسة، يعود إلى أنّها لم تدخل في حسابات القتلة… وهي طبعا تشكّل تهديدا جدّيا وكبيرا لهم، فهي مسيّسة لمجرّد ولادتها!

والمجتمع الدولي المتمحور حول أميركا، والذي يعلم عبر أجهزته وأدواته مَن كان يقتل منذ سنة 1975 فاجأ القتَلة بأنّ غيّر في نهجه السابق "المتساهل" أو "غير المبالي"، ومضى اليوم في إنشاء المحكمة الخاصّة بلبنان…!

وبتعبير آخر، أصبحت توجّهات ومصالح هذا المجتمع الدولي لا تمانع في أن يشهر "سلاح المحكمة والعدالة" في وجه القتلة، بعدما تغيّرت قواعد التفاهم والتعايش (Modus vivende)، وقواعد اللعبة بين المجتمع الدولي وبين القتلة.

وربّما سبق ذلك أن هُيِّئ للقتَلة أنّ هناك "رفع غطاء" عن رفيق الحريري، كما كان هُيِّئ لصدّام حسين أنّ اجتياح الكويت أمرٌ لن يلقى عقابا، بل مجرّد استنكار.؟

في حالة صدّام أدّى اعتقاده الخاطئ إلى ما أدّى إليه من ويلات، أمّا في حالتنا اللبنانية، فقد يكون علق من علق بالمحكمة، بسبب حماقته وإجرامه الذي كان يمارسه لعقود من دون عقاب ومحاسبة.

وبما أنّ المجتمع الدولي والدول الكبرى والفاعلة ليسوا بالضرورة جمعية خيرية، بل صيّادا ماهرا لأخطاء الصغار ومستفيدا منها، فقد تكون هذه الدول، وعلى رأسها أميركا الداعمة لمصالح إسرائيل، قرّرت الاستفادة من إجرام البعض، فأوقعته في شرك محكمة لم يكن يتوقعها لكي تقوم بمحاسبته، وربّما ابتزازه في مواضيع وملفّات عدّة، من سلاح حزب الله إلى السلاح النووي الإيراني، إلى إيوائه قادة حماس، إلى دوره في العراق…!

ولكن إن صحّ ذلك كلّه، فهل تسأل عنه الضحيّة والقتيل والشهيد وأهلهم، وحتى أميركا وإسرائيل، أم يسأل عنه المخطّط والمنفّذ والشريك في الجرائم؟

وإذا كانت إسرائيل، عوَض أن تخوض حربا جديدة على لبنان بفريقيه 8 و 14 آذار وعلى كلّ أبنائه، تفضّل أن تندلع حروب مدمّرة بين اللبنانيين أنفسهم، وبين شيعة وسنّة لبنان، فهي لم ولن تدّخر جهدا من أجل إزكاء الفتنة عبر رميها تسريبات مفبركة أو مسمومة في توقيتها أو مضمونها يتلقفها أعداء المحكمة… ويتبنّونها في تصدّيهم للمحكمة ولنزاهتها.

ولكن هل تُسأل إسرائيل عن عدائيّتها لنا، أم يُسأل اللبنانيّون وتحديدا من استهتر بانفتاح فريق 14 آذار تجاهه وفسّر ذلك على أنه ضعف، وقرّر "اجتياح" كلّ لبنان وكلّ مؤسّساته خدمة لحليف أو "أخ" متورّط، وربّما تستيرا على دورٍ له في الجريمة؟؟

التسويات السرية
تهدد العدالة

وإذا كان من خوف على المحكمة وعلى العدالة الدولية من تسييس ما، فإنّه قد يتأتّى من تسويات سرّية أو تقاطع مصالح جديد بين المتّهمين والفاعلين من جهة، وبين إسرائيل وأميركا من جهة ثانية. شاهدُنا على هذا الاحتمال ما قاله لنا أزلام سوريا في لبنان حديثا بأن: لو أراد النظام السوري تجاوز ثورته الداخلية أو ملفّ المحكمة، لكان تنازل (لأميركا ولإسرائيل) في ملفّ المقاومة وحزب الله أو في ملفّ الصلح مع إسرائيل ألخ…؟؟ وكلّنا يتذكّر في المناسبة مدى التعايش وتقاطع المصالح بين النظام السوري وإسرائيل على مدى 40 عاماً!

وهل ننسى كيف قام النظام السوري بقمع وتقسيم الفلسطينيين، وكيف أضعف ونهب لبنان، وكيف ابتزّ العرب وقادتهم كلّ ذلك تحت عنوان الصمود والتصدّي، ومن ثمّ الممانعة، فخدم أعداء الأمّة؟؟ وهل ننسى أنّ التفويض الدولي والأميركي والاسرائيلي الذي تمتّعت به سوريا على مدى 30 عاما في لبنان، لم يكن إلّا مثالا صارخا لهذه المقايضات والتفاهمات..؟

خوف 14 آذار

كذلك، هل ننسى أنّ الإمام الخميني أجاز لإيران شراء السلاح الإسرائيلي أثناء حربه مع العراق؟؟ وهل نغفل التسهيلات، أو أقلّه "غضّ النظر"، الذي مارسه النظام الإيراني حينما غزت الولايات المتّحدة عراق صدّام حسين سنة 2003؟؟

واليوم، هل من أحد يمكنه أن يجزم لنا بأنّ "التعاون" بين النطام السوري المأزوم وإسرائيل قد انقطع نهائيّا؟!

ألم يشر مؤخّرا رامي مخلوف إلى ترابط هذه المصالح السوريّة – الإسرائيلية في حديثه إلى صحيفة أميركية؟

لذلك فإنّ جمهور أحرار لبنان و 14 آذار هو الذي يحقّ له أن يخاف من محاولات فريق المتّهمين تسييس المحكمة أملاً منه في نسف صدقيّتها…

لكل شيء نهاية، وأنّ الساعة تقترب، كما أنّ لعبة تقاطع المصالح لم تعد تجدي أو تنفع مهما حاولوا تشويه المحكمة أو تسييسها! فهي محكمة جيّدة حتى ثبوت العكس، لأنّها أوّلا لا تشبه المحاكم الإيرانيّة أو السوريّة.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل